وأتعجب ـ والله ـ من وجود الجائعين في المجتمعات المسلمة بل وجود المجاعات في بعضها في الوقت نفسه الذي يوجد فيه كثيرون من أهل اليسر ويقرؤون ما جاء في القرآن الكريم .
(ماسلككم في سقر. قالوا لم نك من المُصلين. ولم نك نُطعمُ المسكين ) (المدثر: 42ـ44 ) .
(أرأيت الذي يُكذبُ بالدينِ. فذلك الذي يدُعُ اليتيمَ . ولا يحُضُّ على طعامِ المسكينِ ) (الماعون: 1ـ3 ) .
(ويسألونكَ ماذا يُنفقُونَ قُلِ العَفْو َ) (البقرة: 219 ) ـ أي الزائد عن حاجتهم وعيالهم ـ.
إلاّ أن كثير من (المسلمين ) اليوم في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر مع الأسف. ولا يكف أعداء الإسلام عن الادعاء الكاذب الجاهل الحاقد بأن سبب تخلف المسلمين هو.. الإسلام (كَبُرتْ كَلِمةً تخرجُ من أَفواههم إنْ يقُولُونَ إلاّ كَذِبا ً) ؛ ورحم الله المفكر الإسلامي مالك بن نبي فهو أحد الذين دحضوا هذه الفرية قائلًا:
(التخلف الذي يعاني منه الشرق لا يتحمل الإسلام وزره، فهذا التخلف يعد عقوبة مستحقة من الإسلام على المسلمين لتخليهم عنه لا لتمسكهم به كما يزعمون ) .
وصدق الله العظيم: (ومن أعرضَ عَنْ ذكْري فإنَّ له معيشة ضنكا ونحشرهُ يوم القيامة أعمى ) (طه: 124 ) (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا ً) (الجن:16 ) .
وإذا امتنع ذوو الفضل والسعة واليسر من المسلمين عن طاعة الله ورسوله في هذا المجال (مجال التكافل ) أخذ (ولي الأمر ) فضول أموالهم، كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه، إذا اقتضت الضرورة ذلك، بالإضافة إلى الزكاة، يقول الأستاذ محمد المبارك، رحمه الله، بعد ما عرض النصوص المتعلقة بالموضوع (ويستنتج من مجموع النصوص السابقة المبدأ التالي: ما زاد عن كفاية الإنسان وعياله وحاجاتهم من ماله، معرض ـ حين ضرورة المجتمع إليه ـ للأخذ منه بل أخذه جميعًا إذا اقتضت الضرورة، ولا يقتصر في ذلك على أداء الزكاة في مثل هذه الحالات، بل يتعداه إلى بقية المال بالنسبة للأغنياء الذين في أموالهم فضل وسعة ) (26 ) .
أسباب سوء التغذية (المباشرة وغير المباشرة) :
قلت: إن السبب الأول في العالم (النامي ) هو الفقر وهذا يعني:
1-فقدان المال لشراء الغذاء الكافي.
2-الفقر مسؤول إلى حد كبير عن الأمية والجهل وبالتالي عدم معرفة قيمة الغذاء وأنواعه وعناصره الأساسية وكمياته اللازمة وتوازنه المنشود .
3-حالة الفقر تُسهل حدوث الأمراض السارية الحادة والمزمنة، وهذه بدورها تؤثر على المستوى الغذائي وتضعفه.
4-ثم إن الفقير المريض الجائع لا يجد عملًا، وإذا وجده لا يعطي فيه المردود المطلوب ولا الإنتاج الكافي لتحسين دخله. وهكذا تستمر الحلقة المفرغة في دورانها .. إلى أن يموت هذا المسكين بحرمانه.
طرق تاثير الأمراض السارية على المستوى الغذائي للإنسان:
الطريقة الأولى:
-ضعف شهيّة
-تقيُّؤ
-خلل في الهضم
-خلل في التمثل والامتصاص
وهذه تؤدي إلى:
-نقص في الكمية المستهلكة من الغذاء.
-نقص في الاستفادة من الغذاء.
الطريقة الثانية:
-خسارة عناصر غذائية من الجسم لزيادة استهلاكها عند المرض ، وبواسطة الجراثيم والطفيليات المسببة .
وهذه تؤدي إلي:
-ضياع كمية من الغذاء أيضًا
الطريقة الثالثة:
-تخريب أنسجة وخلايا ناصر بناءه عضوية.
-بعض الأمراض تسبب النزف المستديم كالبلهارسيا، أو التخريب المستمر للكريات الحمراء مثل الملاريا.
وهذه تؤدي إلي:
-ضياع عناصر أساسية من أنسجة الجسم المريض.
كذلك يؤثر سوء التغذية بدوره في الأمراض وهذه الحلقة المفرغة هي التي تحصل:
1-سوء التغذية
2-المرض
3-فداحة في سوء التغذية
4-اشتداد في أعراض المرض
والجسم الذي ينقصه الغذاء، خاصة (البروتين ) لا يستطيع تشكيل مستوىً عالٍ من المناعة ضد الجراثيم والطفيليات ـ خاصة وحيدة الخلية ـ، والديدان المعوية، لهذا تكون أعراض هذه الأمراض أشد عادة في الجسم المصاب بسوء التغذية وتطول فترة المرض وتكثر الوفيات.
طفل مصاب بداء (سوء التغذية في آسيا )
الأمية تلازم الفقر والمرض
إن أعلى نسبة من الأمية في العالم هي في البلاد العربية .. يذكر تقرير البنك الدولي لعام 1982م أن نسبة التعليم في العالم الثالث كانت لا تتجاوز 33% في عام 1950 ولكن هذه النسبة قد ارتفعت في عام 1960م إلى 38%، وفي عام 1970م إلى 46% ووصلت عام 1979 إلى 56% .
ولكن.. على الرغم من تلك الصورة الحسنة، فإن عدد الأميين في ازدياد مع أن نسبة الأمية في انخفاض، والسبب راجع إلى ازدياد سكان العالم؛ إذ يوجد ثمانمائة مليون شخص أمي في العالم ويتوقع المختصون بهذا الميدان ارتفاع هذا العدد إلى (950 ) مليون أو ألف مليون شخص بحلول عام 2000م. يضاف إلى أن نسبة الأمية في عشرين بلدًا تبلغ أكثر من ثمانين بالمائة (80% ) . (27) وتبعًا لما تقوله رابطة القراءة الدولية فإن العالم العربي فيه أعلى نسبة من الأمية إذ أن النسبة تبلغ 62% من السكان. ونسبة الأمية في أفريقيا هي 60% إجماليًا، وفي أمريكا اللاتينية 20% وفي آسيا 37%. أما من حيث عدد الأميين فإن نصفهم في آسيا ويبلغون (599 ) مليون نسمة (28 ) .
وهذه عينة من نسب الإلمام بالقراءة والكتابة في البالغين في عديد من الدول المسلمة (إحصاءات عام 1975م ) (29 ) :
البلد النسبة المئوية البلد النسبة المئوية
باكستان 21 % اليمن (في الشمال ) 10%
بنغلادش 22 % اليمن (في الجنوب ) 10%
السعودية 15% المغرب 28%
تشاد 15% الصومال 50%
النيجر 8% سورية 53%
أفغانستان 12% العراق 26%
نيجيريا 25% (عام1960 ) إيران 50%
الجزائر 35% تركيا 60%
تونس 55% مصر 40%
موريتانيا 10% الأردن 62%
السنغال 10% لبنان 68%
مالي 10% السودان 15%
التركيب السكاني ـ الديموغرافي للمجتمعات الفقيرة
أغلبية سكان العالم الثالث (النامي ) من اليافعين إذ تشكل الأعمار الشابة نسبة عالية بعكس ما هو قائم في الدول المتقدمة. فالأطفال دون سن الخامسة هم خمس السكان (20% ) ومجموع الأطفال والأولاد دون سن الخامسة عشرة يبلغ حوالي (45 ـ 50% ) من المواطنين بينما النسبة في البلاد المتقدمة هي حوالي 20%.
ما علاقة هذا التركيب بالصحة والمرض ؟ إن لهذا الواقع الديموغرافي انعكاسًا سلبيًا على الوضع الصحي في الدول (النامية ) ؛ فالأعمار الصغيرة معرضة أكثر من البالغين والكبار لتأثيرات سوء التغذية والأمراض السارية المنتشرة في هذه الدول.
وهكذا نرى أن نصف أطفال الشرق الأوسط المسلم لا يتمتعون بمستوى غذائي كاف (30) ؛ وهذا يؤثر على النمو الجسمي والعقلي كما يقول البروفيسور (آبل سميث ) :