فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 1942

القرآن معجزة لاشك في ذلك، إذ لو لم يكن معجزة إذا لاستطاع البشر ان يأتوا بمثله وقد تحداهم جميعا من أول يوم وإذا كان يشبه كتب البشر في شيء واحد بينما يختلف عنها في كل شيء فلا يكون الا معجزة ولكن أين من القرآن المعجزة؟ في أية ميزة منه اختبأت المعجزة؟ في الجواب نقول:

أ- قد احتوت آياته على علوم لم يعهدها البشر ذلك اليوم واكتشفها عصر النور.. فبالرغم من ان رموز القرآن لم تحل بصورة دقيقة نظرا لضحالة معارف الإنسان، فإن آيات قرآنية كثيرة اشارت إلى حقائق علمية لم تعرف الا منذ زمن قريب. وان مقارنة القرآن في هذا الحقل بأي كتاب تاريخي يظهر لنا بوضوح مدى الفرق بين كتاب البشر وكتاب الخالق الأبدي الذي لا يمكن ان يتجاوزه الزمن، أنى سارع في مسيرته. بل انه يبقى أبدا أمام الاكتشافات، فيعود الإنسان إليه كلما عرف سرا ليجد به إشارة بارزة إليه حتى انه يعتقد بيقين ان القرآن يحتوي على العلم كله.. ونحن إذ نذكر بضعة أمثلة فإنها ليست سوى طليعة الشواهد العلمية التي تتلاحق لتكشف عن إعجاز القرآن:

1-لقد اكتشف العلم ان المادة كانت جامدة وساكنة وحدث فيها انفجار هائل قبل خمسة ملايين مليون سنة فبدأت المادة تتمدد حتى ان دائرة المادة كانت ألف مليون سنة ضوئية وأصبحت الآن عشرة أمثال ذلك. وهكذا تتوسع المادة الا انها كلما توسعت كلما كثر بداخلها الفضاء الخالي حتى انه لو طوينا الكون بحيث لم يبق فيه فضاء خال تضاءل الكون حتى أصبح كحجم الشمس بضعة عشرة مرة. أليست تدل هذه الكشوف العلمية تدل على بضع رموز الآيتين الكريمتين:

أ- [أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا] (الأنبياء 30) .

هل هناك تعبير أفصح من تعبير الرتق والفتق تكشف عن هذه الحائق؟

ب- [يَوْمَ نَطْوِي السَّمآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ] (الأنبياء 104) .

أليس الطي أصدق تعبير لاخلاء المادة عن الفضاء؟.

2-من المفهوم لدى العلماء اليوم ان المادة الخفيفة وزنا ارتفعت على سطح الأرض وكانت الجبال، وبقيت المادة الثقيلة مكانها فكانت البحار، واستطاع ارتفاع مكان وانخفاض آخر ان يحافظ على توازن الأرض والا لمادت بأهلها. هذه الحقيقة، الا ترى دلت عليها الآية التالية بأبلغ تعبير: [وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ] (لقمان 10) .

3-وتتفق نظريات علماء الجغرافيا والنبات وغيرهم على ان الأرض كانت متمركزة في البدء ثم انتشرت. وهذه تتفق تماما مع كلمة (دحو) التي استعملتها آية قرآنية عند بيان بداية الأرض، ذلك لأن (الدحو) تعني التسوية في الانتشار من مكان تتجمع فيه المادة.

قال الله تعالى: [وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَآ * أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا] (النازعات 30/31) .

وكفى بهذه الأدلة دليلا على مدى الانسجام بين آيات الكتاب وكشوفات العلم الحديث وهي مقتبسة من موضوع تكون المادة فقط.. وفي سائر المواضيع شواهد أكبر وأكثر.

ب- والقرآن ليس فيه اختلاف بين المبدأ والشريعة والأخلاق الذي نجده في المبادئ الأخرى. فالقرآن مثلا يقر مبدأ التوحيد ثم لا يشذ عنه في صغير أو كبير، بل يصدر عنه كل شيء، بعكس المبدأ الماركسي - مثلا - فإنه يتبنى مبدأ في الفلسفة يناقضه في التشريع أو في الأخلاق.

ج- وهو أفصح ما عهده العرب وأبلغ ما عهده الإنسان من ألفاظ وتراكيب، ولذلك أنزلت العرب معلقاتها العشرة الفصيحة عندما نزلت بعض الآيات، قائلين انها سوف تفضحنا لأنها من قبيل وضع الحصى في عرض الأحجار الكريمة.

د- وأعتقد ان أهم ما في القرآن هي معارفه التي حلت للناس كل مشاكلهم الفكرية والتي عجزت عن حلها البشرية جميعا. والقرآن نفسه يذكر ان سر عظمته بالدرجة الأولى هي معارفه فيقول: [يَآ أيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ] (يونس 57) .. يظهر من هذه الآية ان شفاء ما في الصدور والهدى هي السمه الكبرى الموجودة في القرآن وهي مرتبطة بظاهرة كشف الحقائق في القرآن. ومن هنا فقد تحدى القرآن بتلك المعارف البشر جميعا، لا العرب وحدهم.

تبشير الكتب المنزلة

وحجة أخرى على صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بشارة الكتب السماوية به. يمكننا معرفة هذه البشارة بطرق ثلاثة:

الأول: لقد ذكر القرآن في عدة آيات ان الأنبياء السابقين قد بشروا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال سبحانه [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ] (الأعراف 157) .. ولعن الأحبار والقسيسين الذين كتموا الحق بالبشارة به صلى الله عليه وآله وسلم فقال: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ اُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ] (البقرة 159) وقال في سياق الحديث عن رسالة النبي عيسى (ع) انه كان يبشر بنبي يأتي من بعده فلو لم يكن الرسول صادقا في قوله انه قد بشرت به الكتب السماوية السابقة، إذن لكان يكذبه اليهود والنصارى مع انا لا نعهد منهم ذلك أبدا. بل كل ما في الأمر انهم قالوا -استكبارا عن الحق- ان الرسول الذي وصف في الكتاب انما يأتي بعد قرن من تاريخ بعثة الرسول وأظهرت الأيام كذبهم؛ ولم يكن ذلك الا من بعضهم، اما الآخرون فإنهم آمنوا به اعتمادا على الأوصاف التي اعتقدوا بأنها ظاهرة في الرسول صلى الله عليه وسلم بالضبط.

والخلاصة: ان الرسول ادعى انه المبشر الموعود في الكتب السابقة، وحيث لم ينكر ذلك أحد من معاصريه عرفنا انه كان صادقا في هذه الدعوى.

الثاني: القدر الموجود بأيدينا من الكتب السماوية تتضمن، على الرغم من كثرة التحريف فيها بأيدي المعاندين للرسالة الجديدة الذين هددت الرسالة مصالحهم الشخصية؛ على الرغم من كل ذلك فإن الكتب السماوية الموجودة لا تزال تحتوي على بشائر كثيرة بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وإليك طائفة منها:

1-في انجيل برنابا؛ الفصل الثاني بعد الأربعين: (ولا أحسب نفسي كالذي تتحدثون عنه، ذلك لأني لا أليق أن أحل سير رسول الله الذين تسمونه(مسبأ) الذي خلق قبلي وسيبعث قريبا وسيأتي بكلام الحق والذي ليس لدينه نهاية).

2- (وذلك لأن الله قد وعد إبراهيم ان يبعث من ذريته من يبارك به جميع قبائل الأرض وكما حطمت الأصنام فسوف يحطم ابنك جميع الأصنام) .

3-وفي التوراة - السفر الأول، الباب الرابع عشر، الآية 20-: (وفي خصوص اسماعيل أجبت على دعوتك وباركت في نسله ويظهر منه اثني عشر رئيسا وسوف يأتي من قبله شعب عظيم) .

4-وفي نفس الفصل ذكر ما نذكر فيما يلي نصه وترجمته: وهمفريتي اتو = (واجعله محظوظا وفيرا) ، وهريتي اتو = (وأجعله كثيرا) ، بمئد بمئد = (بسبب محمد) ، شنم عاسار = (اثني عشر) ، نسئيم بوليد = (إماما يولده) ، وانشتيوا لفهي كادول = (وأجعله أمة كبيرة) (1) .

5-وفي التوارة، السفر الخامس، الباب الثامن، الآية 18-: (وقال لي الرب ما قيل لك حسنا سأبعث لهم نبيا من أخوتهم بني اسماعيل) ولم يدع منهم النبوة أحد سوى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهو إذا المقصود بهذا النص.

(1) - هذه العبارة منقولة من التوراة بترجمة بعض المختصين باللغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت