فهرس الكتاب

الصفحة 1606 من 1942

أما العالم الإسلامى اليوم فإن الوقت لديه شكل ثقبًا في مشروعة الحضارى ( فحظ الشعب العربى والإسلامى من الساعات كحظ اى شعب متحضر ، ولكن . . . عندما يدق الناقوس مناديًا الرجال والنساء والاطفال الى مجالات العمل في البلاد المتحضرة .. . اين يذهب الشعب الإسلامى ؟ تلكم هى المسألة المؤلمة . . . فنحن في العالم الإسلامى نعرف شيئًا يسمى( الوقت) ولكنه الوقت الذى ينتهى الى عدم ، لأننا لم ندرك معناته ولا تجزئته الفنية ، لأننا لا ندرك قيمة اجزائه من ساعة ودقيقة وثانية ، ولسنا نعرف الى الأن فكرة ( الزمن ) الذى يتصل اتصالًا وثيقًا بالتاريخ (156)

إذن لم يتحدد مفهوم الوقت عند المسلم من حيث دخوله في الفكرة والنشاط ، مع ان شعائر الإسلام كلها تؤكد قيمة الوقت (157) ولهذا كان واجب الإنسان المسلم نحو وقته ان يحافظ عليه كما يحافظ على ماله ، بل اكثر منه ، وان يحرص على الاستفادة من وقته كله ، فيما ينفعه في دينه ودنياه ، وما يعود على أمته بالخير والسعادة ، والنماء الروحى والمادى ، وقد كان السلف - رضى الله عنهم - أحرص ما يكونون على اوقاتهم لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها ، يقول الحسن البصرى: أدركت أقوامًا كانوا على اوقاتهم اشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم (158)

ويقول مالك بن نبى - رحمه الله -: ( نحن في حاجة ملحة الى توقيت دقيق وخطوات واسعة لكى نعوض تأخرنا(159) وإن الفاعلية التى نرجو ان يتصف بها المسلم في واقعنا المعاصر لا يمكن ان تكتمل شروطها إلا بنظرة جديدة تعيد الوقت قيمته في الحياة.

الفصل الخامس

توصيات

1.دور العلماء:

العلماء هم ورثة الأنبياء - كما ورد في الحديث الصحيح (160) ووراثة النبوة تعنى استمرار الوظيفة النبوية بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقيام العلماء بالدور نفسه الذى أداه طيلة حياته الجهادية ، وهو دور حمل الرسالة ثم تبليغها ، قال تعالى: ( إنا سنلقى عليك قولاًَ تقيلًا) [المزمل:5] وقال ايضا: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) [ المائدة:67]

ومن هذا الواجب الثقيل اصبح العالم مكانة عظيمة في الإسلام باعبتاره وراثًا للنبوة ، وقائدًا وموجهًا للأمة ، قال تعالى: ( يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الأمر منكم ) [المائدة: 67]

وأولى الأمر الذين تجب طاعتهم هم العلماء العاملون ، وهو تفسير جمهور السلف - رضى الله عنهم (161)

وقبل الحديث عن الدور الذى ينتظر العلماء لابد من توضيح أمرين:

أولًا: تحديد صفة العالم الذى يريده الإسلام ، لأن نظرة كثير من المسلمين اليوم الى العالم قد شابها كثيرًا من الخطأ ، وعدم الوضوح ، فكثيرًا ما يخلطون بين العالم وغير العالم ، ويترتب على ذلك مواقف في غاية الخطورة ، فالعالم الذى يريده الإسلام هو العالم العامل - بتعبير الأقدمين - وهو المهيأ نفسيًا وعلمياًَ لقيادة الأمة - بتعبيرنا الحديث - وبدون صفة العمل التى تجعل منه وريثًا للنبوة ، لا يمكن بأية حال اعتباره من علماء الأمة الموثوق بهم.

ثانيًا: إزالة تلك المفهومات الخاطئة التى ترسبت في عقول كثير من المسلمين عن العلماء ، وذلك بربطهم بين العلم والكم المعرفى ، أو ما يمكن ان نسميه ( بالبنكية ) فى المعرفة ، اى كثرة المعلومات ددون ان يكون لها أية وظيفة حياتية ، يقول سيد قطب - رحمه الله: ( اليوم لا قيمة للمعرفة التى لا تتحول لتوها الى حركة ، لا قيمة للدراسات الإسلامية في شتى مناهجها وشتى معاهدها ، لا قيمة لاكتظاظ رفوف المكتبات بالكتب الدينية ولا باكتظاظ الأدمغة بمضومنات هذه الكتب ، إذ ليس هذا هو الإسلام ، وليس هذا هو العلم الدينى ، العلم شئ يزاول في الحياة ، ويطبق في المجتمع ، ويعيش في الواقع ، ويتمثل في نظام(162)

فالعلم الذى تحتاج إليه الأمة وهى تعيش أزمتها الحضارية هو ذلك العلم الذى يزاول حياة المسلمين ، ويحدد مصير الأشياء عندهم ، ويوجه سلوكهم نحو العمل والفاعلية ، أما إذا اصبح العلم ترفًا فكريًا أو وسيلة للانتفاع والتنافس الفردى فإنه لن يقدم للأمة شيئًا ، بل سيكون عاملًا سلبيًا يساهم في ترسيخ العجز والضعف.

إن الدور المنتظر من العلماء هو تحريك الأمة والارتفاع بها الى مستوى الشهادة وذلك بالتركيز على جانبين:

أولًا: البناء النفسى: وهو ربط المسلمين بدينهم ربطًا نفسيًا يجعل منهم اصحاب رسالة تغييرية في الحياة ، ويحفزهم نحو العمل بفاعلية وحزم لتحقيق اهداف دعوتهم.

ثانيًا: الرؤية الحضارية: وهى إقتناع المسلمين بأنهم دعاة حضارة متميزة في مستواها الدينى والدنيوى ، وانهم يملكون وسائل النجاة والسعادة للبشرية كافة.

ولو أدى العلماء هذا الدور الكبير لارتفع مستوى الأمة الفكرى ، ولأصبحت تنافس الأمم الأخرى في قيم الحضارة ، يقول الشيخ محمد عبده - رحمه الله: ( لو قام العلماء الاتقياء وأدوا ما عليهم من النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين ، وأحيوا روح القرآن ، وذكروا المؤمنين بمعانيه الشريفة ، واستلفتوهم الى عهد الله الذى لا يخلف لرأيت الحق يسمو ، والباطل يسفل ، ولرأيت نورًا يبهر الأبصار ، وأعمالًا تحار فيها الأفكار(163)

ولكن في واقعنا المعاصر يلاحظ ان هناك عجزًا واضحًا للعلماء ، وهذا العجز افقد الكثير من المسلمين الرؤية الصافية ، والتوجه الصادق نحو الإسلام ، لأن من يفقد المرجعية يعطل طاقاته الإبداعية ويسير على غير هدى ، ورحم الله الشهيد عن القادر عودة ( الذين بين هذا العجز في كتابة المشهور بين الجهل أبنائه وعجز علمائه) حيث قال: ( علماء الإسلام يحملون وزر ما نحن فيه ، وإثم ما اصيب به الإسلام . . . يحملون اوزار المستعمرين الغافلين عن الإسلام والخارجين عليه . .. وعلماء الإسلام أغمضوا أعينهم وأطبقوا افواههم ، ووضعوا اصابعهم في آذانهم ، وناموا عن الإسلام ، ولما يستيقظوا من عدة قرون ، فنام وراءهم المسلمون ، وهم يعتقدون ان الإسلام في آمان ، وإلا ما نام عنه علماؤه الأعلام . إن علماء الإسلام ناموا عن الإسلام زمنًا طويلًا فما هاجموا وضعًا من الأوضاع المخالفة للإسلام ، ولا حاولوا إيقاف امر او حكم مخالف لأحكام الإسلام ، وما اجتمعوا مرة يطالبون بالرجوع الى احكام الإسلام(165)

إن العلماء هم القدرة والمرجع للأمة ، فينبغى ان يحققوا في انفسهم أولًا كل صفات الفضل ، وقيم الحضارة ، كالفاعلية والحزم والثبات ، ثم ينطلقوا لقيادة الأمة نحو الريادة والشهادة على الناس ، وبذلك كله سيكونون اهلًا لوراثة النبوة.

2.الواجبات قبل الحقوق:

إذا كان العلماء هم قادة الأمة وقدوتها ، فإن الأمة الإسلامية بأبنائها المخلصين هى القاعدة الأساسية التى ينطلق منها اى إقلاع حضارى ، لأنها منبع الطاقات ، ومستودع القوى ، ولا يمكن بأية حال ان نتوقع السلامة من المرض في اى جسم بشرى إلا إذا تعافت جميع الأجزاء المكونة له ، وأدى كل جزء دوره اللائق به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت