فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 1942

ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قادرا على إحراز أكبر قدر من السيادة والثروة والرفاهية لأنه كان يتمتع بمركز اجتماعي فريد في قومه بسبب انه من قريش ومن بني هاشم ساداتها التقليديين. وقريش كانت سيدة العرب بسبب حكمها على مكة عاصمة الجزيرة العربية ، وأما الثروة فقد كان يتصرف في أموال زوجته البرة خديجة (ع) التي كانت من أغنى الناس في مكة. وأما من ناحية الرفاهية فقد كان يملك الوداعة والأمن والعيش المناسب لعصره، وفجأة دعى الناس إلى الرسالة الجديدة بعد الأربعين من عمره، و بالضبط حين يذهب عن النفس البشرية طيشها وغرروها ويبدأ المرء يتعقل، وحين كانت التقاليد تقضي لصاحب الأربعين بالتفوق والكمال.. في هذا الحين بالضبط عرض نفسه لأكبر الأخطار وأعظمها إبتداءً من افتقاده سمعته كسيد قريش في المستقبل و تحوله في الاعلام المعادي إلى ساحر ومجنون و.. و..؟ والى ضرب الحصار الاقتصادي عليه في شعب أبي طالب وإلى ان ذهب إلى الطائف فعامله سادتها أسوأ معاملة وقال أحدهم في وجهه مستهزءا: (سوف أمزق ثياب كعبة ان كان الله قد أرسلك نبيا علينا) . وقال الآخر: (أما وجد الله أحدا يرسله غيرك) . وقال الثالث: (والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من ان أرد عليك، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي ان أكلمك) ثم أغروا به سفهاءهم فرموه بالحجارة حتى سقط على صخرة مثخنا بجروح بليغة فلم يدعوه يستريح حتى تابعوه بالحجارة والسب فتابع رحلته إلى خارج الطائف وناجى ربه قائلا: (لك العتبى لك العتبى حتى ترضى) دون ان يبالي بكل ذلك.

أقول لم يكن للرسول أية دوافع شخصية ولا دوافع اجتماعية أو اقتصادية ان يعرض نفسه ومركزه للخطر مبتدءا بافتقاده مركزه الاجتماعي ومرورا بمصائبه الكبيرة في مكة وإنتهاءً بالحروب التي شنت ضده في المدينة. ولم يكن كل ذلك من مثل محمد صلى الله عليه وسلم الا شاهدا كبيرا على صدقه في دعوته وشدة يقينه برسالته. وهكذا نقول بكل تأكيد ان الرسول ذاته دليل رسالته.

ثم ما الذي يدعوه إلى الكذب والخيانة؟ أهو المال؟ وهو الذي رفض العرض المغري الذي قدمه إليه سادة قريش والذي احتوى على أكثر أموال العرب مقابل تنازل الرسول عن دعوته الرسالية. أم هو الجاه؟ وقد عرض عليه ان يسود على العرب جميعا بشرط ان يترك رسالته فرفض. أم كان العيش الرغد؟ وهو الذي اكتفى بأزهد نصيب بين المسلمين وحَمَّل نفسه أشق الأعمال ولم تختلف به الحال منذ ان كان يتيما في حضن عمه والى ان أصبح سيد العرب المطاع، بل زاد رغبة عن الدنيا وزهدا.

وكلمة الخلاصة ان تحليل شخصية الرسول ـ ص ـ يهدي إلى واقع رسالته، فإن طهارة النفس ونقاءها لا تجتمع مع الكذب والخيانة في أمور بسيطة فكيف بالخيانة العظمى المتمثلة في دعوى الرسالة كذبا، ان هذه الرسالة التي يدعيها انما هي من الله إلى البشر جميعا. هذا من ناحية شخصية الرسول التي تدل على صدق رسالته، و هو:

1-رجل واحد يتحدى التاريخ كله والبشر كلهم، ويبعث الإنسان بعثا جديدا في تصوره وسلوكه وأخلاقه، ويكوِّن شخصيات نموذجية لا مثيل لها (1) . ان هذا لم يقع ولن يقع لغير الرسول الصادق المؤيد بالغيب حيث لم يشهد التاريخ إنسانا استطاع توحيد القبائل المتناحرة في وحدة تجعلهم كأنهم بنيان مرصوص، ثم قام ببعثهم إلى العالم حاملين رسالة العدل والحق والسلام إلى كل إنسان في الأرض.

2-إنسان أمي لم يتعلم عند أي فرد ولم يدرس الكتب ولا خط بيديه شيئا. هذا الإنسان ينقلب ـ بعد البعثة مباشرة ـ إلى بحر زاخر من المعارف التي عجزت البشرية عن سبر غورها حتى يوم الناس هذا. هل يكون ذلك الا رسولا صادقا؟

3-ودليل آخر نلمسه في إنقطاعه المديد إلى الله ـ سبحانه ـ وعبادته التي لم يكن لها مثيل، وإلتزامه قبل كل أحد بشريعته التي انزلت عليه ، بل إيجابه على نفسه من فروضها أكثر من أمته ـ كصلاة الليل والتهجد بها ـ وان في ذلك دليلا قويا على صدق دعوته، ولم يكن ليقول ما يقول الا باعتقاد جازم وقناعة شخصية تامة، ذلك مهما استطاع المرء ان يخدع الناس فإنه لا يتمكن من ان يخدع نفسه خداعا يحملها على الأعمال الصعبة دون عقيدة راسخة واخلاص تام.

قال الله سبحانه: [وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطَّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ] (العنكبوت 48) ، [قُل لوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلآ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (2) (يونس 16) .

3-المعاجز الخارقة

ما هي المعجزة، وهل يمكن عقلا حدوثها؟

في الكون سنن فطرية تجري وفقها كل الأحداث، فالنار تبعث الحرارة والحرارة تولد الامتداد والامتداد يتسبب في التبخر و.. و.. طائفة من هذه السنن معروفة للإنسان ويستخدمها في صالحه، بيد ان طائفة أخرى منها غير معروفة وهي كبرى الطائفتين، ولا يمكن لذلك استخدامها كما لا يمكن رفضها سلفا.

والمعجزة قد تعني خرق السنن المعروفة بسنن أخرى غير معروفة للبشرية بعد، ويكمن اعجاز المعجزة آنئذ في ان رجلا ساذجا (وأميا في بعض الأحيان) كيف استطاع ان يعرف السنن التي لا يعرف أحد من العلماء شيئا منها. وهذا النوع واقع في حياة الأنبياء عليهم السلام وأبرز الأمثلة عليها بساط سليمان، فإن ركوب الريح سنة فطرية بالرغم من أنها لم تكن معروفة في عهد سليمان عليه السلام. والمثل الآخر معراج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي يعتقد البعض انه كان نوعا من المركبات الفضائية التي لم تعرف حتى اليوم خصائصها.

في مثل هذين النموذجين من المعاجز، ان الله سبحانه لا يغير سنن الكون انما يهدي نبيه اليها بشكل معجز ومن دون وسائل مادية.. وقد تعني المعجزة اختراق كافة السنن الفطرية وذلك مثل القرآن الذي لم يوح به بمقتضى سنة فطرية بل خرقا لكافة السنن.. والسؤال هنا هل يمكن حدوث المعجزة؟

لدينا شهادتان على إمكان حدوث المعجزة:

(1) - والى هذا الدليل ترجع الكلمة الشهيرة التي تقول: ان علي بن ابي طالب (ع) من معاجز الرسول. والواقع ان بناء شخصية مثالية كعلي (ع) لدليل واضح على صدق رسالة النبي محمد (ص) .

(2) - في هذه الآية تصريح بأن النبي (ص) كان أميا، ومن الواضح انه ان لم يكن كذلك لكذبه أعداؤه الذين لم يفتروا يراقبون جميع حركاته لعلهم يجدون مهمزا يشنون من خلاله حملات دعائية ضده، فلو لم يكن أميا بالفعل لم يكن يصرح بذلك ليعطي مادة نقد دسمة بيد أعدائه وهم قد عاشروه خلال أربعين سنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت