ولقد شاء الله تبارك وتعالى ان يسعد الإنسان في الحياة بدون ان يضطره إلى ذلك فيسلبه كرامته وحريته، إذ أنهما أعز على الإنسان حتى من السعادة ذاتها. وهكذا كان ينبغي عليه ان يوفر له كل وسائل السعادة حتى إذا شاء أخذ بها، فشرع له الشرائع وعبَّد له المناهج، ثم بعث رسولا يبين له وينذره ويبشره ويدعوه إلى تطبيق ذلك ويشرف على تنفيذه، وكان عليه لهذه الناحية ان لا يترك الخلق فوضى دون منفذ للشريعة بعد الرسول (ص) ، بل كان ينبغي ان يعين لهم أئمة يتمتعون بما يتمتع به الرسول من صلاحيات، ويقومون بما يقوم به الرسول من مهمات. كل ذلك إتماما للنعمة وتحقيقا للحكمة وتوفيرا لوسائل السعادة التي هي الهدف النهائي لحياة الإنسان. ولكن كما لم يشأ الله ان يُكرِه الناس على الهدى في عهد الرسول إبقاءا لهم على النعمة الكبرى الموهوبة لهم، وهي نعمة الحرية؛ فكذلك لم يشأ ان يجبرهم على اتباع الإمام جبرا. وهكذا أبقى على الإمام الأخير صاحب الزمان (عجل الله فرجه) إتماما لحجته على خلقه وتوفيرا لمنتهى ما يمكنهم ان يبلغوه من سعادة الدنيا والآخرة. غير ان الحكام شردوا الأئمة عليهم السلام وقتلوهم وأزالوهم عن مراتبهم ولم يستفيدوا من علومهم وكفاءاتهم، فكان مثل الأئمة بينهم كمثل سراج يطفئه طاغية فلا يستفيد منه الناس.
هذا موجز الحديث عن فلسفة الإمامة عند الشيعة وان من يستوعبها يتمكن من رد الشبهات التي تلوكها ألسنة البسطاء والتي تتلخص في الأمور التالية:
يقولون: ألم يكف الناس كتاب الله وفيه علم كل شيء؟
نقول: إذًا فماذا كان السبب في ان يبعث الله أنبياء ان كان يكفي الناس نزول الكتاب في قرطاس؟ ان الحاجة إلى وجود مبلغ للرسالة هي الحاجة إلى وجود منفذ للشريعة وهو الإمام.
يقولون: إذا فلماذا لم ينصر الله الأئمة بالغيب؟
نقول: لأنه شاء ان يجعل الدنيا دار بلاء يعمل الناس فيها بحريتهم تماما كما ان كثيرا من الأنبياء ـ عليهم السلام ـ لم يرد الله إجبار أممهم على اتباعهم!
يقولون: فما هي فائدة إمام غائب؟
نقول: مثله مثل طبيب لا يدعوه الناس إلى مرضاهم، الذنب ذنب الحكام الطغاة الذين تسببوا في غيبته. اما الله فقد اتم نعمته باصطفائه الإمام. وان هناك ظهورا ينتظره القدر حيث يعود الإمام (عج) إلى المسرح لكي يطبق أحكام الله جميعا وهي فائدة كبيرة.. ونظرا لأهمية الحديث يجب ان نفصل وجوه الحاجة إلى الإمام ضمن بضعة نقاط، وقبل التفصيل لابد ان نعلم ان الحاجات تنبعث من منطلق واحد هو ان الله خلق في الإنسان الكفاءة التامة لبلوغ أسمى درجات الفلاح في الدنيا والآخرة، وانجاز هذه الكفاءة يتوقف على وجود الحجة الذي يأخذ بيد من يشاء ويبلغه الفلاح المتوخى فلو لم يجعل الله حجة لخلقه إذًا لكانت هذه الكفاءة لغوا تعالى الله عنه.
1-الولاية لله:
ان الله هو الحاكم المطلق الذي لا يحق لأحد ان يشرع للخلق من دونه في قليل أو كثير. وبما انه أجل من أن يباشر الخلق بالهداية والتشريع فإنه يبعث أنبياء يهدونهم ويبلغونهم رسالاته. وبما ان من الواضح ان المسلمين لم يبلغوا بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم درجة من النضج الفكري والرشد الاجتماعي، وأخيرًا لم يتقمصوا الشريعة الإسلامية بصورة كاملة لا علما ولا عملا، لما دل على ذلك من اختلافهم الواسع في الأحكام والمعارف الإسلامية، لزم ان يكون لهم امام معصوم من بعد الرسول يقوم ببيان الأحكام وشرح المعارف حتى يكتمل نضج طائفة طليعية في الأمة تستمر بها الأمة مدى الدهر محتفظة بالروح الإسلامية الكاملة. هذا من جانب ومن جانب آخر لزم ان يكون لهم من يُجري عليهم الأحكام حتى لا تضيع الرسالة في زحمة الأهواء المادية. والحديث التالي يشير إلى هذه الحقيقة إذ يقول الإمام الرضا (ع) : (فإن قال قائل: فلم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم؟ قيل لعلل كثيرة منها: ان الخلق لما وقفوا على حد محدود وأمروا أن لا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم الا بان يجعل عليهم فيه أمينا، يأخذهم بالوقف عندما أبيح لهم، ويمنعهم من التعدي والدخول فيما خطر عليهم، لأنه لو لم يكن ذلك كذلك لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيما يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والأحكام) (1) .
القيادة ضرورة أبدا
هل الأمة بحاجة إلى قيادة ؟
لأن كانت هذه الحقيقة موضوع نقاش حينما قالت طائفة الخوارج بعدم حاجة المجتمع إلى قيادة، أو عندما قالت الفوضوية بذلك، فإنها غير واردة أبدا اليوم، إذ لم يعد هناك أي إنسان يشك في ضرورة القيادة للإنسان، والتاريخ لم يهدنا إلى مثال واحد استغنى فيه المجتمع عن القيادة.. ومن هنا وجب على الإسلام أيضا ان يعين القيادة الصالحة.
وبما ان الدين الإسلامي أتم الشرائع، كان لابد ان تكون قيادته بمستواه، وهل يتحقق ذلك في غير الإمام المعصوم وهو أعلم أهل عصره وأتقاهم؟
والخلاصة: ان المجتمع بحاجة إلى القيادة، وخير القادة المعصوم العالم المؤيد من قبل الله تعالى، فكان من حكمة الله ورحمته ان يعين للمسلمين هذه القيادة التي تتمثل في الإمام عليه السلام.
الحديث التالي عن الفضل بن شاذان يوضح هذه النقطة: (انا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا الا بقيم ورئيس لما لابد لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم ان يترك الخلق مما يعلم انه لابد لهم منه ولا قوام لهم الا به فيقاتلون به عدوهم ويقيمون به فيئهم ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم ويمنع ظالمهم من مظلومهم) (2) .
الإسلام رسالة خالدة
علم الله من خلقه انهم لو تركوا وشأنهم لبدلوا السنن وأظهروا البدع ولم يدعوا للأجيال القادمة فرصة السعادة بالدين المبين، فلزم ان يجعل لهم من يحفظ السنة ويمحق البدعة. وإذ كان الإسلام رسالة خالدة فكان لابد ان يوفر الله الوسائل الممكنة لبقائها عبر الأجيال نقية صافية.
قال الإمام الرضا عليه السلام: انه لو لم يجعل لهم (أي للخلق) إماما قيما حافظا مستودعا، لدُرست الملة وذهب الدين، وغُيرت السنة والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبَّهوا ذلك على المسلمين، لأنا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيما حافظا لما جاء به الرسول لفسدوا على نحو ما بينا، وغيرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان وكان في ذلك فساد الخلقُ أجمعين (3) .
لكي تتبين الشرائع
هناك طائفة كبيرة من الشرائع والأحكام تُبيَّن في الكتاب والسنة، أما الكتاب فبسبب احتوائه على المتشابهات وعدم وجود تفسير صحيح لها. وأما السنة فلعدم وجود كل ما يحتاج إليه الناس فيها، ولبعد الناس عنها، وقلة الثقاة، وكثرة المحرفين ذوي الميول والأهواء المختلفة، كل هذا مضافا إلى كثرة الاشتباه في الموضوعات الخارجية وتطبيق الأحكام العامة عليها. ولذا احتاج الناس إلى إمام عالم معصوم لبيان الأحكام وتوضيح المتشابهات، قال الإمام الصادق (ع) : (لم يترك الله الأرض بغير عالم يحتاج الناس إليه ولا يحتاج اليهم.. يعلم الحلال والحرام) (4) .
التذكرة بالآخرة
(1) - بحار الانوار ،ج23 ، ص32، ح52 .
(2) - بحار الانوار ،ج6 ، ص60 .
(3) - المصدر .
(4) - بحار الانوار ،ج23 ،ص40 ، ح74 .