فهرس الكتاب

الصفحة 1862 من 1942

1-أن الزنوج في أمريكا كانوا يعانون الرق، ومن التفرقة العنصرية، وبعد إلغاء نظام الرق عام (1860م) رسميًا، بقيت التفرقة العنصرية، فكيف استجابوا لهذا التحدي؟ يرى توينبي أن (الأسود ) بعد أن وجد الموازين راجحة ضده في الدنيا، راح يتطلع إلى الآخرة، كما راح يكيف نفسه مع البيئة، وذلك عن طريق استكشاف طائفة من المعاني والقيم الطريفة في المسيحية، بعد أن تجاهلها أهلها، مثل: أن المسيح عليه السلام جاء ليعلي من شأن المستضعفين، وليس ليعزز مركز الأقوياء.

ويرتب توينبي على ذلك: أن يوفق الأفارقة السود، في إشعال النار في رماد المسيحية الخامدة، عساها تنبض بالحياة مرة ثانية، لكن الواقع لا يشجع على هذا الاستنتاج، فالسود راحوا ينفصلون عن البيض كليًا، ويبتعدون عنهم، بعد أن كان الأبيض هو الذي يفعل ذلك.

القضية الأهم: أن الإنسان الأبيض، المعجب بنفسه إلى حد الغرور، لن يقبل من الأسود شيئًا، ولا حتى من الملونين، ولا أبناء العالم الثالث، فكل هؤلاء لا يحترمهم ولا ينظر إليهم بعين الرضا أو التقدير.

أما كيف وصل توينبي لهذا التصور، فهو يقارن بما حصل للعبيد في إيطاليا، حيث اعتنقوا المسيحية، فأقاموا ديانة جديدة حية قامت مقام ديانة لا حياة فيها.. وهذا القياس من الصعوبة قبوله، فإيطاليا الأمس ليس أمريكا اليوم، والظروف اختلفت كليًا.

2-يذكر توينبي أن منطقة (الشرق الأوسط ) تعرضت لتأثيرات حضارية، تنافي طبيعتها، وذلك حين تسربت إشعاعات ثقافية يونانية ورومانية للمنطقة، فشكلت قضية تحد، أما الاستجابة فكانت (اعتناق الإسلام ) .

ثم اندفع المسلمون لاسترداد مجد الشرق الأوسط، وترتب على ذلك أن استردوا للشرق الأوسط شخصيته، تلك الشخصية التي أهدرها العدوان الثقافي الهيليني مدة طويلة من الزمن، وهكذا أصبحت المدن الإسلامية مراكز حضارة مزدهرة (1) .

إن هذا التفسير للإسلام يتعذر قبوله، فإذا كانت بلاد الشام عرفت الروماني فاتحًا ومستعمرًا، فلم تعرف عنه حامل ثقافة، أو ناقل ثقافة، لقد كان فاتحًا مستعمرًا وكفى.

أما الجزيرة ففيها قلة يهودية، ومثلها قلة نصرانية في اليمن وما حولها، ولم يكن لديها شيء تقدمه أكثر من شرب الخمور. وهؤلاء وأولئك عاشوا مع العرب، دون أن يشعر بهم أحد، ولذا فلم يشكلوا تحديًا لجمهور العرب الوثني، وحين حاربت قريش المسلمين في المدينة، تحالف اليهود معها، ضد المسلمين، الذين تربطهم بهم معاهدة، والذين يؤمنون بالله تعالى وكتبه ورسله.

لذا فتفسير ظهور الإسلام كاستجابة يصعب أو يتعذر قبوله، لكني أوافق بقوة على أن الإسلام رد للشرق الأوسط شخصيته، بل ما زال يملك ذلك، وربما كان الوحيد المالك، فمنذ سقوط الدولة العثمانية وحتى هذ اللحظة ما زال الإسلام هو الأقوى والأقدر على إنقاذ المنطقة ورد العافية إليها، وتجربة ثلاثة أرباع قرن تكفي لبيان ذلك، وعلى الذين يجادلون وينكرون ذلك أن يأتوا بالأدلة والشواهد، وقديمًا قال الشاعر:

وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

3-يعتقد توينبي أن تشتت اليهود كان من التحديات، وأن تجمعهم في فلسطين سيقضي على هذا التحدي، كما أن تجمعهم في فلسطين سيشكل تحديًا لأهلها أولًا، ولأهل المنطقة كلهم، وستكون الاستجابة تشتيتًا جديدًا لليهود.

كما أن احتقارهم لكل الغرباء، واعتقادهم بأنهم شعب الله المختار، سيثير عليهم العالم (1) ، (وذلك باعتبارهم جماعة شاذة، ما انفكت تتعمد عزل نفسها عن بقية الجنس البشري، وإن اقتضاهم ذلك مشقة وعنادًا بالغين، وعرضهم لاضطهاد العالم ونقمته المتواصلة عليهم ) .

إن هذا النقد لا يطيق اليهود سماعه من أحد، لذا شنوا على توينبي أكبر حملة، واستخدموا كل ما لديهم من قوة، واتهموه بالتعصب للمسيحية، وأنه يتحدث كنبي، حتى وصل بهم الأمر أن اتهموه بالجهل حتى بلغته الإنجليزية، كما اتهموه بالسذاجة والسطحية وضيق الأفق، ووصفوا منهجه بالتخبط والتعالم والتكاثر بالمراجع، ليخدع القارئ. وزاد من نقمتهم عليه مناصرته للشعب الفلسطيني، ونفي أي حق لليهود، قائلًا: إذا كان الغرب اضطهدهم فليس على الشعب الفلسطيني أن يدفع الثمن. وكل هذا لم يعد أحد في الغرب يجرأ على قوله، وإن كان الكثير يسلم به ويعترف!!!

كيف تنمو الحضارة:

يدرس توينبي كافة النظريات في تفسير نمو الحضارة، فيراها تركز على الكم دون الكيف، فهي تسجل الانتصارات، وعلى رأسها العسكرية، بينما يرى توينبي أن التوسع العسكري قد يحصل مع هبوط الحضارة، وكثير من الدول كانت تلجأ للحروب الخارجية، هربًا من مشاكل داخلية وانقسامات في صف الأمة.. كما يرى أن التقدم العلمي والصناعي قد يحصل دون تقدم الحضارة، وقد يتلازمان.

وأخيرًا فهو يرى أنه ليس من الضروري أن تنمو كل حضارة ناشئة حتى يكتمل نموها، وتصل إلى القمة، فقد تتوقف في مرحلة، بسبب عجزها عن التغلب على تحديات تواجهها، ويعد من الحضارات المتوقفة العثمانية والإسبارطية والبدوية.

من جهة أخرى يرى توينبي أن التغلب على تحد معين لا يكفي، بل لا بد من وجود قدرة على مواصلة الاستجابة للتحديات (1) .

من قضايا النمو الحضاري:

ما هي المسائل الأساسية في قضايا النمو الحضاري؟

يستعرض توينبي جملة قضايا يقيس بها نمو الحضارة، منها (2) :

1-في مجال نمو الذات:

يرى توينبي أن تطور العلوم والفنون والصناعة، يسير نحو التبسيط، ففي الآلات مثلًا ابتدأ الإنسان بالأدوات البخارية، لينتقل إلى الآلات التي تشتغل بالوقود.. وفي مجال النقل البري، ابتدأ الإنسان بالقاطرات التي تسير على قضبان ثابتة، لينتقل إلى الحافلات والسيارات، التي لا تحتاج إلى قضبان.. وفي الاتصالات ابتدأ الإنسان بالتلغراف لينتهي باللاسلكي، وكل هذا التطور يساير رغبة في نفس الإنسان، كي يتحرر من العوائق.

2-الفرد والمجتمع:

هل المجتمع هو الحقيقة، والفرد ذرة من ذراته فقط، أم أن الفرد هو الحقيقة، والمجتمع هو مجموع تلك الذرات؟

يرفض توينبي النظرتين معًا، ويرى (1) (أن المجتمع هو علاقة بين الأفراد، وهذه العلاقة تقوم على اتفاق في مجالات أعمالهم، اتفاقًا يجمعها على صعيد مشترك، وهو ما نسميه بالمجتمع ) ، وبناء على ذلك يكون المجتمع مجال عمل مشترك بين مجموعة من الناس، وأما الأفراد فهم ينبوع العمل، والنمو الحضاري أو التحضر يحصل عادة عن طريق المبدعين من الأفراد، وعن طريق الفئة الصغيرة من القادة الملهمين.

ويضرب لذلك مثلًا جيدًا بالفلاح يحرث الأرض ويزرعها، فكل نبتة لها كيانها المستقل، لها ساقها وأوراقها، وهي تأخذ نصيبها من الغذاء والماء والشمس، ولكن هذا الحقل بمجموعه، يعود لفلاح زرعه للحصول على محصول واحد، فكل نبتة تمثل فردًا، والحقل يمثل المجتمع، وهو تمثيل جيد -وقد تقدم هذا- وهو قريب جدًا من التصور الإسلامي.

3-الاعتكاف والعودة:

عرف عن الفرد إنه قد يعتكف في مكان، مدة من الزمن ثم يعود إلى مجتمعه، وكتب السيرة تذكر أن الرسول كان يعتكف في غار حراء يتعبد، ثم يعود لأهله ومجتمعه، وتقدم أن ابن خلدون اعتكف سنوات في قلعة (سلامة ) يكتب ويؤلف ثم عاد إلى مجتمعه وأهله.

هذه الظاهرة الفردية حاول تونيبي أن ينقلها إلى مجتمع أو دولة، معتقدًا أن الأعمال الرائعة للإنسان تتم بحركة مزدوجة من الاعتكاف والعودة، بهدف تحقيق نوع من الصفاء للذات، واستلهام الحق، وتكون العودة من أجل هداية الأتباع، وتتضح الظاهرة في حياة عدد من الأنبياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت