وإن الاستخلاف يبدأ في حقيقته من مرحلة الواجبات التى يقوم بها كل فرد من افراد الأمة ، هذه الواجبات التى تجتمع كلها لتشكل الجسم السليم والمعافى والنشيط ، الذى يؤدى رسالته الحضارية بثقة ووعى ، وحزم وثبات . يقول مالك بن نبى - رحمه الله -: ( إن التاريخ لا يبدأ من مرحلة الحقوق ، بل من مرحلة الواجبات المتواضعة في ابسطة معنى الكلمة ، الواجبات الخاصة بكل يوم ، بكل دقيقة ، لا في معناها كما يعقده عن قصد أولئك الذين يعطلون جهود البناء اليومى بكلمات جوفاء ، وشعارات كاذبة ، يعطلون بها التاريخ ، بدعوى انهم ينتظرون الساعات الخطيرة ، والمعجزات الكبيرة(166)
إن المتأمل في الشريعة الإسلامية يدرك انها تؤكد على تقوية روح المسؤولية في المسلم ، وهى تحفزه دائما الى ضرورة ربط الفكر بالعمل ، والواجب بالسلوك وتنبهه الى اهمية القيام بواجبه الدينى والدنيوى ، وأن يعمل بجد حتى لا يكونم كلًا على الآخرين ، وعالة على المجتمع ، قال تعالى: ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون) [ التوبة: 105] وقال صلى الله عليه وسلم: ( لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتى بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه ، خير له من ان يسأل الناس اعطوه او منعوه) (167)
قال ابن حجر العسقلانى - رحمه الله - في شرح هذا الحديث: ( فيه الحص على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق ، وارتكب المشقة في ذلك(168) ، وفيه ايضا دعوة صريحة الى القيام بالواجب ، وبذل الجهد ، والشعور بالمسؤولية الاجتماعية ، حتى يكون المسلم فعالًا نشيطًا ، نابذًا للعجز والكساد.
والمسلم العاجز هم اداء دوره في هذا العصر يتطلع الى مستقبل مشرق يستعيد فيه وظيفة الشهادة على الناس ، ولكنه لا يقوم بواجبه بشكل سليم ، وكما يقتضيه الواقع المتسارع من حوله ، بل إنه في كثير من الأحيان يطالب بحقوقه الحياتية دون ان يبادر الى تقديم الى جهد يستحق الإشادة والتقدير ، وهناك فكرة خاطئة ترسخت عنده، وعند الكثير من ابناء الأمة ، وهى المطالبة بالحقوق ، وانتظار المعجزات ، وكأن المشكلات لا تحل لديه إلا بطريقة سحرية تحول الواقع من سئ الى احسن ، ونسى ان الواجبات هى اللبنات الأولى في بناء أية حضارة متفوقة.
إن الأهتمام بالواجبات اليومية - حتى في ابسط صورها - كفيل بأن يعيد الفاعلية الى مستويات عليا عند المسلم ، ويصبح بذلك مهيمنًاُ حقيقيًا لأبناء الحضارات الأخرى التى تسود الآن ، التى اتخذت من العمل وروح المبادرة والفاعلية سبيلًا نحو إثبات الذات ، وتحقيق الوجود الحضارى.
وطموح المسلمين جميعهم الآن من ان تعود شرارة الروح إليهم ، وأن يعودوا الى مركزهم الريادى ، ولا سبيل الى ذلك إلا بالجهاد ، يقول الأمير شكيب أرسلان - رحمه الله: ( فلننفض غبار اليأس ، ولنتقدم الى الأمام ، ولنعلم أننا بالغوا كل امنية بالعمل والدأب والأقدام ، وتحقيق شروط الإيمان التى في القرآن( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) [ العنكبوت:69) (169)
3.التغيير النفسى المطلوب:
إن تغيير الحال التى نحن عليها اليوم من العجز والضعف واللافاعلية لا يمكن ان يتم إلا بتغيير نفسى شامل وفق السنة الاجتماعية التى قررها الله سبحانه وتعالى في كتابه حيث قال: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [ الرعد: 11] . إن تغيير ما بأنفسنا يعنى إقدارها على أن تتجاوز الوضع المألوف ، وهو كما يقول مالك بن نبى - رحمه الله - علم تجديد الصلة بالله (170) أى أن يعود الوقود الروحى الى النفوس من جديد فيغيرها من حال الى حال ، من حال الكسل والخمول الى حال الحركة والتوتر ، وهذا هو التغيير النفسى المطلوب ، الذى هو بعبارة أخرى فكرة دافعة للنفوس والمجتمعات.
ويرى مالك ان هذه الفكرة الدافعة لا يمكن تعليمها بنظرية ولا بأى شكل تعليمى ، ولا يدعى العلم أنه يصنعها في النفوس (171) غير أن سيرة الأنبياء والوقائع التاريخية المختلفة وحوادث التاريخ المعاصر تثبت غير هذا ، ويكفى ان نشير الى ما صنعه كتابات ( ابن تيمية) و ( سيد قطب ) فى تاريخنا القديم والحديث ، وما فعلته المدرسة النظامية في زمن الحروب الصليبية ، ويكفى ان نشير ايضا الى ما فعلته كتابات ( جان جاك روسو) و ( فولتير ) وغيرها في قيام الثورة الفرنسية ، وما فعله بعض الزعماء المعاصرين في تحريك روح الجماعات.
ومن أهم شروط التغيير النفسى ان يكون جماعيًا لا فرديًا وهو ما أشارات إليه الآية الكريمة في كلمة ( ما بقوم) و ( حتى يغيروا) يقول جودت سعيد: ( إن مجال التغيير الذى يحدثه الله ، هو ما بالقوم والتغيير الذى اسنده الله الى القوم ، مجاله ما بأنفس القوم . . . ما بقوم(يشمل الكثير ، ويشمل اول ما يشمل ما يمكن أن يلاحظ ويرى من اوصاف المجتمع ، من الغنى والفقر ، والعزة والذلة ، والصحة والسقم ، وينبغى ان نتذكر هنا ان القصد ليس الفرد ، كل فرد بذاته ، وإنما المجتمع العام ، وأن التغيير الذى يحدثه الله من الصحة والسقم ، والغنى والفقر ، والعزة والذلة إنما يعود الى القوم بمجموعهم لا الى فرد محدد) (172)
ومن شروط التغيير النفسى المطلوب تجديد الصلة بالله ، ويعنى اقتناع المسلم برسالته الاجتماعية ، ودروه في الحياة وهذا هو الكفيل وحده باسترجاع المبررات المفقودة التى تمنح للمسلم ولادة جديدة يشعر فيها ان البشرية كلها في حاجة إليه ، وأن لديه ما يقدمه لها.
ومن الشروط ايضا التى تساهم في تغيير النفوس توحيد شبكة العلاقات الاجتماعية ، وذلك ببث الفكر الإسلامى بعد تأصيله وربطه بالفاعلية ، ونبذ الاختلاف المذموم ، والاجتماع على الدين والاعتصام بحبل الله ، وتوحيد الثوابت والأهداف.
ولعل من الشروط الضرورية لتغيير النفوس إدراك المسلم للبعد الايمانى للعمل ، وقيمته الكبيرة في حياته ، وبدون هذا الإدراك سيبقى هذا المسلم عاجزًا عن صنع تاريخه ، يقول الأمير شكيب أرسلان - رحمه الله -: ( كيف ترى في أمة ينصرها الله بدون عمل ، ويفيض عليها الخيرات التى كان يفيضها على آبائها ، وهى قد قعدت عن جميع العزائم التى قد كان يقوم بها آباؤها ، وذلك يكون ايضا مخالفًا للحمة الإلهية والله هو العزيز الحكيم) (173)
فلن نستطيع إنقاذ انفسنا وذريتنا المتعطشة افق حضارى متميز إلا بالعمل الشاق المتقن الذى نقوم به في كل يوم ، وفى كل ساعة ، وفى كل دقيقة ، وعندها فقط سنستحق عناية الله وتوفيقه وتأييده.
4.التضحية:
التضحية مصطلح حديث يعنى بذل اقصى الجهد لتحقيق شئ ما في الحياة ، وهو مبدأ ضرورى في حياة كل من يسعى الى السيادة والعز والسلطان ، يقول (ألكسيس كاريل) : ( من المستحيل ان نوفق بين انفسنا ونظام العالم دون تضحية ، فالتضحية احد قوانين الحياة، فإنجاب الأطفال يفرض على المرأة سلسلة لا نهاية لها من التضحيات ، وعلى المرء ان يخضع نفسه لزهد قاس ليصبح بطلًا رياضيًا ، أو فنانًا او عالمًا ، ولا يحصل الإنسان على الصحة والقوة وطول العمر إلا برفض الاستسلام لبعض الرغبات ، ليس هناك عظمة او جمال او قداسة دون تضحية) (174)