فهرس الكتاب
تقدم أن ابن خلدون اعتكف في قلعة (سلامة ) فكتب مؤلفه في التاريخ ومقدمته المشهورة، لذا من الطبيعي أن يتحدث عن الشروط الواجب توفرها في كتابة التاريخ، وهي تصور منهج الرجل وفهمه.
يقول في التاريخ (1) :(هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيه الأقوال، وتضرب فيه الأمثال، وتطرف به الأندية، إذا غصها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة، كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال... إن في باطن التاريخ نظرًا وتحقيقًا، وتعليلًا للكائنات ومباديها دقيقًا، وعلمًا بكيفيات الوقائع وأسبابها عميقًا...
إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، والانتقال من حال إلى حال، وكما يكون في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار، سنة الله التي قد خلت في عباده ).
ولولا هذا السجع والذي لم نألفه في كتابات ابن خلدون، لكان الفكر التاريخي غاية في الروعة، ففي التاريخ عبر، نعم، ولم يفرد الله تعالى ثلث كتابه للحديث عن الأمم الماضية، وبيننا وبينها ألوف السنين، إلا للعبرة في ذلك، وإلا لم يحفل القرآن بكل ذلك.
ولعل من الإدراكات الجيدة القول: بأن أحوال العالم في تغير، وهي لا تسير على منهاج واحد، بل الانتقال المتواصل من حال إلى حال، يستوي في ذلك المؤمن والكافر.
إن عناية ابن خلدون بالتاريخ، ورغبته في الحصول على تفسير جيد لدوراته، لم يجعله يقبل كل خبر مسطر، ولو كان المؤرخ ثقة، لأنه في العادة ينقل عمن تقدمه، وذلك المتقدم قد يكون غافلًا أو كاذبًا أو متحزبًا أو صاحب مصلحة، وكل ذلك يجعل المؤرخ على حذر فيما ينقل.
لقد وجد كتب التاريخ مشحونة بالمبالغات والأغلاط، لذا فقد تطلع إلى وضع منهج جديد يمنع من السقوط، وقد وضع سبع قواعد جيدة، بل رائعة، لعمل المؤرخ (1) :
1-تجنب التشيع للآراء والمذاهب، ومعلوم أن التشيع لطرف هو عدو الموضوعية، ولا يتصور اجتماعهما في شخص واحد.
فالتشيع يدعو للقبول أو الرفض دون محاكمة، فإذا كان الإنسان محايدًا أو على حال (الاعتدال في قبول الخبر ) فإنه يعطيه حقه من التمحيص والنظر، كي يتبين صدقه من كذبه، فإن خامر النفس تشيع لرأي أو نحلة، فالإنسان يقبل ما يوافق هواه من الأخبار، حتى يكون ذلك التشيع غطاء على عين بصيرة النفس، فتقع في قبول الكذب ونقله.
2-تمحيص الروايات، وعدم الثقة بالناقلين، وذلك عن طريق البحث والنقد، (فلا يرجع -أي المؤرخ- إلى تعديل الرواة، حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع، وأما إذا كان مستحيلًا، فلا فائدة للنظر في التعديل والجرح ) .. وهذا منهج جيد، يبدأ المؤرخ بالخبر وليس براويه.
3-معرفة جيدة بالمقاصد: فالذهول عنها يجعل المؤرخ ينقل الخبر على حسب ظنه وتخمينه، فيقع في الكذب دون أن يعلم ذلك.
4-إن منح الثقة لمؤرخ سابق، يجعل اللاحق يتوهم صدقه فيما نقل، وليس من تلازم بين ثقة المؤرخ وسحب هذه الثقة على كافة نقوله، فثقة المؤرخ بالناقل قد تجعله يتوهم صدق ما نقل، فيقع في الخطأ.
5-ينبغي العمل على كشف الخداع والتلبيس والكذب في الأخبار، فالمؤرخ قد يكون على حال من (الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع، لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنيع، فينقل الخبر على غير الحق ) .
6-ينبغي للمؤرخ أن يبتعد عن محاولة الكسب، من خلال تقربه لأصحاب السلطة، فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة.
والمشكلة كبيرة، فإذا كتب التاريخ في عهد أصحابه، برزت الحسنات، وضاعت وذابت السيئات، فإذا كتب فيما بعد، وعلى زمن وفترة معادية، برزت السيئات واختفت الحسنات، وما شاهدناه من إعادة كتابة التاريخ بعد سقوط نظام خير دليل على ذلك.
7-ينبغي أن يكون المؤرخ عارفًا بطبيعة الحوادث والأخبار، فإن (الجهل بطبائع الأحوال في العمران، إذ لكل حادث من الحوادث ذاتًا أو فعلًا طبيعة تخصه في ذاته، وفيما يعرض له من أحواله، فإذا كان السامع عارفًا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها، أعانه ذلك في تمحيص الخبر، على التمييز بين الصدق والكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه ) .
أذكر وأنا أقرأ (التوراة ) أنها تذكر معارك بين اليهود وأهل المنطقة، فتذكر أرقامًا كبيرة جدًا، لا يتصور وجودها قبل ألوف السنين، فتذكر أن طرفًا شارك بـ (600) ألف مقاتل، والطرف الثاني بـ (400) ألف مقاتل، وهذا مستحيل عقلًا، ولذا راحوا يحذفون صفرًا فيصبح العدد (60، 40) ألفًا، ليتحول العدد أخيرًا إلى (6، 4) آلاف فقط.
لقد تنبه ابن خلدون إلى وجود تاريخ للحضارة يتمثل في تقدمها العلمي والعمراني أو تخلفهما، إلى جانب تاريخ سياسي للأمة والحضارة، قد يسيران جنبًالجنب، وقد يفترقان، فيتقدم واحد دون الآخر، كما لم يبالغ في استخلاص النتائج من دراساته التاريخية، كما يفعل بعض القائلين بـ (الحتميات) ، كما لم يسقط في الفروض والتخمينات، ولكن تأثر إلى حد كبير بما رآه وعاشه، في الأندلس والشمال الإفريقي وسائر البلاد التي زارها.
منهج ابن خلدون في البحث:
يرى د. حسين رشوان أن ابن خلدون يتبع في بحثه (المنهج العضوي) (1) فالدولة في نظره كائن عضوي حي، يولد ويموت، لها بداية ونهاية، تخضع لعوامل النمو والفناء، وقد قدر عمرها بثلاثة أجيال، في حدود (120) سنة. ومعلوم أن هناك دولًا عاشت أضعاف ذلك، مثل العباسية والعثمانية، وغيرهما كثير. ونتيجة لسياحته في العالم الإسلامي، فقد وجد اختلافًا بين المجتمعات، لذا راح يقرر أن أحوال المجتمع لا تسير على وتيرة واحدة، بل تتغير وتتبدل.
عوامل التغيير:
يعزو ابن خلدون عوامل التغيير إلى أكثر من عامل واحد، مثل عدالة الحكم، واتساع رقعة الدولة وسلطانها، والعوامل الاقتصادية.
نظرية ابن خلدون في العمران:
يلخص د. الشكعة نظرية ابن خلدون في العمران كما يلي (1) :
1-التاريخ خبر عن الاجتماع الإنساني، أي العمران البشري، لذا يجب تنقيته من الزيف، وتصويب أخطائه، وهذا هو المنطلق الأول لتصور العمران البشري.
2-الملك المنظم ضرورة للعمران، من أجل الحفاظ على المجتمع، وتنظيم شؤونه، وحماية الثغور، وجباية الأموال، ودفع الظلم، وتحقيق العدل، وعمران الأرض، وإسعاد الناس في دنياهم، وتهيئة الأسباب للسعادة في أخراهم، وذلك بحملهم على اتباع الشريعة، وضبط أمورهم.
3-يقوم بنظام الحكم (خليفة ) أو إمام، يحكم وفق الشريعة الإلهية.
4-العلم والتعلم عنصران أساسيان للعمران، فكلما ازدهر العمران صارت سوق العلم نافقة، وتقدم المجتمع، والعكس بالعكس.
5-لا يتم العمران إلا بوجود صنائع، مثل الفلاحة والصناعة والتجارة، فعليها يتوقف رفاه المجتمع وانتعاشه.
6-للدول أعمار مثل الأشخاص، تبدأ قوية بقيادة منشئها، فإذا انتهى الجيل الثالث تشرف على الزوال، أما الازدهار فيقع على الجيل الثاني.
7-العصبية تؤدي للغلبة والقوة، وتتطلع للرئاسة، والرئاسة تتطلع للملك، ولذا فالملك لا يقوم إلا بالعصبية، ويظل قويًا بقوتها، ويضعف بضعفها.
8-البداوة أصل الحضارة، والعمران البدوي أصل الحضري، ولكل عاداته وسلوكه، والمجتمع الحضري أكثر قابلية للتبدل، وتبدله يصل لقمة العمران، ثم يبدأ بالتقلص والانحسار، في حقب زمنية تشبه القانون.
الدولة والتشريع: