فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 1942

لقد أحدثت الرأسمالية أزمة حادة في صفوف تلك الأكثرية المحرومة، فبدأت تشعر بالسم في العسل، والموت في الأحلام، فتسلحت بنظرية الصراع الطبقي والتفسير الديالكتيكي لأحداث التاريخ وصاغت نظرية (الشيوعية العلمية) التي انبثقت منها كمقدمة وتمهيد، الاشتراكية العلمية.

وانطلقت الشيوعية ووليدتها الاشتراكية من هذا المنطلق.

ما دامت الأقلية الثرية تشكل بؤرة الفساد، فلابد من القضاء عليها، بل لابد من القضاء على تلك الأجواء المساعدة لنموها.

وبحثت عن البديل فجاء الجواب في البداية بتشكيل حزب يمثل الطبقة المحرومة فيقودها إلى الحرب الباردة فالساخنة ضد الأقلية المستبدة وتبني دولة العمال.. وتستلم الدولة مقاليد الحكم من أولئك المستغلين ريثما تنضج العقلية الشيوعية في المجتمع. فلا حاجة آنئذ إلى الدولة أيضا فيمكن التخلص نهائيا من الدور السلبي للثروة.. وكانت خطوط الشيوعية تتلخص فيما يلي:

1-تحديد الملكية الفردية لحساب توسيع الملكية الجماعية وتأميم وسائل الانتاج والتوزيع كخطوة أولية لإلغاء الملكية الفردية نهائيا.

2-توزيع الدولة للسلع المنتجة حسب القانون الشيوعي العام (من كلٍ حسب قدرته ولكلٍ حسب حاجاته) .

3-تخطيط الدولة لمناهج الاقتصاد العامة.

وينطوي النظام الشيوعي وما يتبعه على خطأ جذري هو: النظرة السطحية إلى مشكلة الثروة.

فمشكلة الثروة ليست مشكلة أناس بأسمائهم وصفاتهم ، وليست مشكلة أشخاص بمؤسساتهم، انما هي أعمق من ذلك وأشمل. المشكلة هي ان البشرية حينما نظرت إلى نفسها نظرة مادية ضيقة تورطت في سلسلة لا تنتهي من المشاكل. فما دامت الحياة المادية هي كل شيء، فعلى كل فرد ان يحصل فيها على أكبر قدر ممكن من المتع الذاتية.

ولذلك فإن أي فرد يعطى له الحق في التصرف بدون رقابة خارجية فإنه سوف يقيم مصالحه على حساب المصالح الاجتماعية بصورة طبيعية.. ولا فرق بين ان يكون إسم هذا الشخص زيد وتكون صفته رئيس شركة كبيرة، أو يكون اسمه عمر وتكون صفته رئيس دولة كبيرة. وحتى لو افترضنا جدلا انه يبتغي الاصلاح وتقديم المصلحة العامة فإنه لا يستطيع ان يراعي الا مصلحة طائفة معينة هي طائفته التي كانت وراء سيادته، كالحزب في دولة العمال ومصالح الرأسماليين في الدولة الرأسمالية. فلو لاحظ رئيس الدولة ان الحزب أصبح بيوقراطيا وجائرا فليس من المعقول ان يتمكن من ضربه أو تحديده. إذ هو الذي يسيره ويدعمه، وضربه يعني الانتحار. وهكذا لا تتمكن الدولة الرأسمالية من تحديد الرأسمالي لانه هو الذي يدعمها وينصرها. فما دامت المشكلة قائمة وهي نابعة من نظرة الشخص المادية إلى الحياة، فإن الخطأ موجود. والفرق ان الأكثرية كانت خاضعة في الرأسمالية لحكم الأقلية المستغلة بأسماء مستعارة وبطرق ملتوية، وكانت تلك ترائي لها انها حامية مصالحها، وتمزج السم بالعسل.. ولكن الأكثرية في الشيوعية تخضع للأقلية الحاكمة تحت اسم معين وبطريق مباشر ولا تحتاج هذه الأقلية إلى تبرير حكمها بدليل ولا خسارة بضعة دنانير في العسل لتمزج به السم ذلك لأنها ستُجبر الأكثرية على اجتراع السم قهرا.

ان تجربة أكثر من نصف قرن من قيادة الحزب الشيوعي لطائفة من دول العالم أظهرت بوضوح عدم قدرة الشيوعية على كشف جذر الخطأ، وهو الذي يتلخص في المفهوم المادي للحياة.

ومن هنا فإن النظام الإسلامي استطاع ان يقضي على الاستغلال، ليس بتبديل شخص المستغل من زيد إلى عمر، ولا تبديل صفته من رئيس شركة إلى رئيس دولة أو رئيس حزب، بل بتبديل النظرة المادية إلى نظرة معنوية. وحين بنت الفلسفة الإسلامية بناءها على أساس معنوي - مناقبي واستطاعت بناء طليعة مناقبية تفضل مصالح المجتمع على مصالحها الذاتية، أوحت إلى الناس ان اتبعوا هؤلاء، وأعطت بيدهم القدرة على تحديد نشاط الأثرياء ومنعهم عن الاستغلال وعن الفساد ثم أعطت للناس كلهم الحرية الكاملة.. هذه هي خطوط النظام الإسلامي والتي تتلخص في نقاط:

1-الإسلام يغير الإنسان المادي إلى الإنسان المعنوي بفلسفته العامة والصائبة عن الكون.

2-الإسلام يبدل مقياس الانتخاب والقيادة من مقياس راعي المصالح الطبيعية إلى راعي الحق والعدالة الاجتماعية بالنسبة إلى كل إنسان يعيش على الكوكب.

3-حينما يقوم أساس الدين على النظرة المعنوية و الروحية فإن فريقا من الناس ينمون في هذا الحقل فيكونون هم طليعة الأمة وقادتها.

4-يحدد الإسلام المصالح الشخصية بالحق والعدل ثم يطلق الحريات.

هذه هي الخطوط العامة للنظم الاجتماعية الثلاثة، وهي تعتمد على الآراء الفلسفية المتفاوتة في حقل الإنسان والمجتمع وهذا ما نود بيانه فيما يلي بإذن الله.

آراء وملاحظات

الحديث عن واقع الإنسان والمجتمع يتناول أعمال الإنسان الاختيارية.. كيف يجب ان تكون لكي تضمن له السعادة والرفاه؟ كما يتناول البحث في جوانب مختلفة من حياة البشر، هي:

1 -الاجتماع؛ ويبحث عما يرتبط بالمعاشرة مع الآخرين والذي ينبثق منه (علم الاجتماع) .

2-الأخلاق؛ ويبحث عما هو أفضل أنواع السلوك.

3-الاقتصاد؛ ويبحث عن وسائل العيش وكيف يوفر الإنسان لنفسه حاجياته بصورة أفضل وجهد أقل.

4-السياسة؛ وتبحث عن الحقوق والواجبات وانه كيف يحفظ الناس أنفسهم من تعدي بعضهم على بعض، وهي تكون بين أفراد أمة واحدة وتسمى بـ (بالحقوق المدنية) ، وقد تكون بين أمم مختلفة وتسمى بـ (الحقوق الدولية) .

ونحن نتعرض هنا للآراء والنظريات التي قدمها فلاسفة قدماء ومحدثون، ونكشف عن نقاط الضعف فيها، تمهيدا للبحث عن موجز فلسفة الإسلام حول الإنسان والمجتمع.

أرسطو (1)

(322-384 ق.م.)

1-الاجتماع:

الإنسان مدني بطبيعته، ولابد لأفراد البشر من العيش معا حتى يتعاون بعضهم مع بعض، ويتقاسموا الأعمال بينهم فينالوا السعادة التي هي الغاية المتوخاة من الحياة. وتندلع الثورات الاجتماعية (عند أرسطو) عندما ينعدم التساوي بين الناس في الحقوق، ولا تراعى الكفاءة في توزيع الأعمال والثروات والوظائف مما يحمل على إشاعة السخط بين المقهورين فيثورون على الأوضاع. ولذلك فلابد من تشريع قوانين ونظم تحفظ للناس حقوقهم حسب كفاءاتهم وأعمالهم.

2-الاقتصاد:

يعتقد أرسطو انه لابد من تقرير الملكية الفردية، ذلك لأنها ان ألغيت وبدلت بالاشتراكية، سوف يحسب كل فرد انه يعمل أكثر من غيره ويحصل على ثروة أقل فيسخط على الوضع ويثور!

3-الاخلاق:

ولابد لتقرير الصلاح النهائي للمجتمع من تحسين التربية العامة، ولابد من الأسرة لتنشئة الفرد الطيب الذي يتعلم من أبويه (المجربين الرشيدين) تعاليم الحياة.

ويعتقد ان للنفس الإنسانية جانبين: عقلي ونباتي. ولابد للوصول إلى السعادة من توجيه النباتي بالعقلي، واكتساب الفضائل بذلك.

والفضيلة هي مراعاة التعادل في الأمور، فمثلا: الشجاعة هي الوسط بين التهور والجبن، والتواضع هو الوسط بين التكبر والتملق، وهكذا.

4-السياسة:

تتنوع الحكومات - عند أرسطو - بثلاثة أنواع:

(1) - ان كان للفيلسوف رأي في أحد أقسام الفلسفة العملية الأربع أثبتناه.. والا تركنا التعرض لذلك القسم رأسا. وغير خاف على القارئ ان تقسيم آراء الفلاسفة إلى آراء اجتماعية واقتصادية وأخلاقية وسياسية، لم يكن بالعملية السهلة نظرا لعدم وجود هذا التقسيم في أقوالهم. بيد ان هذا التقسيم يسهل على القارئ، ولاشك، فهم النظرية ومقارنتها مع الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت