وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى"، قال: قلت يا رسول الله ! ما كان في صحف موسى؟ قال:"كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالنار ثم يضحك، عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح، عجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل" (31) .
إن الآيات الكريمة التي أوردناها، والتي كانت مثار تساؤل المسلمين، وبعض النماذج التي أتينا بها أجوبة عن أسئلة، أو توضيحا لبعض الإشارات القرآنية، إنما تظهر أثر القرآن الكريم في تحفيز الوعي التاريخي وتنشيطه، وهو مما لا غنى عنه في أي عمل يتجه صوب التأليف التاريخي، وعليه فهذا يأتي في صميم النظرة التاريخية.
رابعا: وحدة الرسالات السماوية كما جاءت في القرآن الكريم، وأثرها في الوعي التاريخي:
الإسلام هو خاتم الأديان السماوية، ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى:"ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما" (الأحزاب:40) ، فلا نبي من بعد محمد صلى الله عليه وسلم.
ولكن ما هو موقف الإسلام من الأديان السماوية التي ظهرت قلبه؟ وما هي صلة الإسلام بها؟ هل يرتبط الإسلام بهذه الأديان من قريب أو بعيد؟ والجواب على هذه الأسئلة جميعا نجده في القرآن الكريم، وهو كلام الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، يقول الله تبارك وتعالى في كتابه المجيد:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" (البقرة: 285) .
فالرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون كلهم، قد آمن بالله والملائكة والرسل والأنبياء السابقين، لا فرق بين أحد من رسل الله وأنبيائه، ومن هنا فإن كل دعوات الأنبياء السابقين، في أصل تنزيلها صحيحة، وتحمل نفس القداسة بالنسبة للمسلم، لأنها جميعا جاءت من عند لله تبارك وتعالى.
بل إن القرآن الكريم أشار إلى العمق التاريخي لرسالة الإسلام، التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه، وأنها امتداد لرسالات إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وبقية الأنبياء، قال تعالى:"ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس" (الحج: 78) . وقال تعالى:"قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" (آل عمران: 48) .
وهكذا يكون الإيمان والتصديق برسالات الأنبياء والرسل السابقين، من قواعد الإيمان في الإسلام، والتي لا يمكن اكتمال إيمان المسلم إذا جحدها أو تنكر لها.
ويبدو أن كلمة الإسلام ومسلم، وإن صارتا اليوم علما على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، إلا أنهما تعنيان الخضوع والاستسلام لله تبارك وتعالى، لأن أسلم تعني: أسلم أمره إلى الله ، و"أسلم"من الإسلام (32) . وبهذا المعنى وردتا في القرآن الكريم على لسان إبراهيم عليه السلام، قال تعالى:"ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وهو في الآخرة من الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون" (البقرة:130 -132) .
وعندما سأل يعقوب عليه السلام وهو على فراش الموت أبناءه ماذا سيعبدون من بعده أجابوا، كما جاء بقوله تعالى:"نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون" (البقرة: 133) .
والمعاني التي يمكن استخلاصها من تلك الآيات الكريمة، أن جميع الرسالات السماوية هي واحدة ومتوحدة فيما دعت إليه من توحيد الله تعالى وتنزيهه.
فالعقيدة واحدة عند جميع الأنبياء والمرسلين، وهي الإيمان بالله تعالى إلها واحدا لا شريك له، أما التباين بين أولئك الأنبياء عليهم السلام فيكمن في الشرائع التي جاءوا بها من عند الله ، تبعا للظروف الزمانية والأحوال الاجتماعية والاقتصادية للجماعات أو الأمم التي بعثوا لهدايتها، ولذا فإن باحثا معاصرا يرى:"أنه لا توجد أديان سماوية متعددة، وإنما توجد شرائع سماوية متعددة نسخ اللاحق منها السابق، إلى أن استقرت الشريعة السماوية الأخيرة، التي قضت حكمة الله أن يكون مبلغها هو خاتم الأنبياء والرسل أجمعين" (33) .
لقد كانت دعوة الإسلام خاتمة ومتممة لكافة الشرائع السماوية السابقة، وقد عبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الصلة بين دعوته وبين دعوات إخوانه الأنبياء والرسل السابقين في الحديث التالي: قال عليه الصلاة والسلام:"إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (34) .
ونعود الآن لنرى أثر فكرة (وحدة الرسالات) ، التي جاء بها القرآن الكريم على الوعي التاريخي عند العرب المسلمين.
لقد كان لفكرة (وحدة الرسالات) أثر واضح وبين في الوعي التاريخي عند العرب المسلمين، فلقد جاء القرآن الكريم بنظرة عالمية إلى التاريخ، وقد تمثلت هذه النظرة في توالي النبوات، التي هي في أساسها تعد رسالة واحدة بشر بها أنبياء عديدون، كان الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم هؤلاء الأنبياء والمرسلين .. ومن هنا، أي من العقيدة الإسلامية، بدأ الاهتمام والعناية بالتاريخ، وأعني (تاريخ الأنبياء والمرسلين) .
وكان المسلمون في عصر الرسالة، على وعي تام بوحدة الرسالات السماوية، فعن مجاهد قال: سألت ابن عباس من أين سجدت؟ فقال أوما تقرأ: (ومن ذريته داود وسليمان أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) ، فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم (35) .
كما أن صوم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم عاشوراء، بعد قدومه إلى المدينة، وكان اليهود يصومون عاشوراء لأنه يوم نجى الله فيه موسى عليه السلام وأغرق فرعون، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بصيامه، وقال:"أنا أولى بموسى منهم، فصامه وأمر بصيامه" (36) .. كل ذلك فيه ما فيه من الدلائل على وعي المسلمين بفكرة وحدة الرسالات، أو بفكرة النظرة العالمية إلى التاريخ التي جاءهم بها القرآن.
كما أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الفكرة -أي وحدة الرسالات- امتداداتها التي تنتهي بالمسلمين، الذين يتبعون سنن من سبقوهم من أهل الأديان السابقة، فعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، فقلنا: يا رسول الله ! اليهود والنصارى؟ فقال: فمن؟" (37) .
إن هذه الفكرة قد دفعت المسلمين إلى سؤال أهل الكتاب عن بعض ما جاء في القرآن الكريم عن أديانهم وأنبيائهم، طالما اعترف القرآن بهذه الأديان وبأنبيائها عليهم السلام (38) .
وقد تبلور هذا الوعي في مرحلة التدوين بدخول ما عرف بالإسرائيليات في التاريخ العربي الإسلامي.
فقد التفت المؤرخون المسلمون أو بعضهم إلى هذا التراث، وخاصة ما يتعلق بالخليقة، السموات والأرض، وآدم، ونوح وأبنائه، والطوفان وغير ذلك، فنقلوا عن الإسرائيليات (39) .