الشهادة الأولى: شهادة الوقوع؛ ذلك اننا لم نعرف إمكانية وقوع أية حادثة الا بعد ان وقعت تلك الحادثة فعلا. فمثلا: إمكانية وقوع أبسط الحقائق وأوضحها وهي نمو البذرة بعد دفنها في التراب، لم نعرفها الا بعد ان عرفنا وقوعها فعلا. فالقول بعدم إمكانيتها غير وارد أصلا. ذلك لأن المعارضة الوحيدة لهذه الإمكانية تأتي من قبل العادة التي تعودنا عليها بالنسبة إلى سائر الحالات، ولكن تلك العادة لم تكتشف واقعيتها الا بتكرار وقوعها فليكن تعودنا على المعجزة سببا من أسباب العادة أيضا.. بل ان تحليل معارفنا يشهد بأن الإنسان لا يزال يعرف قدرا ضئيلا من السنن الكونية ولعله لدى تطور العقلية البشرية من واقعها الضحل إلى مستوى أرفع يتبين أن سننًا أخرى تحكم الحياة جنبا إلى جنب مع السنن المعروفة. فمثلا: نحن ننكر إمكانية المعراج لأنه ينافي معارفنا حول الجاذبية، ولا ننكر إمكانية الصعود إلى القمر لأننا عرفنا ان استخدام الصواريخ والوقاية الكافية و.. و.. يجعل المركبة الفضائية تتحكم بالجاذبية فلا يجري آنئذ قانون الجاذبية في هذه الحالة المعينة ولعله لو تقدم العلم اكتشفنا طريقة أبسط وأسهل للتحكم بالجاذبية التي تجعلنا نطير حول الفضاء دون الإستعانة بالمركبة الموجودة.
وهنالك نعرف ان نسبة معارفنا اليوم إلى معارفنا ذلك اليوم كنسبة معارف القرون الوسطى إلى معارف القرن العشرين، وعندئذ يمكننا التصديق بالمعراج حتى بدون مركبة فضائية.
فالمعجزة ظاهرة تعيش إلى جانب الظواهر الواقعة يوميا. وكما لا يسعنا إزاء هذه الظواهر الا البحث عن سنتها بموضوعية دون ردها سلفا، فكذلك لا يسعنا أمام المعجزة الا البحث عن واقعها دون إنكارها اعتمادا على سائر الظواهر المعروفة.
الشهادة الثانية: وهي تأتي من الإيمان بالقدرة اللامتناهية لخالق الكون سبحانه، الذي لم يعجز عن خلقه بأية صورة شاء، بل جعل الاختلاف في مظاهر القدرة دليلا بارزا على احاطة قدرته لكافة المحتملات. وقد سبق الحديث منا حول ان قدرة الله غير متناهية وان من مظاهر قدرته: إجراء السنن وانه لولا هذا الاجراء لما كان هناك أي تسلسل بين خط الأسباب وخط المسببات.
فهاتان شهادتان دلتانا على إمكانية حدوث المعجزة. بعد هذا نقول: من الشواهد الواضحة على نبوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الآيات التي أظهرها الله على يديه. وقد ثبت لنا بالنقل المتواتر الذي لا يحتمل الكذب (1) حيث ان المسلمين باختلاف فرقهم وتشتت مذاهبهم أنبأوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه جاء بمئات من المعاجز التي تدل بصفة قاطعة على وجود طائفة منها قطعا.
هذا بالإضافة إلى بعض القرائن الأخرى التي تؤكد ظهور المعجزة على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وهي الأمور التالية:
1-ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقص على المسلمين معاجز الأنبياء السابقين وكان يقول ان على النبي صلى الله عليه وسلم ان يأتي بآية بينة لقومه حتى يصدقوه فلو لم يكن يأتي هو لهم بمعاجز كان مكذبا لنفسه إذ كان لقومه ان يقولوا له إذا كنت قد نبأت فعلا وتزعم ان النبي يأتي قومه بالمعاجز فلماذا لم تأتنا بها (2) ؟
2-ان القرآن نقل للناس طائفة من معاجز الرسول (ص) ؛ مثل محاربة الملائكة معه يوم بدر، وإخباره بالغيب كفتح مكة، والتغلب على ملك الفرس والروم وما أشبه.. ولو كان كاذبا في نقله إذا لكذبه الكفار فورا (3)
(1) - يعتمد الإنسان في كل شؤونه على النقل المتواتر، وهو نقل طائفة كبيرة من الناس يضمن الإنسان معهم عدم الكذب. فمثلا: يثبت الإنسان وجود البلاد البعيدة بالنقل المتواتر كما يثبت وجود الأمم البالية -كعاد وثمود- بالتواتر. وكذلك ثبت ان للنبي محمدا (ص) معاجز بينات؛ ثبت بالنقل المتواتر حيث لم نر أحدا من المؤرخين المعاصرين للنبي (ص) يبدي أية معارضة لها، مع انها لو كانت كذبا إذًا كان يعارضها طائفة كما أثبتها طائفة، لاسيما مع وجود معارضة قوية للرسول (ص) متمثلة في المشركين اليهود والمنافقين الذين لم يؤمنوا بالرسول ولا بصحة معاجزه الا انهم لم يسعهم انكارها بل نسبوا السحر إليه حيث زعموا: ان المعاجز نوع من السحر. والى هذه الحقيقة ترشدنا الرواية التالية:
في الحديث عن الرسول (ص) انه قال لأبي جهل حينما انكر الآيات المنقولة له بطريق متواتر: (يا ابا جهل فإن كان لا يلزمك تصديق هؤلاء على كثرتهم وشدة تحصيلهم فكيف تصدق بمآثر آبائك وأجدادك ومساوئ اسلاف اعدائك؟ وكيف تصدق عن الصين والعراق والشام إذا حدثت عنها، وهل المخبرون عن ذلك الا دون هؤلاء المخبرين لك عن هذه الآيات مع سائر ما شاهدها منهم من الجمع الكثيف الذين لا يجتمعون على باطل يتخرَّصونه الا كان بازائهم من يكذبهم ويخبر بضد إخبارهم) (بحار الانوار،ج17،ص244) .
وفي حديث احتجاجي بين الامام الرضا (ع) وبين علماء اليهود، قال (ع) : فما يمنعك من الاقرار بعيسى بن مريم (ع) وقد كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والابرص ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟
قال رئيس علماء اليهود المدعو بـ (رأس الجالوت) : يقال انه فعل ذلك ولم نشهده.
قال الرضا (ع) : أرأيت ما جاء به موسى من الآيات، شاهدته؟ أليس انما جاءت الأخبار من ثقات أصحاب موسى عليه السلام أنه فعل ذلك؟
قال (رأس الجالوت) : بلى.
قال الرضا (ع) : فكذلك أيضا أتتكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى ابن مريم (ع) فكيف صدقتم بموسى ولم تصدقوا بعيسى؟ (فلم يحر جوابا) .
فقال (ع) : وكذلك أمر محمد وما جاء به وأمر كل نبي بعثه الله. ( بحار الانوار ،ج10،ص309 )
والواقع ان المعجزة لا تعدو ان تكون كأية حادثة تاريخية أخرى لابد ان نبحث عنها بصورة موضوعية مجردين تماما عن الاستبعاد الذي يكتنف الموضوع لانه بعيد عما باشرناه من السنن الكونية.. بلى؛ لو لم نستطع ان نؤمن فلسفيا بإمكان المعجزة إمكانا عقليا، إذًا امكننا نبذ الأنباء المتواترة منها وغير المتواترة لأن العقل أمتن ثقة من النقل. بيد انه ثبت لنا فلسفيا امكان بل وضرورة المعجزة فلا يسعنا الا قبول الأخبار الموثوقة بها على صحتها.
(2) - في القرآن آيات كثيرة تدل على ظهور المعاجز على أيدي الأنبياء السابقين وإليك بعضها.. قال الله سبحانه: [وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] (سبا10-11) .. وقال: [وإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُمْ مِن إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (الأعراف 73) .
(3) - قال الله تعالى، وهو يبين بعض آيات الله التي ظهرت على يد الرسول الخارقة:
[سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ] (الأسراء 1) . وقال [ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ] (آل عمران 44) . وقال [فَاَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا] (التوبة40) .