فهرس الكتاب

الصفحة 1863 من 1942

لكن توينبي نقل هذا العمل من ميدان الفرد إلى المجتمع والدولة، فيرى أن إيطاليا فعلت ذلك قبل النهضة، وإنجلترا في العصور الوسطى، ثم عادتا لتساهما في نمو الحضارة الغربية. ويمكن أن أضيف هنا (اليابان ) ، فقد عاشت زمنًا في عزلة عن جيرانها وكانت سنوات هدوء وسلام، ولم تغز اليابان بلدًا، ولم يغزها أحد، ثم لتنطلق بعد ذلك (1) .

4-التنوع داخل الوحدة خلال فترة النمو:

يرى توينبي أن الحضارة النامية تشكل وحدة متماسكة، وحركة منتظمة، إلا أن تجارب الفئات المتعددة ليست متماثلة، إنها تختلف باختلاف الكيفية التي يستجيب بها الفرد أو الأقلية المبدعة أو المجتمع كله للتحديات المتتابعة، ومن هنا وجدت الفروق بين المجتمعات الصغيرة، في الحضارة الواحدة، وهنا تبرز الخصائص المميزة للحضارات المختلفة، فهذه جمالية، وتلك دينية، وهذه علمية، وهكذا. إلا أن ناقديه رفضوا هذا التصنيف، فهم يرون في كل حضارة قدرًا من الجمال، ودينًا تتبعه الأكثرية، وقدرًا من العلم والمعرفة.

كيف تنحل وتسقط الحضارة:

كل متابع لحركة التحضر يراها كصاعد الجبل، يرتقي ويتسلق، حتى إذا وصل القمة -في رحلة تطول أو تقصر- راح يهبط إلى قاعدة الجبل، لم تشذ حضارة عن ذلك، وتتفاوت بطول البقاء وسعة السقوط، فكيف يفسر ذلك المهتمون بحركة التحضر؟

(اشبنجلر ) يرى سقوط الحضارة حتميًا، لم تنج منه حضارة، والدور الآن على الحضارة الغربية.. ابن خلدون يراها دورة كاملة -كما تقدم- فكيف ينظر لها توينبي؟

إنه يرفض الحتميات كلها، وهو يستعرضها على الوجه التالي (1) :

1-القول بأن الكون صائر إلى الشيخوخة والزوال، ذلك لا يكون في القريب العاجل، من هنا فتأثيره على سقوط الحضارة بعيد.

2-يرفض تشبيه الحضارة بالكائن الحي، فالحضارة تولد ثم تنمو ثم تشيخ وتموت، هذا لا يسلّم به، ذلك أن المجتمعات ليست كائنات عضوية، والمجتمع يمكن أن يجدد شبابه، أما الإنسان فلا.

3-يرفض فكرة أن الحضارة لها دورة كاملة، كما يقول ابن خلدون، ويرى أن الدولاب الذي يحمل عربة التحضر، يدور على نفسه، وعندها تندفع العربة نحو الغاية الكبرى، في حركة تقدمية مستمرة.

4-إن العجز عن صد الاعتداءات الخارجية على الحضارة، ليست سببًا لسقوطها، بل دليل على وجود انهيار سابق، كشف العدوان الخارجي عنه، ويمثل لذلك بسقوط الحضارة الرومانية، والأندلسية.

5-يرى توينبي أن النقص في الميادين العلمية والتقنية، ليس علة في سقوط الحضارة، ولكنه مجرد عرض لا أكثر.

بعد هذا الاستعراض يذكر توينبي تصوره الخاص بسقوط الحضارة وأسبابه، ويردها إلى ثلاثة أسباب:

1-ضعف القوة المبدعة في القيادة، وتحولها إلى مجرد سلطة متعسفة.

فهذه الأقلية التي كانت نشطة أكبر نشاط في مرحلة النمو، لم تعد قادرة على القيام بالرد على التحديات التي تواجهها، ولعجزها عن ذلك، تنقلب إلى أقلية مسيطرة، تسعى بكل قواها للحفاظ على مركز قيادتها، والذي لم تعد أهلًا له، وهنا يحصل انفصال بين الأكثرية من الشعب والأمة، وبين الأقلية، وهنا يبدأ زمن الاضطرابات والفتن المحلية، أو الحروب داخل المجتمع، ومع المجتمعات المجاورة.. ويمكن أن نمثل له بما حصل في الأندلس، فلكل مدينة أمير، يقاتل أخاه أو ابن عمه، ولا يرى بأسًا بالتحالف مع عدوه وعدو أمته، ثم تتساقط المدن، وتنتهي الحضارة بسقوط مريع، يقذف بالكل خارج أسبانيا.

ويرى توينبي أن قيام الاضطرابات يحفز الأقلية لإحكام السيطرة، واستعمال القوة، وهكذا تزداد الشقة والهوة بين الأقلية والأكثرية.

2-تخلي الأكثرية عن موالاة الأقلية المسيطرة، ثم الكف عن محاكاتها.

ففي زمن النمو تتابع الأكثرية الأقلية المبدعة، وتسير بقناعة خلفها، وبعد تحولها إلى قلة مسيطرة فاقدة للإبداع متحكمة في الأكثرية دون استحقاق، هنا تتخلى الأكثرية عن الأقلية، ثم يعقب ذلك الانشقاق.

3-الانشقاق وضياع الوحدة، حيث تقف الأكثرية ضد الأقلية المسيطرة.. وهكذا تسقط الحضارة.

إن سقوط الحضارة يسبقه، ويقدم له، انحلال الحضارة.. فكيف يتصور توينبي ذلك؟

انحلال الحضارة:

يعرض توينبي نظريته في انحلال الحضارة بشكل واضح، وأستطيع ابتداءً القول: بأنه أقرب ما يكون للتصور الإسلامي، فهو يرى أن انحلال الحضارة يزامنه ويرافقه فساد يدب في أرواح الناس أولًا، وتغير جذري في سلوكهم، وحتى مشاعرهم، وفي كل جوانب حياتهم، فيقوم مكان الصفات الجيدة والقوى المبدعة، التي كانت تفيض بها نفوسهم -في دور النمو- يحل مكانها (ثنائية ) من النزعات والمواقف العقيمة والمتناقضة.. وهنا يتعرى الفساد الروحي، ويكشف عن فوضوية تشمل الأخلاق والعادات، وانحطاط يسود الآداب والفنون، مع محاولات عقيمة للتوفيق بين المذاهب والأديان المختلفة. وهنا قد تسعى الأقلية المسيطرة في بعض الحالات إلى فرض فلسفة بالقوة، أو دينًا مختارًا، لكنها تفشل في كل ذلك.

ويذكر استثناء واحدًا -غير سليم- وهو انتشار الإسلام بين الأمم المغلوبة عن طريق القوة أو التساهل.. لقد دخلنا الأندلس بـ (12) ألف مقاتل وخرجنا منها مأزومين مهزومين، وعددنا أكثر من ثلاثة ملايين.. إن خرافة انتشار الإسلام بالقوة خرافة روج لها الاستعمار ورجاله، كي يبرر غزو القارات كلها ونهبها وسلبها، بل واستمرار السلب حتى اليوم، وليسوِّد وجه الإسلام.

وفي الختام أرى من النافع أن أنقل نصًا للدكتور الشرقاوي يلخص نظرية توينبي في الحضارة صعودًا وسقوطًا، فيقول (1) : (ذلك هو تصور توينبي للدورات الحضارية، فالتاريخ عنده كأنه تجربة واحدة تمت على مراحل أو دورات، وكل الحضارات التي يدرسها مرت بأطوار متشابهة في النمو واستمرار التقدم، وزيادة القوة، ثم تنشأ بعد ذلك عقبات من الداخل أو الخارج، أمام هذه الحضارات، تمثل ألوانًا من التحدي، قد تعجز الحضارات عن الاستجابة لها بنجاح، فيكون التفكك والانهيار، وقد تنجح في مجابهتها فيكون التقدم والاستمرار إلى حين. على أن انهيار الحضارات في النهاية لا يمثل شرًا مطلقًا، فكل تجارب الحضارات السالفة تتمثل في الحضارات الجديدة، بصورة أو بأخرى، ومن هنا فإن التاريخ لا يعرف حضارة زالت تمامًا، وإنما الذي يحدث -في غالب الأمر- أن الحضارة بعد أن تتم دورتها، على يد أمة أو أمم، تقوم بعد ذلك حضارة أو حضارات جديدة ) .

تعقيب ومناقشة:

إذا استثنينا الهجوم اليهودي على توينبي، فإن النقد الموضوعي جاء من د.عفت الشرقاوي، وجاردنر، وسوركن.

وأهم بنود هذ النقد أن توينبي يؤمن نظريًا بحرية الاختيار، لكن نظريته تسير في اتجاه الجبر، وقد شبهه بعض ناقديه بأنه مثل عالم الكلام الإسلامي، الذي يقيم الدليل على الجبر، ولأسباب نفسية يؤمن بالاختيار. كذلك نُقدت نظريته بالنسبة للحضارة الغربية، فهو يصورها وكأنها تجتاز مرحلة عظيمة في التقدم، وهي على حافة الهاوية والانحلال، وفي ذات الوقت لا يريد الاعتراف بهذه النتيجة، والحكم على حضارة اليوم بالزوال، فيتحدث عن احتمال (إرجاء إلهي ) تنجو بفضله الحضارة من هذا المصير.

يرى د. الشرقاوي (1) أن توينبي لديه قلق شخصي بالنسبة لمصير حضارة اليوم. كذلك وجه له نقد حول تقسيمه الأدوار الحضارية، من النشوء إلى الانحلال والسقوط، أساسًا لفلسفته وتفسيره للتحضر، ويرفض أمثال سوركن ذلك لأن هذه النظرية تعني أن هذه الأدوار كيانات حقيقية، لا مجرد تجمع لظواهر اجتماعية وثقافية، جمعها الزمان والمكان، دون أن يكون بينها ترابط سببي موحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت