وتوفر العناصر الثلاثة الأولى بعد امتصاصها وتمثلها قدرة حرارية يحتاجها الجسم ليصرفها في نشاطاته الدائمة عن طريق عمليات الجسم الكيماوية الحيوية (الاستقلاب - Metabolism ) المستمرة، ومع ازدياد معدل النشاط تزداد الحاجة للقدرة بارتفاع معدل ما يصرفه الجسم من جهد (15 ) . ويحتاج الشاب السليم الجسم، ذو النشاط المتوسط حوالي (3000 ) وحدة قدرة حرارية (سعر أو حريرة ) في اليوم من غذائه ( ويوفر كل جرام من الفحوم المائية والبروتين 4 حريرات ـ أسعار، أما كل غرام من الدهن فيوفر 9 حريرات ـ أسعار ـ ) ويستحسن أن يأخذ الإنسان السليم في غذائه اليومي غرامًا واحدة من البروتين مقابل كل كيلو غرام من وزنه، وهناك أعمار خاصة تحتاج لغذاء معين أو لحريرات ـ أسعار ـ أكثر ، كالأعمار الصغيرة والحوامل والأمهات وبعض الناقهين من أمراض معينة؛ والغذاء الكافي المتوازن ضرورة صحية بالإضافة إلى أنه ضرورة حياتية؛ والنقص في كمية أو نوعية الغذاء، أو كلاهما معًا، يؤدي إلى سوء التغذية وإلى الأمراض فضلًا عن تأثيره على الإمكانات الجسمية والعقلية وتقلص إنتاجها.
ولقد بدأ التحسن في المستويات الصحية في البلدان الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قبل مدة طويلة من ظهور الطب العلمي الحديث، وبدا، ذلك واضحًا بانخفاض نسبة الوفيات، لقد نقص حوادث (الكوليرا ) و (التيفوس ) و (الطاعون ) و (السل ) و
(الحصبة ) قبل ظهور أي علاج فعّال لها. والتحسن في السوية الصحية هذا كان السبب فيه راجعًا جزئيًا لزيادة إنتاج الغذاء وتحسن مستوى توزيعه، مما أدى إلى تحسن السوية الغذائية في الأفراد وزيادة قوة مقاومتهم للأمراض. وفي أواخر القرن التاسع عشر ظهر تحسن آخر بعد توفير المياه الصالحة للشرب على مدى واسع وبناء شبكات المجارير (16 ) .
السويّة الغذائية في الدول الفقيرة
ما بين عامي 1977م ـ 1979م كان متوسط نصيب الفرد من السًعرات الحراية (Calories ) المتاحة أقل من (2200 ) سعرة في اليوم في 48% من سكان أفريقيا (أي في إحدى وثلاثين دولة ) (17 ) .
(وفي بنغلاديش، متوسط السعرات المتاحة أقل من(2000 ) سعرة يوميًا )؛ ولا يحصل الأطفال دون سن الثالثة من العمر، في بنغلاديش إلاّ على 46% فقط من حاجتهم من السعرات، و68% من البروتين اللازم؛ و17% من الأطفال دون سن الرابعة يعانون من نقص حاد في التغذية يؤدي إلى الهزال، والنقص المزمن يؤدي إلى توقف النمو (18 ) .
( وبصورة عامة فإن 15 ـ 25% من الأطفال مصابون بسوء التغذية، وتصل النسبة إلى حوالي 60% في بعض الدول(النامية ) ؛ ويعتبر الفقر السبب الرئيس المؤدي إلى هذا الوضع، ولكنه ليس العامل الوحيد، فنقص التوعية وانعدام المياه النظيفة الصالحة للشرب، واستعمال الأغذية المصنعة في الغرب ) (19 ) ، تسهم كلها إلى حد ما في هذه الحالة
وقد يكون من الأفضل إعطاء أرقام في مقارنة عامة بين معدلات نصيب الفرد من السعرات اليومية في عالم الأغنياء وعالم الفقراء، وهذه عيّنة: (حوالي عام 1975م ) :
المعدل في أوروبا الغربية (3230 ) سعرة حرارية في اليوم
المعدل في أوروبا الشرقية (3240 ) سعرة حرارية في اليوم
المعدل في أوقيانوسيا (3270 ) سعرة حرارية في اليوم
المعدل في أمريكا الشمالية (3350 ) سعرة حرارية في اليوم
المعدل في آسيا (إجمالًا) (2160 ) سعرة حرارية في اليوم
المعدل في أفريقيا (إجمالًا) (2250 ) سعرة حرارية في اليوم
أما في البلاد المسلمة فهذه عيَّنة من معدلات نصيب الفرد من السعرات (حوالي عام 1975م ) .
الجزائر 1730 تونس 2220
اندونيسيا 1790 مصر 2500
أفغانستان 1970 نيجيريا 2270
بنغلاديش 1840 ماليزيا 2460
موريتانيا 1970 إيران 2300
المغرب 2160 سورية 2650
اليمن الشمالي 2040 السعودية 2270
اليمن الجنوبي 2070 الأردن 2430
مالي 2060 غينيا 2200
النيجر 2080 باكستان 2160
العراق 2160 لبنان 2280
وهكذا نرى أن المعدلات في كل الدول المسلمة إما قليلة ـ نسبيا ً ـ أو ناقصة جدًا خاصة المعدلات التي تقل عن (2000 ) سعرة للفرد في اليوم. وهذه هي الظاهرة الأساسية فيما سنراه من سوء تغذية وأمراض ووفيات في ديار المسلمين .
سوء التغذية
يقول (هلفدن ماهلر ) المدير العام لمنظمة الصحة العالمية (سوء التغذية هو، في الوقت نفسه، أحد نتائج الظلم الاجتماعي، وأحد العوامل التي تسهم في بقاء هذا الظلم ) (20 ) .
وهناك من يقول: إن70% من أولاد البلدان النامية يشكون من سوء التغذية (21 ) . وفي أفريقيا 63% من النساء الحوامل (أي من 1ر15 مليون ) و40% من بقية النساء (أي من 1ر77 مليون ) مصابات بضعف الدم ( الأنيميا Anamia ) أما في آسيا 65% من النساء الحوامل (أي من 2ر43 مليون ) و57% من بقية النساء (أي من 2ر253 مليون ) مصابات أيضًا بضعف الدم. وبصورة عامة يمكن القول: إن أكثر من نصف النساء في آسيا وأفريقيا مصابات بضعف الدم (64% من الحوامل و50% من غير الحوامل ) (22 ) ؛ ومجموع المصابات في القارتين 75ر212 مليون امرأة.
وفي الفترة ما بين 1969م، و1971م قُدّر أن المتوفر من الغذاء الذي يولد طاقة الإنسان هو أقل من 10% من حاجات الجسم في 24 دولة نامية، وفي (33 ) دولة نامية أخرى هناك نقص أقل من 10%. وقًدِّر في بداية السبعينيات أن 30% من سكان شرقي آسيا (حوالي 300 مليون نسمة ) و25% من سكان أفريقيا (حوالي 67 مليون نسمة ) لا يحصلون على بروتين ومواد مولدة للطاقة بكميات كافية في غذائهم (23 ) .
(وفي عام 1974م انتشرت أمراض سوء التغذية في بلاد آسيوية عدة منها: الهند، وباكستان، وكمبوديا، والفيليبين، ومن مجموع ثمانمائة مليون طفل في الدول النامية الآن(عام 1978م ) ـ سيواجه أكثر من ثلثيهم السقم والأمراض المعوقة إما بسبب مباشر من نقص التغذية أو باستفحال هذه الأمراض لنقص البروتين والمواد المولدة للطاقة ) (24 ) .
ويتناقص إنتاج الغذاء باستمرار، للسنة العاشرة على التوالي، في أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى، وفي (34 ) دولة فيها (260 ) مليون نسمة يوجد نقص شديد في الغذاء، والأطفال الناشئون هم أكثر الأعمار تأثرًا بهذا الوضع ) (25 ) .
بعد كل هذه المقدمات والمعلومات المحزنة، قد يتساءل الأخ القارئ عمّا هو تعريف (سوء التغذية ) : كلمة ( Malnutrition ) بالإنكليزية تعني سوء التغذية ويحصل ذلك عادة من عدم توازن في العناصر الأساسية المستهلكة في الغذاء على افتراض وجودها كلها في متناول الناس، إلاّ أن سوء التغذية الذي نتحدث عنه في البلاد الفقيرة ـ النامية كما يسمونها ـ ناتج عن نقص هذه العناصر.. كلها أو بعضها كمًّا ونوعًا في غذاء سكان البلاد البائسة. ونقص الغذاء ـ أي أن يكون دون مستوى الكفاية ـ يسمى بالإنكليزية (Underutrition ) ، وهذه هي الحالة السائدة والمسببة لسوء التغذية في العالم الثالث. وقد يحصل سوء تغذية في البلاد الغنية .. وبين الأغنياء إلا أن هذا ناتج عن أمر معاكس تمامًا: هو التخمة وزيادة الوزن والتشحم والترهل بسبب الاستغراق في شهوات البطن، والدعة والخمول وهذه الحالات نادرة الوقوع في المجتمعات المسحوقة المحرومة.