فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 1942

فهذه هي الخطوط العامة لكل رسالة وهي بالتالي الحاجات الضرورية للبشر. وقد اعترف المستشرق (ليتن) برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق شهادة محتوياتها فقال (انني لأجرؤ بكل أدب ان أقول: ان الله الذي هو مصدر الخير والبركات كلها لو كان يوحي إلى عباده، فدين محمد صلى الله عليه وسلم هو دين الوحي. ولو كانت آيات الإيثار والأمانة والاعتقاد الراسخ القوي ووسائل التمييز بين الخير والشر ودفع الباطل هي الشاهدة على الإلهام فرسالة محمد صلى الله عليه وسلم هي هذا الإلهام(1) .

2-الرسول

من خلال سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم منذ ان كان يافعا يعزف عن اللهو أو كان فتى يرعى تجارة خديجة فيلتزم بالصدق والأمانة أو كان رجلا يتميز بين أترابه بأنه يقبل الغريب ويرحم الضعيف ويأوي المسكين وإلى ان بعث نبيا يحمل بين كفيه النور والهدى إلى العالم كله وحتى أصبح سيد العرب جميعا من خلال سيرته في سني عمره وأطوار حياته، لم يعهد منه معاصروه الكذب والخيانة فسموه (الصادق الأمين) فلم يستطيعوا نعته بالكذب حتى بعد أن بعث بالرسالة وسفه أحلام قريش وقاد الحروب ضدها. رأوا فيه إنسانا يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة ويتجنب الرذائل ويتحلى بالفضائل. هذا محمد بن عبد الله الذي أعجب به من عاصره - العدو والصديق - وأعجب به من جاء بعده - من عدو وصديق - . هذا الإنسان ادعى النبوة وكان يعرف أبعاد دعواه وهي ان من يدعو إلى النبوة فهو يدعو إلى الله ويدعي الاتصال به والبعثة من لدنه إلى الناس جميعا في كل العصور (2) .

كما كان يعرف بكل دقة ان الذي يدعي النبوة كذبا فإنما هو أخبث الناس وأظلمهم لنفسه وللناس جميعا، لأنه يغر الناس ويخدعهم ويبعدهم عن الصراط المستقيم (3) ، ذلك لأنه ينسب الكذب إلى الله رب العالمين ويتسلم قيادة الناس جميعا وفي كل العصور، فإن كان غير كفؤ لها جرهم إلى الردى ليس في عصره فقط بل على مر العصور حيث ان اتباع هذا الرسول لا يقتصر على زمان حياته بل قد يدوم إلى الأبد، كما هي الحال في رسالة النبي محمد (ص) . فمعنى كذب مدعي الرسالة اضلال الملايين عن السعادة. ان هذا الظلم ما أعظمه وما أكبره.. ولا يقدم على هذا الظلم الا أخبث الناس الذي انسلخ عن كل قيمة إنسانية، فكيف يدعيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله الذي عرفناه بالصدق والأمانة؟

ان دعوى الرسول -هذا الصادق الأمين- لا تحتاج الىحجة تدعم صحتها بل انها شاهدة بذاتها على انها الحق الواضح. ذلك ان محمدا صادق وأمين، والصادق يصدق في كل أمر كما ان الأمين أمين مع كل أحد. وليس بصادق من يصدق مرة ويكذب مرة، وليس بأمين من وفى مرة وخان أخرى، وحيث نُعِتَ الرسول بالأمانة والصدق فلابد ان المجتمع كان قد رأى فيه تجسيدًا لهذه من الصفات الحسنة ، فكيف يكون كاذبا في هذا الأمر الذي هو أهم الأمور جميعا؟ ولقد كان أهل مكة يأتمنون النبي محمدا على أموالهم حتى بعدما كفروا برسالته.. فبعد ان اضطروه إلى الهجرة إلى المدينة كانت لديه أمانات أمر وصيه الامام عليا عليه السلام بردها لأصحابها.

ولقد كانت قريش أعدى أعدائه وكانت تعترف له بصفة الأمانة. فهذا النضر بن الحارث وقد كان من سادة قريش وأكبر المعارضين للنبي ـ ص ـ وكان يعد من المحنكين في مكة، ألقى يوما خطابا في جمع من الكفار وقال:

(يا معشر قريش انه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم خلقا وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاء بما جاءكم به قلتم ساحر. لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم. وقلتم كاهن، لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه. وقلتم مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه. يا معشر قريش فانظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم(4) .

ولم يدع أحد من قريش على النبي محمد ـ صلى الله عليه و آله ـ الكذب والخيانة الا وهو متردد بالرغم من انهم قالوا فيه أعظم من ذلك وأكبر، وكان السبب لتحرزهم عن إتهامه بالكذب أو الخيانة انها كانت تهمة لا تنسجم أبدا مع المشهور من حياة النبي قبل الرسالة. فلنسمع إلى حوار جرى بين هرقل ملك الروم وبعض كفار قريش ـ بعدما تسلم هرقل رسالة من النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه فيها إلى الإسلام ـ فسأل عمن يعرفه من أهل وطنه فجيء إليه ببعض، التجار فسألهم هرقل عمن هو أقربهم نسبا بالرسول.

فقال هرقل: (هل انتم كنتم تتهمونه بالكذب قبل ان يقول ما قال؟) .

أبو سفيان: لا.

هرقل: هل يغدر؟

أبو سفيان: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.

هرقل: قد أعرف انه لم يكن يذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وأبو سفيان هذا كان من أبرز المعارضين للرسول الذي قاد حروبا ضارية ضده وألب عليه العرب جميعا ولكنه يقول فيه انه لم يكن كاذبا ويبرر قولته بعدئذ بأنه (والله لولا الحياء من ان يأثروا علي كذبا لكذبت عليه) . ان هذا المبرر شاهد على السمعة الطيبة التي أحاطت بالنبي ـ صلى الله عليه و آله ـ وجعلت أعداءه يعترفون ـ رغما منهم ـ بصدقه وأمانته.

وبهذا الدليل يكتشف البروفيسور بورسورت سميت شخصية النبي ـ ص ـ البالغة البهاء والروعة فيقول:

(عندما ألقي نظرة إجمالية استعرض فيها صفاته وبطولاته، ما كان منها في بدء نبوته وما حدث منها فيما بعد، وعندما أرى أصحابه الذين نفخ فيهم روح الحياة وكم من البطولات المعجزة أحدثوا، أجده أقدس الناس وأعلاهم مرتبة حتى ان الإنسانية لم تعرف له مثيلا) .

(1) - (الإسلام يتحدى، ص 176) .

(2) - كان النبي (ص) يقول عن الله سبحانه: [يَآ أيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ] ( يونس57) . [قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ] ( الفرقان 6) ، [وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( النجم 3و4) .. هذه هي دعوة الرسول التي هتف بها منذ البداية وهي تدل ـ فيما تدل ـ على ان الرسول كان على يقين بما يدعو إليه وما فيه من ضخامة المسؤولية.

(3) - قال الرسول (ص) عن الله: [قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ] (يونس 69و70) تدل هذه الحكمة على ان الرسول كان يعرف بكل تأكيد ان الكذب على الله ظلم عظيم وخطيئة كبيرة جزاءها عذاب أليم.

(4) - سيرة بن هشام، ج1،ص319.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت