ومن هنا فهو يقول: ماذا سأخسر إن قلت: إن الإسلام ديننا وتراثنا، لأن هذا واقع من جهة، ولا يترك أثرًا في الحياة الحاضرة من جهة أخرى. فالمذاهب المادية إذا تقدمت في ضوء تلفيقها مع التراث، ستسيطر على المجتمع كله، والتراث عندئذ لا يكون مكانه إلا في كتب التاريخ ومعالجة التراث سهلة عند ذلك، لأنه سيسقط ماديته على التراث كله، بدعوى البحث عن الجوانب المشرقة في التراث، فالنتيجة أن التراث في ظل هذه المعانقة سـ"يتمركس"على سبيل المثال من دون إثارة مشكلة الإلحاد أصلًا في العالم الإسلامي.
وأما العلمانيون فإنهم يحتفظون باسم الإسلام، ولكنهم توجهوا إلى دراسة تلك الفلسفات قبل دراستهم للإسلام فآمنوا بها ودعوا إليها على أساس أنها أنظمة دنيوية لا تصطدم مع إسلامهم، لأن الإسلام يدعو إلى العدل ويرحب بتحقيق كرامة الإنسان وهذه المبادئ تحقق ذلك.
وهؤلاء كلما درسوا الإسلام أكثر اقتربوا منه أكثر، فهم يبدءون من عملية التلفيق والدمج، ثم ينتهون إلى عملية الاستفادة.
أما عملية التلفيق فيقصدون أننا يمكن أن نأخذ الجانب الروحي من الإسلام مع الماركسية من حيث هي منهج علمي للنضال على حد تعبيرهم، ويقولون: إن مشكلة الإلحاد في الماركسية لا تخصنا إنما تخص الصراع الأوروبي بين العلماء والمناضلين وبين الكنيسة، ولكننا نختلف عنهم لكون ذلك الصراع ليست له علاقة بتاريخنا (5) .
ولجأ هؤلاء إلى المصادر الإسلامية ليستخرجوا منها الآيات والأحاديث والوقائع التاريخية التي تدعو إلى عدم التمايز والمساواة وإيثار المصلحة العامة وتحقيق العدل الاجتماعي، لكي ينتهوا إلى أن الماركسية لا تقول بأكثر من ذلك فلماذا لا نستفيد منها؟.
وهذا التلفيق والامتزاج بين الإسلام والمبادئ الماركسية مرفوض للأسباب التالية:
-الأول:
لأن الإسلام دين الله الحق الكامل الشامل، له"مذهبية"تفصيلية في الوجود كله، تقوم على الحق والعدل والميزان، تنبثق منه أسس وقواعد أنظمة عدة، مترابطة، يربط بينها منطق داخلي دقيق، بحيث يشكل نظامًا واحدًا متشابكًا لا يمكن فصل جزء منه عن جزء، فدعوى أخذ جانب منه مع جانب آخر من الرأسمالية أو الماركسية أو الاشتراكية إخلال بتوازنه وتفكيك لمنطقة الداخلي الموحِّد، وطعن صريح في كماله، وهذا يعني أن الإسلام بقواعده وأصوله من خلال العقل المسلم لا يستطيع رفد الزمان والمتتابع بما يحتاج إليه من ضوابط التغيير وحلوله وأنظمته التفصيلية. في الوقت الذي يتضح لكل دارس منصف أن الإسلام بمنطقه الداخلي وعن طريق أصوله وقواعده ومن خلال حركة العقل المسلم المدرك لسنن الله في الوجود والعمران، يستطيع إحداث حركة التغيير الجذري الشامل في كل عصر، وتحقيق كل ما يعود إلى الإنسان من خير وصلاح واستقامة وعدل.
ومن المؤسف أن أقول: إن جهل كثير من أبناء الإسلام بهذه الحقائق الإسلامية وعدم طلبهم الحق لذاته من خلال العقد الشعورية واللاشعورية التي أصيبوا بها ضد الإسلام ظاهرًا أو ضمنًا، ومن أرضية الخضوع لرواسب الثقافات الأجنبية التي صنعت شخصياتهم، يحول بينهم وبين إدراك تلك الحقائق.
وياليتهم فعلوا مثل ما فعل الفيلسوف الفرنسي المسلم (رجاء غارودي ) فلقد كان غارودي من أكابر مثقفي الماركسية في هذا العصر ثم وجد من خلال تجربة فكرية معقدة، وممارسة واقعية قاسية، أن الماركسية لا تمثل أوجه الحقيقة كلها، وإنما تمثل وجهًا واحدًا منها، فدعا إلى المبدأ البديل في كتابه (البديل ) واقترح للإنسانية نظامًا على أساس روحية الدين ممزوجًا بتحقيق حرية الإنسان في المذهب الديمقراطي الغربي ملفقًا مع الاقتصاد الماركسي. ثم تقدمت بغارودي الدراسة، فاكتشف أنه من المستحيل أن يتم هذا التلفيق لأننا نأخذ عندئذ جزءًا مترابطًا مع كل في كل قضية، ونريد أن نمزجه مع جزأين آخرين من كلّين مختلفين، فغدت عندنا ثلاث قضايا ملفقة في الظاهر، ولكن تفتقد إلى منطق ذاتي داخلي يربط بينها.
وتقدم غارودي لسنوات طويلة خطوة فخطوة يريد اكتشاف المنطق الموحِّد. من خلال دراسة عميقة للإسلام التي بدأها منذ أيام ماركسيته، وانتهى إلى الاكتشاف العظيم في كتابه"ما يعد به الإسلام".
فلقد وصل غارودي هذه المرة إلى المذهبية الإسلامية الشاملة، ومنطقها الكوني الذي جمع بين ظواهره بقانون داخلي رابط، يشكل دين الإسلام، فذابت عنده في هذه السبيل، عملية تلفيق المبادئ ودمج المنظومات المختلفة، وأعلن إسلامه بكل وضوح ورآه الطريق الوحيد لإخراج الإنسان من أزمته الحضارية الخانقة في هذا العصر.
لم يتراجع غارودي عن إيمانه بالحرية، ولا بتحقيق كرامة الإنسان، ولم يتخل عن عشقه للعدل الاجتماعي وانحيازه الكامل للمسحوقين والمستضعفين في المجتمعات البشرية، ولكن تراجع وتخلى فقط عن التفسير الإلحادي الماركسي للتاريخ ثم عن المنهج الخاطئ، منهج التلفيق والدمج.
لقد رأى غارودي كل آماله في هذا الدين الخاتم ومذهبيته الكونية الشاملة المترابطة، وأدرك أن طريق النضال الوحيد أمام البشرية هو الإيمان بالإسلام ومبادئه الفطرية المنسقة في الكون والمجتمع والإنسان.
وكذلك يا ليتهم فعلوا مثل ما فعل الكاتب العربي الأستاذ"منير شفيق"فلقد قضى في الماركسية سنوات طويلة، مؤمنًا بها مدافعًا عنها، مناضلًا في سبيل تمكينها في المجتمع العربي المسلم، ثم تهيأت له سبل دراسة الإسلام فدرسه دراسة واعية مُنصفة عميقة، فظهرت أمامه الحقيقة واضحة جليَّة. ولم يحاول أن يلفق بين الإسلام والماركسية، لأنه أدرك أن من يحاول أن يأخذ من الإسلام جانبًا منه ويترك منظومته المتكاملة سينتهي إلى شيء آخر غير الإسلام. ولذلك فإنه ترك الماركسية إلى غير رجعة وألَّف كتابه النفيس"الإسلام في معركة الحضارة"عرض فيه قضية الإسلام، بعقيدة راسخة ويقين كامل ومنطق سليم في إطار من الفهم الدقيق لمذهبية الإسلام الشاملة ووحدتها الداخلية الرصينة.
-الثاني:
لو جئنا إلى الواقع من خلال استقراء شامل للحياة في العالم الإسلامي لوجدنا أن محاولة التلفيق بين الإسلام وبين الرأسمالية أو الماركسية أو الاشتراكية، انتهت إلى التضحية بالإسلام، وإخراجه من معظم مجالات الحياة، ويدل على ذلك ما يلي:
(أ) التوجيه العام في تربية الأجيال غدا توجيهًا مقطوعًا عن الإسلام خاضعًا لمناهج الدوائر العلمانية والمادية الغربية في التربية والتعليم بحيث أدى إلى فصل التعليم الديني عن التعليم العلمي والإنساني، مع التقصد المخطط في إهمال التعليم الديني ومؤسساته، تمهيدًا لحصر دوره أو القضاء عليه.
(ب) قادت التربية العلمانية والمادية أجهزة الإعلام المتنوعة في طريق التنكر للإسلام عقيدة وشريعة وسلوكًا وحضارة والاكتفاء بعرضه عرضًا لاهوتيًا أو"فولكلوريًا"تراثيًا متحفيًا في مناسبات معينة.
(ج) عبرت في ظلها المبادئ الغربية المادية والعلمانية والجنسية الإباحية، فتمكنت من حفر أخاديد واسعة وتيارات كبيرة في المجتمعات الإسلامية، انتهت إلى الفرقة والقلق والحيرة والسلبية في الحياة. وبالمقابل فقد حوصر الإسلام حصارًا يكاد يكون كاملًا، وغدت الدعوة إلى حقائقه ومحاولة تمكينها ولو بالطرق السليمة، ومن خلال جهود جماعية، جريمة كبيرة، يتعرض أصحابها من خلالها إلى الاضطهاد المتنوع، وصل في بعض الأحوال إلى التصفيات الجسدية.