فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 1942

الدنيا قريبة إلى حواس الناس بينما الآخرة بعيدة عنها، وأكثر الناس تغرهم الدنيا فينسون ذكر ربهم ويغفلون عن الآخرة.. اذًا فلابد لهم من داع يذكرهم بها، ذلك لأن الآخرة حق وفي نسيانها الشقاء العظيم!

جاء في الحديث عن الامام الرضا عليه السلام: (ان الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين. ان الامامة رأس الإسلام النامي، وفرعه السامي. بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف. والإمام يحلل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة. ثم يضيف الامام في مقطع آخر من نفس الرواية:( عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله) (1) .

مرجع الأمة

لابد للناس من مرجع ينتهي إليه كل خلاف.. ذلك ان الناس لا يزالون مختلفين في كل الأمور وهذا الخلاف يؤدي بهم إلى الشقاء الدائم. فلولا ان الله يصطفي من عباده من يحسم لهم الخلاف، فقد كان يقتضي سلب الناس سعادتهم بدوام الخلاف بينهم واقتضى ذلك ان يقض غرضه الذي خلق لأجله الناس وهو الفلاح، وتعالى الله الحكيم ان يفعل شيئا لغاية محددة ثم لا يوفر الوسائل التي تحققها؛ أعجزا ام جهلا ام ظلما؟ سبحانه و تعالى عن ذلك.

جاء في حوار بين أحد أصحاب الإمام الصادق (ع) وكان يدعى بهشام، ورجل شامي وذلك في حضور الإمام (ع) :

قال هشام: فبعد رسول الله من؟

قال الشامي: الكتاب والسنة.

قال هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة فيما اختلفنا فيه حتى رفع عنا الاختلاف و مكّننا من الاتفاق؟.

قال الشامي: نعم.

قال هشام: فلم اختلفنا نحن وأنت وصرت إلينا من الشام في مخالفتنا؟

فسكت الشامي.

فقال أبو عبد الله (ع) للشامي: مالك لا تتكلم؟

قال الشامي: ان قلت إنا ما اختلفنا كابرتُ، وان قلت ان الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت لأنهما يحتملان الوجه. وان قلت قد اختلفنا وكل واحد منا يدعي الحق فلم ينفعنا إذًا الكتاب والسنة.. ولكن لي عليه مثل ذلك.

فقال ابو عبد الله (ع) : سله تجده مليا (2) .

فقال الشامي لهشام: من أنظر للخلق، ربهم ام أنفسهم؟

فقال هشام: بل ربهم أنظر لهم.

فقال الشامي: فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم و يرفع اختلافهم ، و يبيِّن لهم حقهم من باطلهم؟

قال هشام:نعم.

قال الشامي: من هو؟

قال هشام: أما في ابتداء الشريعة فرسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، و أما بعد النبي فغيره.

قال الشامي: من هو غير النبي القائم مقامه في حجّته؟

قال هشام: في وقتنا هذا أم قبله؟

قال الشامي: بل في وقتنا هذا.

قال هشام: هذا الجالس (يعني أبا عبد الله عليه السلام) الذي نشد إليه الرحال ويخبرنا بأخبار السماء وراثة عن أب عن جد.

قال الشامي: فكيف لي ان أعلم ذلك؟

قال هشام: سله عما بدا لك.

قال الشامي: قطعت عذري (3) .

الإمامة ضرورة حضارية

ان أبسط تعريف للإنسان وأشمله هو: ان الإنسان خلق حضاريا. وهذا يعني امتلاكه لمؤهلات الحضارة.. وليست الحضارة سوى القدرة على التحكم في الذات.

ولا ريب في ان كل إنسان يجد أمامه آفاقا واسعة يستطيع الانطلاق فيها إلى أسمى مراتب الضبط الذاتي.. ولو فتشنا التاريخ لوجدنا ان قفزاته التقدمية كانت نتيجة البطولات السامية التي تتمتع بها فئة قليلة من بني آدم، ولم يكن الآخرون الا مجرد اتباع اقتفوا آثار البطولات تلك.. فلولا تلك البطولات إذًا لكان يلف التاريخ ظلام كثيف. وأحداث التاريخ تدل على ان أعظم أولئك الرجال هم المؤيدون بالغيب. فلم يشهد التاريخ من استطاع ان يزكي الناس ويربيهم بسيرته المشرقة سوى الأنبياء ومن إتبعهم.

وهكذا كان مقتضى النظام الكوني الذي يتمتع بالدقة المتناهية ألاّ يدع مدبرها الإنسان الذي جُعِلت فيه مؤهلات التقدم الحضاري يعيش الهمجية دون ان يبعث إليه المزيد من هؤلاء الرجال الافذاذ الذين يعلمون الناس بسيرتهم الشخصية كيف يمكن لهم ان يبلغوا المجد الرفيع، وهذا التعليم العملي يُدعى في منطق الشريعة بالحجة، إذ ان هؤلاء سيكونون دليلا واقعيا على إمكانية التقدم الحضاري.

والخلاصة: لابد للناس ممن يربيهم على الضبط الذاتي والأخلاق الحضارية، ولابد ان يتفوق هذا الرجل علما وعملا ويبلغ في ذلك المنتهى، ولا يكون ذلك الا لمن عصمه الله. فلزم ان يبعث الله من خلقه مِن يربيهم، فبعث الأنبياء في حينه وجعل من بعدهم حججا يمثلونهم وهم الأئمة المعصومون (ع) ويحتج الله يوم القيامة بهم على خلقه. فإن قال أحد منهم لم أتمكن، قال له: كيف استطاع هذا الرجل وهو بشر مثلكم ان يقوم بما هو أهم من هذا؟ إذًا فإن وجود نموذج بشري يمثل قمة الحياة الحضارية السامية ضرورة إنسانية لا يمكن ان يتخلف عنها نظام الخلق الدقيق الحكيم!

قال الإمام الصادق (ع) : يا هشام يحتج الله تعالى على خلقه بحجة لا يكون عنده كل ما يحتاجون اليه (4) ؟! (أي لا يمكن ذلك أبدا بل يجب ان يكون الحجة قمة الفضيلة والمعرفة.. ) .

الإمام من يعينه؟

هل يعين الله الإمام أم الناس أنفسهم؟

من الواضح ان الذي يُعين لتنفيذ النظام ينبغي ان يكون عالما به مطبقا له، وان الذي يُبعث لكي يربي الإنسان حضاريا وخلقيا، يجب ان يكون زكي النفس طاهر القلب وأسمى حضاريا من كل الناس.. وان الذي يُصطفى ليكون مرجعا لخلافات البشر في أمور الدين والدنيا، يجب ان يتفوق عليهم بالعلم والتقوى لكي لا يُختلف فيه بدلا عن أن يُختلف إليه. وان الذي يعلم الناس المعارف ويذكرهم بربهم والدار الآخرة وينشر العدالة بينهم، يجب ان يكون أعلم الناس وأتقاهم وأعبدهم وأكثرهم ذكرا لله. وان الذي يقود أمة الإسلام في جمعتهم وجماعتهم وسياستهم الخارجية والداخلية، يجب ان يكون أعدل الأمة وأعلمها.

وبصورة موجزة ان الذي يقوم بتغطية حاجات المجتمع المسلم، يجب ان يكون بحيث يستطيع ان يسوق الإنسان إلى السعادة التي خلق من أجلها البشر، ولا يمكن للبشر أنفسهم ان يصطفوا هكذا إنسان لعدة أسباب:

1-لأنهم لا يستطيعون معرفة هكذا إنسان، بل قد يخيل اليهم أن رجلا أعلم واتقى وهو بالتالي أحرى بالإمامة، ثم لا يكون فيه أدنى جدارة.

2-ولو عرفوه لما قاموا باصطفائه و اختياره، لأن الناس ينظرون إلى الزعماء من زواياهم الخاصة وحسب شهواتهم ومصالحهم فلذلك يختلفون في اخيتارهم له.

3-وأخيرا.. لأن الأهداف التي يجب ان يحققها الإمام تشترك مع الأهداف التي ينبغي ان يحققها الرسول (ص) . وكما ان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن ان يعين من قبل الناس أنفسهم لأنه وسيلة متصلة بين الله والانسان فإن الإمام لا يمكن ان يعين الا من قبل الله أيضا.

(1) - بحار الانوار ،ج25 ،ص123-126

(2) - أي واسع المعرفة.

(3) - بحار الانوار ،ج23،ص11-13 .

(4) - الامالي للطوسي ،ص46 ، المجلس الثاني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت