وبتعبير آخر: ان الإمام ينبغي ان يكون مؤيَّدًا بالغيب، عارفا بالله ودينه معارفه بعيدا، عن تأثرات المادة، وبعيدا عن ظروفها الضيقة. ولا يؤيد الله من يختاره الناس بل من يصطفيه هو سبحانه، وليس للناس الخيرة إذا قضى الله أمرا، ذلك لأنهم عباد مربوبون يجب ان يسلموا بالحاكمية المطلقة لله في كل الشؤون.. والواقع ان من عجيب الرأي ما يقوله بعض البسطاء من ان على الإنسان التسليم لله في كل مناحي الحياة سوى القيادة، في الوقت الذي تعتبر القيادة أعظم ما يجب اصلاحها. أليست السياسة ان صَلُحَت صَلُحَت الحياة وان فَسَدَت ساد الأرض الفساد والفوضى؟. فلماذا يجب ان نخضع لله في شرائعه كلها ما سوى القيادة؟ ام كيف نعتقد بأن على الله ان ينزل اليهم الدين وليس عليه ان يختار من ينفذه؟
قال الله سبحانه مخاطبًا النبي ابراهيم: [قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ] ( البقرة 124) . وقال تعالى: [يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ] (ص 26) . وقال: [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً] ( البقرة 30) . من هذه الآيات يظهر بوضوح ان الخلافة والإمامة - اللذين هما تعبيران عن واقع واحد- ليستا من حق أحد وإنما هما لله وحده لا شريك له.
وجاء عن الامام الرضا عليه السلام:
(ان الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيه حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شيء، بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملأ. فقال عزوجل: [مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ] (الانعام 38) . وأنزل في حجة الوداع وهي آخر حجة حجها رسول الله وكان في أواخر أيامه [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( المائدة 3) . فأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بَيَّن لأمته معالم دينه، وأوضح لهم سبله، وتركهم على قصد الحق، وأقام لهم عليا علما وإماما، و ما ترك شيئا تحتاج إليه الأمة الا بينه.
فمن زعم ان الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله عز وجل، ومن رد كتاب الله عز وجل فهو كافر. هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم؟ ان الإمامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلى مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من ان يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم فيقيموا إماما باختيارهم.
ان الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل (ع) بعد النبوة والخله مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه بها و أشاد بها ذكره فقال عز وجل: (اني جاعلك للناس إمامًا) فقال - الخليل سرورا بها- ومن ذريتي. قال - عز وجل: (لا ينال عهدي الظالمين) فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة.
ثم أكرمه الله عز وجل بأن جعل في ذريته أهل الصفوة والطهارة، فقال عز وجل: [وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ] (الانبياء 72-73) . فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله جل جلاله: [إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ] (آل عمران68) فكانت له خاصة فقلدها النبي صلى الله عليه وسلم عليا بأمر الله عز وجل على رسم ما فرض الله، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عز وجل: [وَقَالَ الَّذِينَ اُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ] (الروم 56) ، فهي في ولد علي خاصة إلى يوم القيامة، إذ لا نبي بعد محمد (ص) ، فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟
ان الإمامة منزلة الأنبياء وارث الأوصياء. ان الإمامة خلافة الله عز وجل وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين (ع) .
ان الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين.
الإمام المطهر من الذنوب المبرأ من العيوب مخصوص بالعلم موسوم بالحلم.
الإمام واحد في دهره لا يدانيه أحد، لا يعادله عدل، ولا يوجد له بديل، ولا له مثيل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من الله المتفضل الوهاب. فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره؟
هيهات! هيهات! ضلت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب! فأين الاختيار من هذا؟
أظنوا ان ذلك، يوجد في غير آل الرسول عليهم السلام؟ كذّبتهم - والله- أنفسهم، ومنّتهم الأباطيل فارتقوا مرتقا صعبا دحضا تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم. راموا إقامة الإمام بعقول بائرة ناقصة..
رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم. والقرآن يناديهم [وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] (القصص68) . وقال عز وجل [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ] (الاحزاب 36) . وقال عز وجل [مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ] (1) (القلم36-41) .
ان الأنبياء والأئمة يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق علم أهل زمانهم في قوله عز وجل: [وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا] ( البقرة 296) . وقوله عز وجل في طالوت: [إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللّه ُوَاسِعٌ عَلِيمٌ] (البقرة 247) . وقال عز وجل لنبيه [وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا] (النساء 112) . وقال عز وجل في الأئمة من أهل بيته وعترته وذريته: [أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُم مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا] (النساء 54-55) .
(1) - ان النص يستشهد ببعض الآيات التي تذكر الإنسان بحقيقة الألوهية الكاملة والسيادة المطلقة التي يختص بها الخالق الرزاق المدبر:
ويقول ما دام الله هو الذي خلق فهو الذي يختار وإذا اختار فليس لأحد ان يرد اختياره ان كان من المؤمنين. وما دام الله يقضي فإن قضاءه هو النافذ دون المؤمنين الذين ليس لهم من أمرهم الخيرة. وإذا كان الأمر كله لله ومن ضمنه قيادة الناس فإن أي اقتراح آخر سيكون انكارا لهذه الحقيقة وسببا من أسباب الشرك. وهكذا نفت الآية الأخيرة وجود شركاء لله وتساءلت ايهم يضمن وجود هؤلاء الشركاء؟