فهرس الكتاب
ينظر ابن خلدون للتشريع كشرط لبقاء الدولة، فالدولة متى خلت من تشريع يستهدف حماية الناس، فإن الأمر لا يستتب لها، كما لا تتم سيطرتها على الأمور، وكل هذا من سنن الله في عباده.
وهذه التشريعات إما أن تكون إلهية المصدر، فتكون سياسة دينية، وإما أن تكون مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وأهل النظر فيها، فهي سياسة عقلية.. إن التشريعات الإلهية تكون نافعة في الدنيا والآخرة، ذلك أن الخلق ليس المقصود دنياهم فقط، لأنها لهو وزينة، وغايتها ونهايتها الموت، والله تعالى يقول: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون } (المؤمنون:115) .
فالمقصود إنما هو دينهم، المفضي إلى سعادتهم في آخرتهم، فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك، في جميع أحوالهم، من عبادة ومعاملة، وحتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنساني، فأجْرته على منهاج الدين، ليكون الكل محوطًا بنظر الشارع (1) .
إن ابن خلدون يرى نوعين من الحكومة: واحدة تعتمد التشريع الإلهي، وأخرى تعتمد التشريع الوضعي. وهو ينص على وجوب نصب (خليفة ) ليقوم بأمر الدين والدنيا معًا. وقد كتب فصلًا كاملًا في (المقدمة ) تحت عنوان (العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها أمره ) ، لينتهي إلى ضرورة الاستناد إلى شرع منزل متى وجد.
ابن خلدون والمدرسة الحيوية:
يرى د.حسين رشوان أن ابن خلدون من أنصار المدرسة الحيوية (1) ، فقد اعتمد في دراسته للمجتمع على دراسة الفرد، ومن ثم قال بأنه يولد مثل الفرد، ويمر بأطوار الطفولة والشباب والرجولة والشيخوخة، كما أنه يمارس السياسة وكتابة التاريخ، متخذًا من تجاربه الخاصة مادة للكتابة، ويتضح ذلك جليًا من موقفه من البدو، الذين شن عليهم أكبر حملة، لأنهم جاءوا للشمال الإفريقي من مصر، وعاثوا في الأرض فسادًا، وأسقطوا أمير بجاية وابن عمه كذلك.
2-هيجل والتفسير المثالي:
هيجل فيلسوف ألماني عاش ما بين (1770-1831م) ، صاحب اتجاه في (وحدة الوجود ) ، من المتأثرين بكل من (كانت وفخته وشبلنج ) ، وقد كان له تأثير كبير على الفكر الألماني، صاغ أفكاره بأسلوب صعب، بحيث يحتمل أكثر من تفسير، وقد ظهر ذلك جليًا في استشهاد تلاميذه -على اختلاف توجهاتهم- بما كتبه، فالمؤمنون منهم والملحدون يجدون لهم شواهد فيما كتبه هيغل، تؤيد دعواهم.
وقد طور الجدل (الديالكتيك ) ليجعل منه طريقة خاصة بالبحث، وأسلوبًا في المناظرة (1) : (أصبح طريقة لتفسير الواقع، وقانونًا كونيًا عامًا، ينطبق على مختلف الحقائق، وألوان الوجود، فالتناقض ليس بين الآراء ووجهات النظر فحسب، بل هو ثابت في صميم كل واقع وحقيقة، فما من قضية إلا وهي تنطوي في ذاتها على نقيضها ونفيها. وكان هيغل أول من أشاد منطقًا كاملًا على هذا الأساس... لقد أنشأ فلسفته المثالية كلها على أساس هذا(الديالكتيك) ، وجعله تفسيرًا كافيًا للمجتمع والتاريخ والدولة، وكل مظاهر الحياة، وقد تبناه بعده (ماركس) فوضع فلسفته المادية في تصميم ديالكتيكي خالص.
فالجدل الجديد -في نظر أصحابه- قانون للفكر والواقع على السواء، فهو طريقة تفكير، ومبدأ يرتكز عليه الواقع في وجوده وتطوره ).
يتصور هيجل أن التاريخ عبارة عن صراع للمتناقضات (2) : (فكل قضية في الكون تعتبر إثباتًا وتثير نفيها في نفس الوقت، ويأتلف من الإثبات والنفي إثبات جديد، فالمنهج المتناقض للديالكتيك أو الجدل الذي يحكم العالم يتضمن ثلاث مراحل، تدعى: الأطروحة والطباق والتركيب.. وفي تعبير آخر: الإثبات والنفي ونفي النفي.. وبحكم هذا المنهج الجدلي، يكون كل شيء مجتمع مع نقيضه، فهو ثابت ومنفي، وموجود ومعدوم في وقت واحد ) .
حركة التحضر عند هيجل:
لهيجل تصور خاص في حركة التحضر، فهو يفسرها أو يتصورها، كصراع بين متناقضات، ويطرحها على الوجه التالي، باختصار (1) :
1-كل فترة في تاريخ الحضارة، تمثل وحدة مستقلة، وإنَّ ملامحها السياسية والاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية والدينية والفنية، كلها جوانب (للمجموع الحي ) ، ومنها جميعًا يتكون كيان متجانس.
2-كل فترة أساسية تنمي فكرتها الرئيسة إلى الحد الأقصى، ثم تولد أضدادها أو نقائضها، ويستمر الصراع هكذا، حتى تتحد المتناقضات في وحدة عليا (الموحد أو الجامع ) ، فتكون أفضل من الفكرة ونقيضها، ثم ينحل هذا (الجامع ) ليتولد عنه فكرة جديدة ونقيض، وهكذا يستمر الحال، كل فكرة تصارع نقيضها، لتنتج جامعًا، وكل جامع أو موحد يفرز نقيضًا، ويستمر الصراع حتى تصل الفكرة إلى (المطلق ) الذي يخلو من التناقض والصراع (2) .
ولتقريب الفكرة، أذكر مثالًا ضربه هيجل:
أ- عهود السلطة المطلقة في الحكم (فكرة ) .
ب- يعقبها عهود فوضى (نقيض ) .
جـ- منها يأتي عهد دستوري، هو خير من الاثنين.
3-إن جوهر التطور لدى هيجل هو ما يفرزه وينتجه (صراع المتناقضات ) ، حيث تحمل كل فكرة تناقضًا داخليًا، يدفعها إلى الإمام، ثم لا تلبث أن تتحطم لتتحول إلى شيء جديد، أفضل من الفكرة والنقيض، وهو يحمل التناقض، وبفعل الصراع يكوّن فكرة جديدة ونقيض، وهكذا.
4-تبنى هيجل، وتابعه الماركسيون، أن كل عهد من عهود الحضارة يأتي يكون أرقى وأفضل من سابقه، على اعتبار أن (الجامع أو الموحد ) يكون دومًا أفضل من الفكرة ونقيضها، وهذا يشكل خطوة للإمام، والحضارة اللامعة تكون أفضل من سابقتها كذلك. ولم يقفوا عند هذا الحد، ولكن قالوا: إن الحضارة في رقي دائم، لا سبيل إلى مقاومته (1) . وأصل الفكرة نادى بها بعض فلاسفة اليونان، ثم جاء هيجل ليفسر بها حركة التاريخ، وعنه أخذها الماركسيون.
والإنسان يتمنى حقًا أن تكون الحضارة كذلك، لكن الذي نشاهده أن الحضارة قد تتقدم بعض مكوناتها دون بعض، فهي ليست كائنًا عضويًا، أما أن تتقدم كافة مكوناته أو تتأخر، فالحضارة -كما تقدم- خليط من أفكار ومعتقدات وتشريع وآداب وفنون ومنشآت مادية، جمعت في زمان ومكان، لذا فإن بعضها قد يتقدم والبعض الآخر قد يتوقف، على حين تتأخر مكونات أخرى. ولو كانت الحضارة في تقدم تام، لا سبيل لإيقافه، فكيف تنحل وتسقط؟
5-يطرح هيجل معادلة فيقول: كل ما هو معقول فهو حقيقي، وكل ما هو حقيقي فهو معقول.
والمطلوب أن يحدد لنا هيجل وكذلك تلاميذه، معنى المعقول والحقيقي، لكن الذي وجدناه لدى تلاميذ هيجل غريب، فالمتدين يقول: الدين معقول فهو حقيقي، والتملك معقول فهو حقيقي، بينما يقول تلميذ لهيجل ملحد: إن الدين غير معقول، ولذا فهو غير حقيقي، وهكذا، وهذا ثمن الغموض في الصياغة.
تعقيب ومناقشة:
نسلم أن الصراع بين الميول والاتجاهات المتقاربة حقيقة من حقائق الحياة، وقد نجد أكثر من آية في كتاب الله تشير لذلك، منها: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات } (الحج:40) .
وقوله: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } (البقرة:251) ، فالتدافع بين البشر حقيقة من حقائق الحياة، وسنة من سننها، قديمًا وحديثًا، على مستوى الأفراد والأنظمة والدول والثقافات والحضارات.
كذلك فإن أي نظام -على مستوى القطر أو الحضارة- يحقق أغراضه، ويستوفي مبررات وجوده، فهو لا يلبث أن ينحل ويسقط، ليقوم نظام جديد مكانه يهدم الأول، ليبني على أنقاضه، وهكذا.
وكل نظام وكل نسق حضاري يريد أن يستمر، ويجاهد في ذلك، لكنه متى ما فسد وتعفن، واستوفى مبررات وجوده، فليس أمامه إلا السقوط. والشجرة إذا ماتت لن ينفعها كثرة الري، بل ستتعفن جذورها، لتسقط في أقرب وقت.