3-المعهود من أقوال الكفار المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم انهم كانوا ينسبونه إلى السحر، وقد قص لنا القرآن ذلك نقلا عنهم فقال: [وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِاَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ] (الأنعام 7) ولابد انهم شاهدوا منه ما يتشابه والسحر في اعينهم فنسبوه إليه، جهلا منهم بواقع السحر والفرق بينه وبين المعجزة.. في حين ان الفارق بين السحر والمعجزة كبير ويكمن في ثلاثة أمور:
الأول: ان السحر يحتاج إلى تعلم والمعجزة تأتي موهبة من عند الله، ولذلك فإن الساحر لا يكون ساحرا الا بعد سنين من الدراسة المرهقة، أما الرسول فإنه تصدر منه المعجزة بغير تعلم. والساحر لا يعرف الا نوعا خاصا من السحر بعد ان يتقن معرفته في حين يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من القيام بعدة معاجز مختلفة نوعا في وقت واحد؛ فمن شق القمر إلى تسبيح الحصى إلى انقلاب الجذع نخلة باسقة.
الثاني: ان السحر يأتي باختيار الساحر وإرادته بينما لا يأتي الاعجاز الا بإرادة الله سبحانه، ولذلك فإن السحر قد يأتي مؤيدا للحق وقد يأتي مخالفا له، أما المعجز فلا يقع إلا موافقا للحق، وللحكمة التي ترشد إليها الرؤية الصائبة وفي سبيل الاصلاح.
وبكلمة: ان السحر يستخدم في المطامع والاهواء بعكس المعجزة، التي لا يمكن استخدامها الا في سبيل الخير ولا يؤتى بها الا بإرادة الله. ومن هنا كان الكفار يطالبون الأنبياء (ع) بالمعجزة في بعض الأحيان، ولا يستجيب لهم الأنبياء (ع) قائلين: ان ليس لهم من الأمر شيء بل ان يشاء الله نزل عليهم آياته في حين كان هوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم موافقا مع إبداء الآية ـ بحسب الظاهر ـ ولكن حيث ان الحكمة لم تكن مع ابدائها لم يكن الله تعالى يبعثها. وأوضح شاهد على ذلك قصة موسى (ع) مع السحرة إذ لم ياذن الله لموسى بالقاء عصاه الا بعد ان امتلأ رعبا وخاف ان لا يؤمن الكفار وكان في ذلك دليل على ان موسى عليه السلام لم يكن بذاته قادرا على إحداث الخارقة بل بإذن الله، حيث ان السحر يؤثر في إطار محدود بينما المعجزة لا تتحدد بإطار. فالساحر ـ مثلا ـ لا يتمكن من احياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص أو قلب العصى الصغيرة إلى ثعبان مبين يلقف الحبال ثم يرجع إلى اصله وكأن شيئا لم يكن، أو خلق طوفان يملأ الأرض ماء، إن الساحر لا يفعل مثل هذه وقد فعلها الأنبياء عليهم السلام.
الثالث: بل لعل السحر لا يتمكن من البناء بل على الهدم فقط بينما يستطيع النبي ان يبني كما يستطيع ان يهدم بالمعجزة . فالساحر قد يتمكن من ان يجعل شجرة باسقة أعوادا يابسة ولكنه لا يجعل العود اليابس شجرة باسقة. واما المعجزة فإنها التي تجعل من الجذعة الذابلة نخلة تساقط رطبا جنيا. الساحر يمكن ان يجعل الناس فرقا شيعا ولكن لا يستطيع ان يؤلف قلوبهم كانهم بنيان مرصوص ويبعثهم أمة وسطا. السحر قد يجعل الأمة القوية شعبا مستضعفًا ولكنه لا يتمكن من ان يفعل خلاف ذلك - كما تفعل المعجزة- فتبدل الشعب المستضعف امة قوية. السحر قد يجعل من النظام فوضى ولكن لا يخلق من الفوضى نظاما يبهر العقول.
إذا فهناك فروق أساسية بين السحر والمعجزة نابعة من مصدر السحر الذي لا يعدو ان يكون استخدام بعض السنن الخفية بعد دراستها واتقانها. ثم يكون استخدام الساحر الذي يتأثر بالضعف البشري فيستخدم ذلك في الغالب فيما يضر الناس دون ما ينفعهم. وعلى ذلك نعرف ان انكار الكفار المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم معجزاته واتهامه بالسحر لم يكن الا خلطا ساذجا بين معطيات السحر والمعجزة، لجهلهم أو استكبارهم عن الحق.. فإذا عرفنا نحن ان ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن من السحر علمنا انه كان معجزة فكان كلام الكفار دليلا على صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وثبوت المعجزة له.
الكتاب المعجزة
القرآن هي المعجزة التي تبقى دليلا واضحا على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم مدى الدهر.. رجل أمي -عرفه معاصروه انه لا يقرأ ولا يكتب - يأتي بكتاب مفصل فيه علم كل شيء، بلغ في الفصاحة والبلاغة الذروة، وضرب في الأسلوب والمحتوى أرقى رقم يقاس، ثم يتحدى به العالم كله ويقول لهم - بأعلى صوت- [وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَآءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] (البقرة 23) .. ثم يقول: [... لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا] (الأسراء 88) .
القرآن يتحدى العالم..
ان مجرد التحدي من رجل أمي في الجزيرة العربية لشهادة كبيرة على ان صاحبه ليس برجل عادي، لاسيما وأن هذا التحدي لازم الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نهاية حياته حيث لاحظ حضارات البشرية عن كثب وعرف أبعاد ما فيها، وقد عجزت البشرية رغم تكاثر الأعداء الألداء، عجزت حتى عن محاولة التحدي المضاد.
وفي بداية البعثة، زعم بعض العرب المغرورين بفصاحتهم؛ انهم قادرون على التحدي المضاد، الا انهم سرعان ما اكتشفوا ضلالهم البعيد.
فالشاعر العربي (بشير) الشهير ببلاغته قال أبياتا زعم أنها أفصح من القرآن فعلقها على الكعبة، ولم يكن يعلق عليها الا شعر أفصح العرب، ولما رأى المسلمون اعجاب (بشير) بأشعاره كتبوا بعض آيات القرآن وعلقوها إلى جنب أشعار بشير، فلما مر بها بشير أبهرته قوة البلاغة في القرآن وهتف قائلا: والله ما هذا بقول بشر وأنا من المسلمين.
وبعد قرن من بزوغ الإسلام زعم بعض المنافقين ان الوقت حان للإجابة على تحدي القرآن فاتصل بالأديب العربي الشهير (بن المقفع) الذي أغرته ثقافته الفارسية الفلسفية الواسعة فقبل الدعوة إلى التحدي المضاد ولكنه اشترط على صاحبه المقترح ان يتكفل له بما يحتاج إليه خلال سنة، وهي المدة التي زعم انه قادر على انجاز مهمته فيها، ولما مضى نصف عام عاد إليه صاحبه ليعرف مراحل العمل في مواجهة تحدي القرآن فوجده جالسا والقلم يرتعش بين أصابعه وقصاصات الورق تتناثر من حوله، فاعترف بأنه قد أصيب بفشل ذريع في محاولته هذه رغم ما بذله من جهود جبارة إذ انه لم يستطع ان يأتي بآية واحدة من طراز القرآن..
ولسنا بحاجة إلى ذكر المزيد من القصص التاريخية بعد ان اعترف بعظمة القرآن كل من تدبر فيه. ولم يظهر حتى الآن من نجح في صياغة آية واحدة ـ ولو بصورة تقليدية ـ كآيات القرآن الحكيمة، وان أغمضنا النظر عن تحدي القرآن فإن ذاته يدل على صدق هذا الكتاب الذي ظاهره أنيق وباطنه عميق، ظاهره حكم وباطنه علم، قيم لا عوج فيه، حق لا باطل معه، لا تختلف أحكامه ولا تتناقض مبادؤه ولا تتعارض أصوله وفروعه ومفاهيمه وأحكامه.
هذا الكتاب الذي بهر البلغاء فرفعت اعلام الاستسلام واستهوى العالم كله، فظل يستلهم منه طيلة أربعة عشر قرنا فلم تبل عجائبه ولم تخلق نضارته بل جاء كل جيل فاقتبس من نوره واهتدى بهداه وذهب ليستخلفه الجيل الثاني في ذلك دون ان يؤثر تطور الحياة وتقدم العلوم واختلاف الزمن شيئا في عظمته وأهميته. هذا الكتاب يأتيه رجل أمي محض، أليس في هذا معجزة دونها معاجز الأنبياء عليهم السلام.
أين معجزة القرآن؟