فهرس الكتاب
ويبدو أن هيجل توسع في قضية (الصراع ) حتى جعله كل شيء، وجاء تلاميذه من الماركسيين ليعلنوا بقوة: أن تاريخ البشرية ما هو إلا صراع بين طبقات المجتمع، من أجل المادة وبسببها.
ولو أمكن أن أعدل في هذا الطرح (الهيجلي ) لقلت: إن الفكرة تحرك نقيضها، لكنها لا تلد ذلك النقيض، هذه قضية، والقضية الثانية أن مصطلح (النقيض ) الذي يستعمله هيجل ليس هو النقيض المعروف لدى علماء المنطق، فهناك تميز ونقيض، وجل أمثلة هيجل من النوع الأول (التميز ) وليس من النقيض.
وهناك أمثلة أخرى يضربها هيجل لا علاقة لها بالتناقض، فهو يقول مثلًا: زهرة الرمان (فكرة ) والكأس (نقيض) ، ومن الاثنين تأتي ثمرة (الرمان ) وهي أفضل من الزهرة والكأس، أقول هذا ليس تناقضًا.
كذلك لا يجد الدارس لما كتبه هيجل عن الفكرة والنقيض فصلًا، بل يجد امتزاجًا أو اشتراكًا، لكنه لا يجد نقيضًا.
القضية الأخيرة لرسم العلاقة بين المعقول والحقيقي غير واضحة، واستعمال تلاميذه لها خير دليل.
ومع ذلك فهل يعتبر هيجل النصر في الحرب هو الحقيقة أو المعقولية؟ إن كان كذلك فقد ينتصر مبطل، وقد ينهزم محق، فليس كل منتصر يمثل الحق، ولا كل منهزم يمثل الباطل، بل القوة لا تنشئ حقًا، ولكنها قد تستعمل في حمايته وحراسته.
3-أزولد اشبنجلر (1) :
عرف أزولد اشبنجلر بمؤلفه (تدهور الحضارة ) ، فقد كان قويًا في طرحه، جريئًا في أفكاره، غير حذر ولامتحفظ، لذا رأينا مفكرًا ومؤرخًا مثل (توينبي ) يصرح بمخالفاته لاشبنجلر ومؤلفاته، فلقد شن عليه هجومًا كبيرًا، وقد استفاد من ذلك كل من جاء بعده.
وقد تقدم إيمانه بدورة الحضارة، وتقسيمها إلى دور سابق، ودور الحضارة الفاعلة، ودور الحضارة المستنفذة.
وهو يكرر في كتابه (تدهور الحضارة ) أن حضارة اليوم وصلت إلى الدور الأخير، وهي سائرة إلى الانحلال، ومن هنا جرى الهجوم الشديد عليه، وعلى رأيه في هذه الحتمية، فصنف بأنه يؤمن بالجبر، وقد راح (توينبي ) يعيد ويكرر أنه لا يشارك اشنبجلر آراءه في الجبر، بل يؤمن بالاختيار. كما هوجم تشبيهه الحضارة بالإنسان على نحو الفصول الأربعة في دورانها، وهوجم كذلك قوله بأن كل الحضارات تظهر وتكتمل وتموت في أوقات معاصرة، وأن كل حضارة تمر بنفس الأدوار، التي مر بها من سبقها، وكذلك اكتمالها وظهور الإبداع فيها. بعض الذين هاجموا اشبنجلر يرون أنه سقط في أخطاء تاريخية كذلك. وكل هذا النقد الشديد أفاد منه من جاء بعده فراح يتبرأ من ذلك.
والذي أعتقده أن الإنسان العاقل لا يمكن أن يكون كل ما يطرحه خطأ، وإلا فليس بعاقل، ولا يمكن أن يكون كل ما يطرحه صوابًا، لأنه يجب أن يكون معصومًا من الخطأ، ولا معصوم سوى الأنبياء، وفيما يبلغون عن الله تعالى، وخارج هذه الدائرة لا معصومية، ومن يتصورون وجود معصوم -غير نبي- فأدلتهم هزيلة، وتناقضاتهم كثيرة.
4-أرنولد توينبي (1) :
مؤرخ إنجليزي ،ولد في لندن، وتخرج في جامعة أكسفورد المعروفة، واشتغل بالتدريس فيها حتى عام 1915م، والتحق بقسم الاستخبارات السياسية، ثم أستاذًا للتاريخ واللغة الإغريقية بجامعة لندن، ثم أستاذًا وباحثًا ومديرًا للدراسات بالمعهد الملكي للشؤون الدولية.. ألف كتابه (تاريخ العالم ) ، وكان موقفه من اليهود عمومًا والصهيونية شديدًا، لذا شنوا عليه أكبر حملة، واتهموه بالجهل حتى باللغة الإنجليزية (1) .
تبنى في منهجه الدراسي أن يدرس الحضارات، وليس الدول القومية، أو الجماعات السياسية. وحين يعدد الحضارات يعد منها: المصرية، السومرية، البابلية، الهلينية، الإيرانية، الهندوكية...إلخ، ويعد الحضارتين البدوية والعثمانية من الحضارات التي توقفت عن النمو.
نشوء الحضارة:
يطرح توينبي سؤالًا يتعلق بالعامل الذي أخرج الإنسان من الدور البدائي ودفعه إلى أجواء التحضر، وهنا يستعرض ما قاله المعنيون وذكروه من عوامل، فيتحفظ على أكثرها.. ثم يسجل أن الحضارات وجدت وقامت في أحواض الأنهر، لكنه يستدرك إذ لا يجد ذلك عامًا، فكم هي كثيرة أحواض الأنهر التي لم تعرف حضارة؟!
وتفسير ذلك سهل، فالإنسان والحيوان والنبات بحاجة للماء، ولذا كان يسكن قريبًا من الأنهار، ليستقي منها ويزرع، وليقيم حضارته أو تحضره، لكن ليس النهر هو السبب الأول، بل هو الإنسان، فوجود النهر عامل مساعد.. وقد يوجد أكثر من نهر، ولا تقوم الحضارة، لكن قيامها قديمًا بعيدًا عن الأنهر يجعلها في غاية الصعوبة.
نظرية التحدي والاستجابة:
يرفض توينبي تفسير التحضر أو حصره بعامل واحد، لذا نراه يقول (1) : (ليس السبب في نشوء الحضارات بسيطًا، ولكنه متعدد، وليس وحدة مستقلة، ولكنه علاقة مشتركة ) .. وقد طرح نظريته في (التحدي والاستجابة ) معتبرًا ذلك محركًا للإنسان بشروط، فالإنسان يستجيب للتحدي متى كان في حدود قدراته، وإلا عجز.
لذا راح يبحث عن صور التحدي، فحصرها مثلًا بتحدي الإنسان لأخيه، أو تحدي الطبيعة للإنسان. ثم راح يبحث في التراث الإنساني عن شواهد، فذكر ما حدث بين آدم عليه السلام والشيطان، والسيد المسيح عليه السلام والشيطان. وعن تحدي الطبيعة للإنسان، يذكر أن الجفاف الذي أصاب شمال إفريقيا، استجاب له الناس هناك على نوعين: نوع هاجر إلى وادي النيل، ليقيم حضارة هناك، وفريق بقي في مكانه، فبقي بدويًا في عيشه وقيمه.
ثم يذكر عوامل مماثلة، دفعت الإنسان في بلاد الرافدين، دجلة والفرات، ليقيم حضارة مبكرة. ثم يذكر أن حوض النهر الأصفر في الصين، كان يموج بالأدغال والغابات والوحوش والفيضانات والأملاح، فدفع ذلك التحدي الشعب الصيني إلى مكافحة هذه الآفات كلها، ثم ليقيم حضارته في حوض ذلك النهر.
أما تحدي الإنسان للإنسان فيرى:
أ- فئة مسيطرة في مدنية منهارة، تتحداها فئة مستقلة ومنفصلة عنها.
ب- فئة خارجية على حدود المواطن الحضرية، تتحفز لتقويض سيطرة الأولى، فتقوم بتقويض سيطرتها المتداعية، ومن ثم تقيم حضارة جديدة.
ومن هذه النظرة يفسر قيام الحضارة الغربية من الحضارة الهيلينية، بل سائر الحضارات اللاحقة للحضارات السابقة.
شروط التحدي:
يرى توينبي أن التحدي المفيد المنتج ينبغي أن يتوفر فيه:
أ- أن لا يكون صعبًا، بحيث يعجز الإنسان عن التعامل معه، بأن يكون فوق طاقاته وقدراته، فهذا التحدي لا يحرك الإنسان، بل يقعده، ويضرب مثالين لذلك:
مناطق الأسكيمو حيث البرد والثلج، فمثل هذا المناخ لا يمكن الإنسان من أن يقيم حضارة، ويظل كل همه منحصرًا في الكفاح، كي لا يموت من الجوع أو البرد.
وأما المثال الآخر فالمناطق الصحراوية حيث الحرارة المرتفعة، والماء القليل، فالإنسان لا يستطيع إقامة حضارة، بل يكافح ليبقى حيًا.
ب- أن لا يكون التحدي سهلًا، بحيث لا يثير في الإنسان دوافعه للتحضر، ويضرب لذلك أمثلة بالجماعات التي تعيش في المناطق الاستوائية، حيث الشمس والمطر والجو المعتدل، فتلك الجماعات بقيت بدائية ولم تتحضر.
وغني عن القول: إن صعوبة التحدي وسهولته أمر نسبي، فما تعتبره أمة صعبًا قد لا تعتبره أمة أخرى كذلك.
أما تحدي البيئة للإنسان، فقد عد تونبي خمسة دوافع يمكن أن تستثير فاعلية الإنسان وجهده، من ذلك:
دافع الأرض الصعبة.. دافع الأرض البكر.. دافع النكبات.. دافع الضغط.. دافع العقوبات.
هذه الدوافع تستثير الإنسان، فتأتي الاستجابة المناسبة (1) . ثم يحاول الإكثار من الأمثلة على التحدي والاستجابة، ولأنه درس تاريخ العالم، فلا يصعب عليه العثور على الأمثلة التي تشهد لنظريته، من ذلك: