فهرس الكتاب

الصفحة 1617 من 1942

(د) ارتبطت تلك الأنظمة العلمانية بمراكز القوى الكبيرة في توجيه السياسة العالمية؛ العلنية منها والسرية، بدعوى الانسجام في المبدأ والتخطيط في السياسة المشتركة والاعتماد على قوة ضد قوة أخرى، وانتهت إلى التمزق بين أجزاء الأمة الإسلامية، لا سيما الأمة العربية الواحدة، وأدت هذه الكارثة التاريخية الكبيرة إلى ضياع وحدة الأمة، عقيدة وحضارة وهدفًا ومصيرًا. وتمكّنِ اليهود في فلسطين وضمهِم لأجزائها وما حولها، وتجسدت كارثة الفرقة إلى درجة أن المتخندقين من الفدائيين الفلسطينيين وجه بعضهم إلى بعضهم الآخر فوهات مدافع الدبابات والرشاشات والبنادق. كما أن جيوش الأعداء استدعيت لغزو بلاد إسلامية عدة من قبل حكامها العلمانيين أو الماديين مباشرة أو غير مباشرة.

(هـ) في ظل التلفيق بين الإسلام تراثًا وبين المذاهب المادية والعلمانية عقيدة وحضارة ومنهجًا فرضت على الأمة أنظمة القهر والاستبداد واستعملت خبرة الأمم كلها في تعذيب المعارضين وسحق مقاومتهم العنيفة أو السلمية، فانتهكت الكرامات واستبدل استعمار باستعمار وطبقة بطبقة وظلم بظلم أشد. وبقي المظلومون والمستضعفون على حالهم يفتك بهم الجهل والجوع والمرض.

لم ينته الاستلاب الإنساني كما وعدوا.

لم تسقط الكيانات الاجتماعية المتهرئة كما ادّعوا.

لم تتحقق وحدة الأمة كما طبلوا لها وزمروا، بل زادوها أوصالًا وتقطيعًا.

لم تتكون العقلية العلمية في الأمة كما أملوا، بل زادت الخرافة والجمود، واستعانوا بها هذه المرة للقضاء على حقائق الإسلام. . فأي تلفيق هذا الذي يريدون، وعن أي مزج هم يتحدثون.

لقد كانت الضحية الوحيدة لهذا التقريب المزعوم هو الإسلام بحقائقه وحضارته وأمجاده وأمته وترابه.

(و) كان من ثمار هذه التربية المادية والعلمانية، انتشار مظاهر الانحراف في حياة المسلمين؛ فمن إدمان للخمر، إلى نوادي القمار، إلى دور البغاء العلني والسري، إلى الخلاعة الجنسية على شواطئ البحار والأنهار وأحواض السباحة والاستعراضات الرياضية المختلطة، إلى تسهيل الإغراءات في الملابس وتشجيع دورها ومحلاتها وصحفها وحفلات عرضها، تلك الفضائح الاجتماعية والأخلاقية التي قتلت الرجولة والشهامة والمروءة والاستقامة وروح الجهاد والكفاح في الحياة لدى الأجيال المسلمة.

إن المنهج الذي يدعو إلى التوفيق بين مبادئ الإسلام وبين الجوانب الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية في الحضارة الحديثة، منهج فيه ثغرة كبرى، لأنه ينطلق من أمرين متضادين، إذ لكل من الإسلام والحضارة الغربية أرضيته الخاصة، ونمطه الحضاري المتميز، فلا يجوز قطع جزء من الإسلام، ودمجه مع جزء معين من مذهب آخر أنتجته حضارة مختلفة، ليخرجا كُلاًّ فيه جزءان متباينان، لأن الكل الجديد عند ذلك يفقد تسلسله المنطقي ووحدته الداخلية واتزانه الحضاري.

وكذلك المنهج الذي يقول: إنني أؤمن بالإسلام ولكنني أستفيد من المبادئ الأخرى في الحضارة الغربية الحديثة وأدخلها في الإسلام إدخالًا لا تفقده ملامحه الخاصة.

وعلى الرغم من أن هذا المنهج هو تعبير آخر عن المنهج التلفيقي، غير أن صحابه - إذا كانوا مسلمين حقًا - لا بد أن يعدلوه، وتعديله يكون بأن أدرس الإسلام دراسة واعية، ولا أنسى أنني أعيش في القرن الخامس عشر الهجري، ولا بد أن أعلم أني محاط بحضارات أخرى هي حصيلة التجارب البشرية غير المعصومة، مع ما بقي فيها من مبادئ الأديان السماوية السابقة على الإسلام. فأدرسها دراسة ناقدة وأهضم ما أريد أن أهضمه منها في داخل ضوابط ومنطلقات وخصائص حضارتي الإسلامية، ثم أبدأ بحل المعضلات التي أواجهها من خلال عقيدتي الواضحة وتجارب الإنسانية الشاملة في عالم الشهادة (المادة ) ، لأصل في النهاية إلى اقتراح حل ما للمشكلة الاقتصادية، قد يقترب كثيرًا أو قليلًا من حلول الأنظمة الأخرى. ولا يمكن أن يعترض عند ذلك عليّ فيقال: أنت نقلت القضية الفلانية من المبدأ الفلاني، لأنني في الواقع لم أنقلها، وإنما توصلت من خلال مذهبيتي المفتوحة إلى حل مشكلة منفردة، هي ظاهرة من ظواهر المجتمعات البشرية كلها، كل منا يدرسها بطريقته الخاصة، ويوجد الحلول المناسبة مسترشدًا بإطاره الثقافي، ونمطه العقيدي.

إن القضايا عند ما تفرد؛ كل قضية وحدها وتعالج، عند ذلك تتصل بوجود الإنسان من حيث هو إنسان. إذ أن القضايا الجوهرية التي تتصل به، مشتركة، ولكن كل نمط حضاري ينظر إليها ويتقدم إلى دراستها وحلها من زاويته الخاصة، وقد تتقارب النتائج في النهاية، ولكن كل نتيجة ضمن منظومته الحضارية.

فعلى سبيل المثال: عندما ألقي نظرة على المجتمع الإسلامي وأجد أن التوازن الاقتصادي مفقود فيه، أبدأ بالتفكير من المنطلق الإسلامي لإيجاد حل لهذه المشكلة التي قد تسبب مأساة إنسانية لا يرضى عنها الإسلام، فأقترح حلولًا ضمن مخطط عام للقضاء على تلك المأساة، وقد يقترب بعض ما في حلولي الإسلامية من بعض ما تقرره الماركسية أو النظريات الاشتراكية الأخرى. فلا يمكن أن يدعي امرؤ أنني أطبق هنا مع الإسلام أحد تلك النظم الاقتصادية، لأن منطلقي يختلف تمامًا، فأنا أتحرك داخل الإسلام وضوابطه ونظمه الحضارية، والإنسان قد تتشابه مشاكله في ظل الأنظمة المتضادة، ومع ذلك التضاد، فقد تأتي الحلول متقاربة في نتائجها، والسبب جوهر المشاكل الإنسانية، لا تَلَقِّي كل مذهبية تلقيًا مباشرًا من الأخرى.

ويمكن أن أنتقل من هذا العموم إلى ضرب مثل خاص من الجزئيات الكثيرة المندرجة تحته فأقول:

لو نظر اقتصادي إسلامي وماركسي واشتراكي إلى قرض المصرف العقاري، فانتهى الثلاثة إلى أن كل أسرة لها حق في امتلاك حد أدني من السكنى، حتى لا تعيش في العراء فتتعرض كرامتها الإنسانية إلى المهانة.

ورأى الثلاثة أن الواجب على الدولة التي تمثل الشخصية المعنوية لمجموع أفراد المجتمع أن تؤمن لهم ذلك، ورأوا أن أخذ الفائدة على المبلغ المقترض لتأمين السكنى الضروري ظلم اجتماعي، يحيل عقلية الدولة إلى عقلية تاجر يريد تأمين الربح أولًا، ثم اقترح الثلاثة أن الحل هو في إلغاء الربا في هذا القرض. ولكن مع هذا الاتفاق الظاهري نجد أن المذهبية التي ينطلق منها الثلاثة تختلف مع الأخرى في المقدمة والنتيجة، وسنجد أن نظرة الاقتصادي المسلم تختلف عن نظرة صاحبيه. لأن إلغاء القرض عنده ليس استجابة لرفع ظلم اجتماعي فحسب، وإنما تتقدمه الاستجابة لأمر ربه في تحريم الظلم كقانون كوني ثابت، فقد حرم الظلم على نفسه وحرّمه على عباده، وهذا الحرام لا يتبدل بتبدل الظروف قط كما في الأنظمة الأخرى، لأن الربا قد يعود عند الأزمات الاقتصادية مثلًا في ظل تدابيرها الاقتصادية.

فالقضية هنا تخضع لحسابات مادية، بينما الربا على ذلك القرض لا يمكن أن يعود في ظل النظام الاقتصادي الإسلامي، لحرمته الشرعية، استجابة لأمر الخالق. ولذلك فإن الدولة الإسلامية لا يمكن أن تعيد هذه الفائدة حتى في الأزمات الاقتصادية التي تمر بها، بسبب الحرمة أولًا، ولأنها ضمن الإطار الشامل المرن للاقتصاد الإسلامي تستطيع أن تتحرك في اتجاهات كثيرة لسد ذلك النقص في داخل ضوابط الشريعة وقواعدها العامة المرنة.

إن الحلول المتسقة مع المذهبية الإسلامية وخصائصها والتي تظهر إلى عالم الواقع ضمن نظامها العام، تسمى حلولًا إسلامية، وليست حلولًا ماركسية ولا اشتراكية ولا رأسمالية إن كانت القضية تتصل بحرية الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت