فهرس الكتاب

الصفحة 1822 من 1942

والقرآن يوجه أنظار الناس إلى ما خلق الله لهم من نعم وخيرات على سبيل المنة، أي على الناس أن يشكروا الله على نعمه التي أنعم بها عليهم .. وشكر الناس يكون بطاعته فيما أمر، والانتهاء عما نهى عنه، وهي جميعا وراء كل خير للمجتمع البشري، وتحقيق كل تقدم وتطور حضاري في الحياة الإنسانية، لذلك فإن القرآن يهاجم كل فعل أو قول من شأنه أن يؤدي إلى الفساد في الأرض، لأن هذا الفساد يعني هدم جميع المنجزات الحضارية التي شيدتها جماعة أو مجتمع ما أو البشرية جميعا (22) ، فترى القرآن يعيب أولئك الذين إن تولوا في الأرض سعوا إلى تدمير كل ما ينفع الإنسان أو المجتمع:"وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد" (البقرة: 205) .

لذا فإن القرآن يسعى إلى حماية المنجزات الحضارية التي بناها الإنسان، ومنع العبث بها وتخريبها، بل إنه رفض أية محاولة من شأنها إعاقة المسيرة الحضارية للبشرية بجانبيها المادي والأخلاقي أو الروحي، لأن سلامة الجانب الأخلاقي وتنامي الجوانب الروحية في أية حضارة، هو الذي يضمن استمرار الحضارة وتقدمها في جوانبها المادية فعندما تضيع الأمانة والصدق في حضارة ما، وينعدم الإخلاص في العمل، وينتشر الغش، ويتسلط الولاة وأولي الأمر على الرعية، فإن ذلك يعد إيذانا بانهيار تلك الحضارة، لأن الفساد الخلقي والروحي من شأنهما حرمان الحضارة من نصف عناصر قوتها التي تضمن لها الحيوية والانتشار.

إن المجتمع البشري مأمور بعمران الأرض، وإقامة قواعد العدل والحق عليها، وليس له أن يتهاون في أداء هذا الجانب (23) . وفي كل ذلك فإن البشرية محروسة بالعناية الإلهية، ومحمية بها، طالما ظلت أمينة على رسالتها في تحقيق العدل والسلام فيما بين أفرادها:"قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون" (الأنبياء: 42) ،"كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى" (طه: 81) ،"الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعاكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى" (طه: 53-54) .

إن أصحاب العقول النيرة الواعية، هم أكثر الناس إدراكا لعظمة الله ، كما أنهم الأكثر قربا منه، والأكثر حرصا على استمرار وتنامي المسيرة الحضارية لقد لفت الله تعالى أنظار البشر لأعمال وآثار السالفين منهم، في دعوة منه للتأمل فيما ترك هؤلاء من مساكن وعمران، بمعنى تأمل فعل أولئك الأقوام على الأرض، أي تاريخهم، بقصد الاعتبار وتحقيق الكمال في بناء حياتهم الروحية والأخلاقية والاجتماعية والحضارية (24) ، لذلك أصبح التاريخ في القرآن الكريم مصدرا للعظة والعبرة التي يجب أن يتلمسها الإنسان في أخبار الأمم الماضية في تدبر وإمعان (25) . يقول الله تعالى:"فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" ( الحج45 -46) .

ودعوة القرآن الكريم إلى التأمل والتفكر في آثار الأمم والحضارات، هي دعوة للمؤمنين بتجنب المصير ذاته، فإنه يضع سننا وقواعد في الحياة، بمراعاتها تستمر الحضارات وتزدهر المجتمعات، ويعيش الناس في أمن ودعة وسلام.

أما الانحراف والعزوف عنها وإهمالها أو تجاهلها، فسيؤدي إلى كارثة تحل بتلك الحضارات لا محالة.

ثالثا: أخبار الأمم الماضية في القرآن الكريم، وأثرها في الوعي التاريخي عند العرب المسلمين:

قص القرآن الكريم أخبار بعض الأمم التي سبقت الإسلام، فذكر قوم نوح وعاد وثمود ومدين، وقوم إبراهيم وموسى وعيسى ويونس، عليهم السلام، إضافة إلى إشارات مقتضبة عن (سبأ) وذي القرنين.

قال تعالى:"إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم" (نوح: 1) وقال عز وجل مخبرا عن إبراهيم عليه السلام وقومه:"واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين" (الشعراء:70 -71 ) .

وعن موسى عليه السلام يقول تعالى:"ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملأه بأياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين" (يونس: 75) . ثم قص خبر قوم هود عليه السلام (وهم عاد) فقال تعالى:"وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون" (هود50) . وكذلك في خبر ثمود وهم قوم صالح، يقول سبحانه وتعالى:"وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب" (هود: 61) .

لقد لفت الله عز وجل أنظار البشر لأعمال وآثار الماضين منهم، بهدف التأمل والاتعاظ بما حل بتلك الأقوام من كوارث أصابتهم، وما نزل عليهم من العذاب، بسبب جحودهم وإعراضهم عن الإيمان بدعوات رسلهم الذين بعثوا فيهم، يدعونهم إلى توحيد الله ، ويمنعونهم من التظالم والتنازع، ويحثونهم على الصدق والأمانة والإخلاص في العمل، والإحسان إلى المستضعفين والفقراء.

إن هذا الحشد من القصص عن الأنبياء وأممهم في القرآن الكريم، جاء بهدف العظة والعبرة، التي يجب أن يتلمسها الإنسان في أخبار الأمم الماضية، وأن يتدبر ويتمعن في نتائجها (26) ، ولم تكن الغاية منها (المعرفة التاريخية بذاتها) .. ولكنها من ناحية أخرى، حفزت الوعي التاريخي عند المسلمين، فلابد وأن أثارت هذه القصص في أذهان الصحابة أسئلة متعددة: من هم أصحاب النبي نوح أو إبراهيم أو موسى .. ؟ أين عاشوا؟ ومتى وجدوا؟ ومتى جاءهم الدمار؟.

إن هذه الأسئلة، نجد نماذج منها وجهت إلى بعض الصحابة، فقد استفسر أحد الصحابة عن موسى والرجل الصالح الذي قص القرآن قصته أهو النبي موسى أم موسى آخر غير النبي صاحب فرعون؟ فجاء الجواب من عبد الله بن عباس حيث روى عن أبي بن كعب حديثا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، جاء فيه أن المقصود بصاحب الرجل الصالح هو النبي موسى عليه السلام (27) .

وعن أبي بكر بن عبد الله ، عن شهر بن حوشب، عن عمرو ابن خارجة، قال: قلنا له: حدثنا حديث ثم ود قال أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمود:"كانت ثمود قوم صالح، عمرهم الله عز وجل في الدنيا .. فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا فارهين، فنحتوها وجابوها وجوفوها" (28) .

وهذا يعني أن ورود أسماء مثل هذه الأمم في القرآن الكريم، كان مما يشغل الصحابة رضوان الله عليهم، ويدفعهم للسؤال عما ورد في القرآن بصددهم .. يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم ويسأل بعضهم بعضا، ويسألون أهل الكتاب لعل في كتبهم الأولى خبر تلك الأقوام.

وفي غزوة تبوك (8 هـ) ، نزل الرسول صلى الله عليه وسلم الحجر فقال:"أيها الناس لا تسألوا نبيكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم آية، فبعث الله تعالى ذكره لهم الناقة آية .." (29) .

وخبر بلقيس وقصتها تأتي عن وهب بن منبه، قال:"لما رجعت الرسل إلى بلقيس بما قال سليمان، قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة …" (30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت