والخلاصة، أن هذه الآيات، وما سبق في تفسيرها، تدل على شمول معنى الشريعة، لكل ما جاء به الدين، من مباحث الإيمان، وفقه أركان الإيمان، والإسلام، والأسرة، ووجوب الحكم بما شرع الله، حتى يهتدي الناس بذلك في شؤون حياتهم كلها، في الاعتقاد، والشعائر التعبدية، والشرائع، التي تنظم حياة المجتمع، في قوانين الأخلاق، والآداب، والمعاملات المدنية، والجنائية، التي تشمل الأحكام الحدية والتعزيرية. ثم أن الله قد أغنى المسلمين، بما شرعة في دين الإسلام، عن متابعة ما لدى الملل الأخرى، أو النظم الغربية، أو الشرقية.
وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، يعني الحكم بما أنزل الله، وهو واجب دينًا، قال تعالى: (وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) (المائدة:49) .. (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقومٍ يوقنون ) (المائدة:50) .. (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) (نساء:58) .. (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ...) (النحل:90) .. (فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما ً) (النساء:65) .
وأخيرًا، فإنه لا سبيل لتحقيق العدل، والإحسان، وأداء الأمانات، إلا بتحكيم الشريعة، والتسليم الكامل لذلك. ثم إنه لا خيار لمسلم، يؤمن بالله، واليوم الآخر، إلا في هذا الاحتكام لشرع الله، وطاعه الله، ورسوله: (وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) (الأحزاب:36) .
الحد.. في اللغة.. والاصطلاح
أولًا:معنى كلمة (حد) في اللغة:
الحد مفرد، وجمعه حدود، وترد كلمة الحد، في اللغة العربية، على عدة معان:
1-بمعنى الفصل بين الشيئين:لئلا يختلط أحدهما بالآخر، أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر.. ومنتهى كل شيء حده، ومنه حدود الأرضين، وحدود الحرم.
2-بمعنى التمييز:وحَّددَه:ميزه، وحد كلٍّ، منتهاه، لأنه يرده، ويمنعه عن التمادي.
3-بمعنى المنع:وحد الرجل عن الأمر، يحده حدًا:منعه، وحبسه، تقول:حددت فلانًا عن الشر، أي منعته.
4-بمعنى المخالفة، والمعادة، والمحادة:المعادة، والمخالفة، والمنازعة، وهو مفاعلة من الحد، كأن كل واحد منهما يجاوز حده إلى الآخر.
5-بمعنى الحلال، والحرام:
وحدود الله تعالى، التي بين تحريمها، وتحليلها، وأمر ألا يُتعدى شيء منها، فيتجاوز إلى غير ما أُمر فيها، أو نهي عنه منها، ومنع من مخالفتها، قال الأزهري:فحدود الله عزوجل ضربان:
ضرب منها:حدود حدها الناس، في مطاعمهم، ومشاربهم، ومناكحهم، وغيرها، مما أحل وحرم، وأمر بالانتهاء عما نهى عنه منها، ونهى عن تعديها.
والضرب الثاني:عقوبات، بأن جعلت لمن ارتكب ما نهي الله عنه، كحقد السرقة، وكحد القاذف، لأنها تحد، أي تمنع من إتيان ما جعلت عقوبات فيها.
وسميت الأولى حدودًا، لأنها نهايات، نهي الله عن تعديها.
قال ابن الأثير:فكأن حدود الشرع، فصلت بين الحلال، والحرام، فمنها ما لا يقرب، كالفواحش المحرمة، ومنه قوله تعالى: (تلك حدود الله فلا تقربوها ) (البقرة:187) ، ومنها ما لا يتعدى، كالمواريث المعينة، وتزوج الأربع، ومنه قوله تعالى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها ) (البقرة:229) .
ومنها الحديث- في قول ماعز)- إني أصبت حدًا فأقمه علي، أي أصبت ذنبًا، أوجب علي حدًا، أي عقوبة (14) .
وفي حديث أبي العالية، أن اللمم- الوارد في الآية: (إلا اللمم ) (النجم:32) - ما بين الحدين، حد الدنيا، وحد الآخرة، يريد بحد الدنيا:ما تجب فيه الحدود المكتوبة، كالسرقة، والزنا، والقذف. ويريد بحد الآخرة:ما توعد الله تعالى عليه العذاب، كالقتل، وعقوق الوالدين، وأكل الربا.. فأراد أن اللمم من الذنوب، ما كان بين هذين، فيما لم يوجب عليه حدًا في الدنيا، ولا تعذيبًا في الآخرة.
ثانيًا:معنى الحد في الاصطلاح:
الحد، عقوبة مقدرة لأجل حق الله، فيخرج التعزير، لعدم تقديره، أو القصاص، لأنه حق آدمي (15) .
وسميت عقوبات المعاصي، حدودًا، لأنها تمنع العاصي، من العود إلى تلك المعصية، التي حد لأجلها، في الغالب (16) .
قال ابن حجر العسقلاني:وقد حصر بعض العلماء، ما قيل بوجوب الحد به، في سبعة عشر شيئًا، فمن المتفق عليه:الردة، والحرابة- ولم يتب قبل القدرة عليه-، والزنا، والقذف، وشرب الخمر- سواء أسكر أم لا -والسرقة (17) .
وقد ذهب ابن رشد، إلى إطلاق كلمة الحد، على كل العقوبات المقدرة، في الكتاب والسنة، حيث يقول: (الجنايات، التي لها حدود مشروعة، جنايات على الأبدان، والنفوس، والأعضاء، وهي المسماة، قتلًا، وجرمًا.. وجنايات على الزوج، وهي المسماة، زنا، وسفاحًا، وجنايات على الأموال...) (18) .
هذا، ويتبين مما سبق، أن الحدود كانت تطلق بتوسع، حتى بلغ بعض الفقهاء، بمعناها الاصطلاحي، ما أشار إليه ابن حجر العسقلاني، في قوله المتقدم.. أما جمهور الفقهاء، فقد اتفقوا على الحدود الخمسة التالية:السرقة، والحرابة، والزنا، والقذف، والخمر، واختلفوا فيما سواها.
العقوبات الحدية:
وهي سبع عقوبات:
1-الجلد، ودليله:
(أ) قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة ٍ) (النور:2) .
(ب) وقوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شاهدةً أبدًا وأولئك هم الفاسقون ) (النور:4) .
(ج) لما صح في السنة، من جلد شارب الخمر، وهكذا فعل الخلفاء الراشدون.
2-القطع:
ودليله، قول الله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم ) (المائدة:38) .
3-القتل.
4-الصلب.
5-القطع من خلاف.
6-النفي.
ويدل على ذلك قوله تعالى: (إنما جزآؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يُقتّلُوا أو يُصلّبُوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى في الدنيا ولهم في الأخرة عذاب عظيم 33 إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله عفور رحيم ) (المائدة:33-34) .
7-الرجم، وقد ثبت بالسنة النبوية الصحيحة.
أثر إقامة الحدود في إصلاح المجتمع
(أ) عقديًا:سلامة الاعتقاد، واتساق المسلم مع نفسه، بتحكيم الشريعة، وحفظ الدين، وصيانته في وجه المرتدين، الخارجين عليه، المحادين لله، ورسوله.
(ب) أخلاقيًا:الاستقامة، والعفاف، والطهر، وحسن المظهر العام، وتعليم الأمة أفردًا، وجماعات، وتربيتها على حب الفضيلة، وكراهية الرذيلة، وبغض أهلها، وشهود ما يجري عليهم، من إقامة الحد: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) (النور:2) ، مقارنة بما في العالم الغربي، من جرائم متكاثرة، ربما رأوها معيار حضارة، وتقدم، قياسًا على مقدار ما يستهلكونه، من طاقة كهربائية.
يضاف إلى ذلك:استقرار الأسر، وحمايتها من التشرد، وحفظ الأعراض، وصيانة الأنساب، وطهارة المجتمع، وسد أبواب الفساد، والفحش، والبذاءة، والتبذير، وإفساد العقول، ورعاية مصلحة المجتمع في ذلك كله، وإن وقع الضرر في ذلك على أفراد معينين.
(ج) اقتصاديًا:حفظ المال، وتنميته، وحماية الملكية، وإعلاء العمل، وحسن استثمار الوقت.
(د) أمنيًا:الأمن على النفس، والعرض، وفي الممتلكات، لأن السرقة عدوان على الملكية، والحرز، وما يتحقق من أمن اجتماعي، بإقامة الشريعة.