فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 1942

وان العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده شرح صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاما فلم يعي بعده بجواب ولا يحير فيه عن صواب وهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد أمن الخطايا والزلل والعثار، وخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فهل يقدرون على مثل هذا فيختارونه بهذه الصفة فيقدمونه؟؟، تعدوا -وبيت الله- الحق، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فإنهم لا يعلمون. وفي كتاب الله الهدى والشفاء فنبذوه واتبعوا أهواءهم فذمهم الله ولعنهم، فقال عز وجل [وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] (القصص 50) . وقال عز وجل [فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ] ( محمد 8) . وقال عز وجل [كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (1) ] (غافر 35) .

كيف نعرف الإمام؟

كيف نهتدي إلى الإمام ؟

بما ان الإمامة بمثابة النبوة، فإن هناك وسائل مشتركة بينهما في التعرف عليهما.. ومن الطبيعي إذًا ان يكون العقل هنا - كما في الرسالة - هو الرائد الوحيد الذي يهدينا إلى الحق.. ولقد سبق منا القول المفصل في آيات النبوة. ولذلك فلا ينبغي هنا الا الإشارة اليها ونوعية تطبيقها على واقع الإمامة بإيجاز كثير!

نعرف الإمام:

1-بالإمامة.

2-بالإمام نفسه.

3-بالمعجزة.

4-بالنص.

5-بشهادة الله.

1-الإمامة:

لقد سبق الحديث عن حاجة الإنسان إلى الإمام، وهي حاجة متشابهة تماما مع حاجتهم إلى الرسول. فلو رأينا من اكتملت فيه شروط الاستجابة لحاجة البشر من هذه الناحية فكان مذكرا بالله، وبما أودع في الإنسان من العقل والمعرفة الفطرية، مبينا لما يرضي الرب وما يسخطه، دالاًّ على مصالح البشر ومفاسدهم، ولديه علم يرفع به كل خلاف بين البشرية، ويذكرهم بربهم وبمصيرهم، ويعلمهم الفضائل ويربيهم عليها، ويهديهم سبيل الوصول ألى ربهم.. وكان يدعي ان ليس له من الأمر شيء بل كل ذلك من الله بسبب الرسول، فعند ذلك فقط نعرف انه صادق وبأنه الإمام الحق. وهذا الأمر لم يتحقق الا بالأئمة الاثني عشر عليهم السلام فقط. فمن أظهر غيرهم فلسفة الإسلام المستوحاة من الكتاب والسنة ودعمها بالحجج والبراهين الوجدانية؟ ومن سواهم أرشد الناس إلى واقع العقل وبَيَّن ما يحجبه وكشف عن النفس ما يرديها؟ ، من غيرهم كان دأبه التذكرة بالله وباليوم الآخرة؟ ثم كان يدعي إمامة الخلق جميعا ؟

إن الذي ادعى الخلافة، ابتداءً من أول شخص وانتهاءً إلى آخر خلفاء العثمانيين، لم يدع بأنه قائم بكل ما يرشد العقل إلى لزوم توفره في الامام.. والذي ادعى العلم في الأمة لم يدع الولاية على الرقاب والأموال.. فمن هو جامع العلم والولاية؟ من الذي يقول: سلوني قبل ان تفقدوني؟ ثم يقول: لم أزل مظلوما منذ قُبِض رسول الله - إشارة إلى زحزحة الخلافة عنه- من يقول ذلك غير أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام؟

ان منصب الإمامة بالمعنى الذي سبق لم يدعه أحد غير الأئمة الاثني عشر، ولم يسجل التاريخ رجلا كان لديه من مواهبها ما كانت فيهم. ان الإمامة هي الشهادة الحقة على صدق الأئمة عليهم السلام، ونظرة واحدة إلى أقوالهم وسيرتهم ونظرتهم إلى أنفسهم تدلنا على هذه الحقيقة.

2-الإمام:

والإمام نفسه دليل إمامته لما يتميز به من تفوق علمي وخلقي من دون ان يتعلم علومه من أحد، فهو لا يحتاج إلى اكتساب علم في حين يحتاج إليه الناس أجمعون. أرأيت ابن تسع سنين كالإمام الجواد (ع) يجيب على ثلاثين ألف مسألة علمية؟ أم هل سمعت مثل الإمام الصادق (ع) من يعلم تلاميذه كل العلوم ولم يدرس عند أحد شيئا؟. ان العلم لا يأتي الا بالاكتساب أو الوحي والإلهام فإذا علمنا من تاريخ الائمة انهم لم يكتسبوا العلم من أحد، أيقنا ان علمهم كان من الله، فهم الأئمة صدقا وعدلا.

أما الأخلاق: فإذا عرفنا من أحد الصدق والأمانة والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والكرم والطهارة. وبكلمة: رأيناه مثلا لكل الفضائل ثم رأيناه أعبد الناس وأتقاهم وأخشى الناس من الله.. كان هذا هو الإمام حقا، ذلك لأن حكمة الله تقتضي أمر الناس بطاعة هذا دون غيره.. أيأمر الحكيم العالم باتباع الجاهل، أو يأمر الله الورع باتباع الفاسق وهو يقول: [أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ] (السجدة 18) ويقول [هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ] ( الانعام 50) ويقول [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَيَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ اُولُواْ الاَلْبَابِ] (الزمر 9) .

وبما ان التاريخ لم يهدنا إلى أفضل من الأئمة عليهم السلام علما وتقى فإنهم لا غيرهم الصالحون لقيادة الخلق (2) .

3-المعجزة:

وأظهر معاجز الائمة عليهم السلام علومهم التي لم يسبقهم فيها أحد من البشر والتي ثبتت بالعلم الحديث صدقها. وقد كان الرأي السائد ذلك اليوم بخلافها، كأقوالهم في العوالم الأخرى وفي حجم الأرض وفي بعد الشمس وفي جسم الإنسان وكثير من أمثال ذلك.. فإذا أضفنا إلى ذلك بأنهم لم يكونوا قد تعلموا عند أحد عرفنا ان علومهم من الله بالمباشرة والإلهام أو بالوراثة. وهناك طائفة من المعاجز التي ثبتت بالنقل الصحيح والمتواتر أو اعترف بها أعداؤهم.

ومن الواضح؛ ان الحكيم لا يضل الناس بإعطاء الكذاب المعاجز الباهرة التي تغري الناس وتلحد بهم عن الصراط السوي، فعلم انهم أئمة حق لا ريب فيه (3) .

4-النص:

والنص ها هنا بمثابة البشارة للرسول، والنصوص الشرعية الشاهدة على إمامة المعصومين على ثلاثة أقسام:

أ- الآيات القرآنية.

وهي كثيرة نذكر منها نبذة يسيرة.

1- [قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ] (البقرة 124) .

بنص هذه الآية لا يكون الإمام والخليفة ظالما باجماع المسلمين ولم يدع أحد العصمة الا الأئمة الطاهرون.

2- [يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا] ( النساء 59) .

حيث ان الآية وردت في المعصومين فقط،. ذلك لأن غيرهم قد يأمر بخلاف الشرع ووجوب طاعته يعني التناقض في الدين.

3- [إِنَّآ انزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلآَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ] (سورة القدر) .

على من تنزل الروح - الذي هو جبرائيل أو ملك أعظم منه- في ليلة القدر؟ على ولاة الأمر من ملوك الأمويين أو العباسيين ام على العالم المعصوم من آل محمد (ص) ؟

(1) - للمزيد من التفاصيل راجع كتاب (الاحتجاج) للشيخ الطبرسي.

(2) - يراجع لمعرفة ذلك كتب التاريخ كلها، بالإضافة إلى أقوال الرسول (ص) الشاهدة على فضائلهم. والرسول كما نعرف لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى.

(3) - راجع مجلدات البحار حول الأئمة الاثني عشر (ع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت