وتسجل كتب السيرة ان الرسول صلى الله عليه وسلم عانى من القلق في نفسه في بداية امره ، هذا القلق الذى سيقوده الى مواجهة المشكلات التى يعانى منها مجتمعه وسيظهر صلى الله عليه وسلم عبقرية ذات رحابة لا مثيل لها ، مستهديًا بالوحى الذى يجئ حاملًا دائمًا الشعاع العلوى ، والكلمة الأخيرة، وسيكشف الرجل عن ذكاء عجيب ، وعن حكم على قيم الأشياء ، وعلى نفسية الرجال ، منزه تقريبًا عن الخطأ ، كما يكشف عن إرادة لا يعتريها الوهن (145)
إن هذه الإرادة التى لا يعتريها الوهن ، وهذا الحماس والحيوية والتوتر الذى تجسد في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون أحد مقومات الفاعلية في الأمة الإسلامية التى ورثت كل صفات الكمال عن نبيها صلى الله عليه وسلم ويبقى وقودًا دائمًا لها لمينحها الحياة المتجددة.
وإذا كانت حالة التوتر والحماس لأداء الرسالة الحضارية قد قلت او انعدامت في الأمة الإسلامية اليوم ، فإنها في امم اخرى اكثر حرارة وتوقدًا ، ومثال ذلك ما يشهده شعب يهود من فاعلية وتوتر وحماس لتحقيق اهدافه الكبرى ، فهو قد استمد هذه المقومات الأساسية من طبيعة الديانة اليهودية ، وواقعها التاريخ ، واستوحى العديد من التعاليم والعقائد الدينية التى تداخلت في نسيج الحركة الصهيونية الرامية الى الاستيلاء على فلسطين ، وجعلها قاعدة انطلاق لاستعمار يهود في العصر الحديث (146) يقول: (هرتزل) مؤسس دولة يهود: ( نحن نشعر برابطتنا التاريخية فقط عن طريق إيمان الأباء والأجداد . .. فالإيمان يوحد فميا بيننا ، والمعرفة تمنحنا الحرية(147) وهو يقصد أن إيمان بالعقيدة اليهودية سيبقى المحرك للطاقات ، والموحد للصفوف عند جميع يهود.
وهناك شعب أخر ما زال يحقق التفوق تلو التفوق في ميادين الحضارة وهو الشعب اليابانى الذى عرف منذ انظلاقه في القرن الماضى ( سنة 1868) توترًا وفاعلية وحماسًا بين جميع افراده ، وحقق بذلك انتصارات كبيرة في ميادين الحياة المختلفة ، وجلب احترام الأمم والشعوب له ، ,اصبح عندهم أنموذجًا يقتدى به.
إن التوتر والحماس الذاتى هما شرطان أساسيان للفاعلية المرجوة عند المسلمين في هذا العصر ، ولن يحصل ذلك إلا بالإيمان والإرادة ، وكما يقول الأمير شكيب ارسلان - رحمه الله: ( إن ملاك الأمر هو الإرادة فمتى وجدت الإرادة وجد الشئ المراد(148)
5.المحيط الاجتماعى ( الثقافة) :
المحيط الاجتماعى هو الثقافة التى تعكس حضارة معينة ، وكل مجتمع له ثقافته التى تميزه عن بقية المجتمعات ، من حيث العادات والتقاليد والقيم ، ومن حيث - وهذا هو المهم - السلوك الحضارى ، والذوق الجمالى ، والعمل الحركى.
فالثقافة التى تيمز الحضارات ليست مجموعة من المعارف النظرية التى يتعملها الإنسان - كما يعتقد كثير من الناس - ولكنها سلوك عملى في المجتمع يحدد مستواه الفكرى وقيمته الاجتماعية ، ومن هنا كان المبدأ الاخلاقى والذوق الجمالى من العناصر الأساسية في الثقافة ، لأنهما ينتجان الفاعلية ، أو ما يسميه مالك بن نبى ( بالمنطق العملى ) .
إن كل ثقافة تتضمن علاقة ( مبدأ اخلاقى - ذوق جمالى ) تكون ذات دلالة عن نوع عبقرية مجتمع معين ، وهى ليست تطبع إنتاجه الأدبى بطابع خاص فحسب ، وإنما تحدد اتجاهه في التاريخ ايضا (149) لأن المبدأ الأخلاقى هو الذى يكون شبكة العلاقات الاجتماعية التى تتجه كلها في اتجاه واحد نحو البناء والتكوين الحضارى ، أما الذوق الجمالى فهو الذى تنبع منه الأفكار ، وتتجه نحوه الأعمال.
وإذا كان للثقافة هذا البعد الاجتماعى ، فينبغى ان نوضح الخلاف الجوهرى بين الثقافة التى تتضمن كشرط اولى تحديد الصلات بين الأفراد ، وبين العلم الذى لا يهتم إلا بالصلات الخاصة بالمفاهيم والأشياء ( فالرجل العالم قد يكون عنده إلمام بالمشكلة كفكرة غير انه لا يجد في نفسه الدوافع التى تجعله يتصورها كعمل ، في حين ان الرجل المثقف يرى نفسه مدفوعًا بالمبدأ الأخلاقى الذى يكون أساس ثقافته الى عمليتين: عملية هى مجرد علم ، وعملية أخرى فيها تنفيذ وعمل(150)
إن من أبرز الملاحظات في القرن العشرين ان الفرد اصبح يؤثر بثلاثة مؤثرات هى: الثقافة ، والعمل ، والمال ، وتعد الثقافة احد الأسلحة الفعالة المستخدمة في قضية الصراع الفكرى بين الشرق والغرب ، بل إننا نشهد صراعًا ثقافيًا بين المجتمعات الغربية نفسها.
وإن أمام المسلم في هذا القرن تحديات حضارية كبيرة منها التحدى الثقافى الذى يفرض عليه منطق الفاعلية ان ينتصر فيه ، لأنه كى يتمكن من مجابهة الثقافات الخاصة بمجتمعات اليوم المتحركة يجب عليه ان يعيد الفاعلية للدين الإسلامى لتأخذ مكانها بين الأفكار التى تبنى الحضارة وتصنع التاريخ.
ومع ان المحيط الاجتماعى الذى يتربى فيه المسلم اليوم اكسبه بعض العادات السيئة كحب الراحة والسكون ، وتفضيل العجز والتواكل نظرًا للخلل الموجود في شبكة العلاقات الاجتماعية ، إلا أن التحديات الحضارية تفرض عليه توجيه ثقافته وسلوكه نحو العمل الذى وحده يخط مصير الأشياء في الإطار الاجتماعى ، ولا يكون ذلك إلا بتغيير نفسه اولًا ، والارتفاع بها الى مستوى الحضارة.
لابد للمسلم اليوم ان يعرف ان المعرفة التى يملكها لا قيمة لها إذا لم تتحول الى ثقافة متحركة ، وقوة دافعة ، وإذا لم تساهم في توحيد العلاقات الاجتماعية ، واجتماع الجهود الفردية والجماعية لتصب كلها في خدمة الأمة الإسلامية ، والعمل على إخراجها من الأزمة الحضارية التى تعانى منها.
6.الاجتهاد وروح المبادرة:
لقد تحدثنا في مبحث سابق عن العلاقة العضويى بين ازدهار الاجتهاد وتقدم الأمة وقوتها ، وان ضعف الأمة وتخلفها كان من ورائه تخلف الاجتهاد وضعفه ، وذلك باتباع ( التقليد) الذى اصاب القاعدة الفكرية للأمة بالسلبية والكساد.
والاجتهاد عملية عقلية وفق ضوابط خاصة تتوخى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية ، فالمجتهد ينظر في الأدلة النصية كالقرآن والسنة ، او يستهدى روح الشريعة ومقاصدها ويبذل جهده في سبيل التعرف على الحكم الشرعى (151)
وهو عملية تتطلب أقصى الجهد في معرفة الحقيقة سواء أكانت شرعية ام اجتماعية ام ثقافية ام سياسة وغيرها ، اى انه نشاط فكرى يشمل جوانب الحياة المختلفة ، من حيث انه قوة تحرك كل الطاقات نحو العمل المتقن في شتى الميادين.
لقد كان الاجتهاد سمة بارزة للفكر الإسلامى في عصره الذهبى ، وكان قوة دافعة نحو الفاعلية والعمل في كل الفترات التى عرفت نهضة وازدهارًا في التاريخ الإسلامى ، وقد دلت التجارب الاجتماعية ان الاجتهاد بالنسبة للأمة الإسلامية لا يعدو كونه جامعًا بين الفكر والواقع فحسب ، بل هو روح تبعث الحياة المتجددة في الأمة ، وترقى بها الى مستوى الأمم التى تصنع التاريخ.