وفى هذا القرن وقعت الأمة الإسلامية في خطأ كبير من حيث لا تدرى ، فقد اعتقدت ان طريق التطور والاجتهاد يكمن في تقليد الغرب ، يقول مالك بن نبى - رحمه الله -: ( حينما استيقظت الشعوب العربية الإسلامية على خطر الاستعمار ، فقد كانت يقظتنا الفجائية دافعًا من دوافع الحياة ، وفى الوقت نفسه دافعًا من دوافع الخطأ ، فكان مثلنا كنائم استيقظ فجأة فوجد النار في غرفته ، ودون اى تفكير ألقى بنفسه من نافذة الغرفة التى هى في الدور الرابع أو الخامس لينجو من النار ، فنحن قد ألقينا بأنفسنا من حيث لا نريد في هوة التقليد حتى ننجو من الاستعمار ، اننا لم نفكر في الخلاص تفكيرًا معقدًا ، وإنما دفعتنا دوافع لا شعورية لتقليد حضارة الاستعمار حتى نعصم انفسنا منه(152)
إن التقليد - سواء أكان للغربيين ام لغيرهم - قد جمد الكثير من الطاقات الفكرية المتعطشة الى الإبداع وتقديم الجهد الفكرى الذى يجسد شخصية الأمة وطابعها الحضارية ، وما على الأمة الإسلامية اليوم ان هى أرادت الخروج من ازمتها الحضارية إلا إعادة روح الاجتهاد الى ابنائها ، وذلك بتشجيع روح المبادرة ، وتوفير ظروف الابداع ، واطلاق الحريات ، وإعطاء الحوافز المادية والمعنوية ، فكل هذه الأسباب من شأنها ان تعيد للأمة حيويتها وفاعليتها.
فالاجتهاد المطلوب اليوم هو ذلك سيعيد للأمة عافيتها في جميع مجالات الحياة ، وينبغى ان يهتم بالجوانب التالية:
اولًا: تصفية الأفكار الميتة ( وهى بعض الأفكار الموروثة التى ليس لها اى سند شرعى ، أو بعد حضارى )
ثانيًا: تنقية الأفكار القاتلة ( وهى بعض الافكار المستوردة التى فيها نوع من التهور وليس التطور) (154)
ثالثًا: تشجيع موهبة النقد الذاتى - وبخاصة في ميدان العمل الإسلامى - حتى تقوم الأعمال ، وتصحح الأخطاء.
7.الحافز والحرية:
إن الحرية تربى وتفجر الطاقات ، وهو وقود ضرورى للفاعلية في اى مجتمع من المجتمعات المتحضرة ، وقد ذكر في مبحث سابق ان شعور المسلم بالحرية في العصور الأولى للإشعاع الروحى كما يمنحه نوعًا من العزة والثقة بالنفس ، وفى الوقت نفسه كان يعطيه دافعًا معنويًا قويًا نحو العمل لإنقاذ البشر المكبلين بحبال القهر والعبودية.
أما في واقعنا المعاصر فإن المسلم اصبح يشعر بنوع من القهر ، ولم يعد يملك الحرية الكافية للحركة والعمل ، وذلك للقيود التى وضعها الواقع الاجتماعى والسياسى في المجتمعات الإسلامية بعد خروج الاستعمار منها ، وإن المتتبع لمسيرة الصحوة الإسلامية يدرك مدى القيود والعقبات التى وضعت في طريقها من قبل اعدائها في الداخل والخارج حتى تشل حركتها ، وتقيد حريتها ، وتجهضها في مهدها.
ومع هذه الظروف كلها مازال المسلم يطمح في ان يحال بينه وبين الواقع ، وان ترفع عنه تلك القيود التى تكبله ، وانه لينظر احترام الى تلك المجتمعات التى حققت لأفرادها بعض الضمانات الاجتماعية مثل العدل والحرية ، ويرجو ان تعود الفاعلية الى الأمة الإسلامية بعودة الحس الإيمانى وقيم الخير والعدل والحرية.
والى جانب اهمية الحرية في تفجير الطاقات ، وتوجيهها نحو العمل المبدع ، والنشاط المتقن ، لابد من توفير عنصر آخر ضرورى لتحقيق شروط الفاعلية وهو الحافز المادى والمعنوى الذى يساهم في خلق المبررات التى تحرك الطاقات الاجتماعية ، وتدفع النشاط الفردى والجماعى الى اعلى قمة.
إن الحافز المعنوى يأتى في الدرجة الأولى من حيث الأهمية ، فهو الباعث للشعور الذى يدفع الإنسان نحو الحركة والعمل ، وهو عامل اساس في إيجاد الإرادة ، وتوجيه الثقافة ، ومن هنا يلاحظ في الشريعة الإسلامية ذلك الربط القوى بين المبادئ والحوافز المعنوية لمنح الإنسان جملة من الدوافع المؤدية الى العمل ، ومن هذا الجانب يفهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في مبايعة الأنصار حديث قال: ( تبايعونى على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وعلى ان تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم ، وعلى ان تنصرونى إذا قدمت عليكم ، وتمنعونى مما تمنعون منه انفسكم وازواجكم وابناءكم ولكم الجنة ) (155) والوعد بالجنة حافز كرره الرسول صلى الله عليه وسلم مع كثير من الوفود التى قدمت لمبايعته ونصرته.
أما الحافز المادى الذى يقلل كثير من المسلمين من اهميته ، فهو على درجة كبيرة من الأهمية في رفع مستوى الفاعلية ، لأن له ابعادًا اجتماعية كثيرة منها توفير الأمن الاجتماعى والإطمئنان النفسى ، وقد أغنى الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمال خديجة حتى يستطيع تأدية رسالته قال تعالى: ( ووجدك عائلا فأغنى) [ الضحى: 8] ، ويأتى وعد الله للمؤمنين بالتأييد المادى في ساعات الشدة كما في قوله تعالى: ( وإن خفتم عليه فسوف يغنيكم الله من فضله) [التوبة: 28] ، وقوله تعالى في مقام الإمتنان: ( وإن خفتم إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون ان يتخطفكم الناس فئاواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) ( [الأنفال:26]
إن الإسلام دين واقعى يراعى حالات النفوس ، ويلبى حاجات الناس الفطرية ، وما اهتمامه بتوفير الحافز المادى للنفس البشرية إلا دليل على واقعيته ووسطيته ، وإنا نظن ان كثيرًا من المسلمين حين فقدوا الحوافز المادية لسبب من الأسباب قل نشاطهم ، وخف تحمسهم للعمل ، مع العمل ان الواحد منهم حين يتوفر لديه هذا الحافز في اى ظرف من الظروف تجده يقدم اقصى الجهد ، ويعمل ليلًا ونهارًا كى يحقق شيئًا في حياته ، وإن كثيرًا من العقول المهاجرة ترفض الرجوع الى بلادها الإسلامية لجملة من الأسباب لعل ابرزها فقدان الحوافز المادية ، ومن هنا فقد العالم الإسلامى كثيرًا من طاقاته الإبداعية لهذا السبب.
ونخلص الى ان توفير الحافز والحرية يساعد في رفع مستوى الفاعلية عند المسلمين ، وإنه لا سبيل الى تحسين المسلم إلا بتوجيهه نحو العمل ، وإقداره على ان يتجاوز وضعه المألوف.
8.الوقت وسنة التغيير:
الوقت بالنسبة للإنسان المتحضر عملة نادرة لا يضاهيها الذهب ولا الفضة ، لأنه يعلم انه الحياة التى يحيا ، والواقع الذى يعيش ، وهو يعرف ان قيمته الاجتماعية ، ودوره الحضارى مرتبطان بالساعات اليومية التى يقدم فيها عملًا ، ويبذل فيها جهدًا.
لقد عد الوقت من العناصر الأساسية التى تكون الحضارات ، فما من شعب يستيقظ ليبدأ رحلة التحضر إلا ويصبح للوقت عنده قيمة لا تقدر بثمن ، ولا تقوم بمال ، وتستمر قيمة الزمن ، لأنه يتحول الى عدم ، وقد اقتضت سنة التغيير الاجتماعى ان يكون الوقت احد الوسائل الهامة في قلب الأحوال ، وتغيير الظروف ، ومن هنا كان لزاما على الإنسان الراغب في تغيير نفسه ان يصبح الوقت لديه اغلى شئ في الحياة.
إن الشعوب التى دخلت التاريخ المعاصر قد عرفت الفاعلية في مجالات الحياة المختلفة بسبب تقديرها لقيمة الوقت ، وأهميته في اللحظات الحاسمة التى تخطط مصير المجتمعات ، وإننا لنشهد الأن صراعات حضارية يعد الوقت فيها احد مقومات الرقى والتحضر لكونه يخط مصير الأشياء ويرتبط بمستقبل اية امة تطمح الى صناعة التاريخ.
وإننا لنعجب مثلًا للشعب اليابانى الذى بدأ نهضته في القرن الماضى ، وجلب احترام الأمم والشعوب له بما حقق من مكاسب وانتصارات في ميادين العلم والتحضر ، كل ذلك كان نتيجة قراره التاريخى بالتوجيه نحو الحضارة والاستفادة من الوقت ، ومنح الإنسان اليابانى جميع الضمانات كى يحقق وجوده.