فهرس الكتاب

الصفحة 1884 من 1942

فإذا سقط الواجب والتضحية فلا بد أن يسود المجتمع شريعة الغاب، حيث الحق للقوة، ولا مكان للضعيف، وحيث لا يشعر المنتصر القوي بأي حرج من السيطرة على الثروة، وحرمان الآخرين.

إذا فقدت القيم:

هنا يجأر النسا بالشكوى من غياب الأخلاق وفقدان القيم، فينفجر النزاع ويتصاعد العنف فيتشقق المجتمع، وتفقد الحياة معناها وطعمها، وإذن"لا يمكن للمجتمع المدني أن يقوم بدون نظام أخلاقي لكن ما هو أصل ومصدر الفكرة المترسخة في الوعي العربي الحديث، حول نسخ العلم والحضارة العلمية عامة للأخلاق، كمنظومة اجتماعية؟"

كيف جرت عقلنة هذا النسخ حتى أصبح انعدام الأخلاق يعني التقدم؟

في اعتقادنا أن مصدر هذه الفكرة، هي الفلسفة الوضعية والسوقية، التي ترى في العلم هدفًا لكل تقدم، وأنه النمط الأعلى، أو المرحلة الأخيرة لتطور الوعي البشري، وأن هذا التطور قد قضى على كل أشكال الوعي الأخرى، أو حل محلها، فأصبح في الوقت نفسه علمًا وأخلاقًا وأدبًا، فكل ما ليس بعلمي أو لا يمت إلى العلم بصلة، فهو من بقايا الماضي، ومن مخلفات الفكر اللاهوتي والميتافيزيقي والأيدلوجي والفلسفي، ولذا لا بد أن يزول لأنه رمز التخلف وعقبة أمام انتصار الإنسانية النهائي، فالعلم قد جب ما قبله، ولذا فإنه من المنطقي أن تصبح إزالة الأخلاق رمزًا للتقدم" (69) ."

إن الحكم على زوال الأخلاق بجرة قلم تشبه إلى حد موقف اليهود حين اكتشفت القارة الأمريكية، فقد سارعوا للقول: لا توجد قارة جديدة، لأن التوراة تنفي ذلك!

إن العقلية العربية"الحداثية"تبدو معجبة حتى العظم بهذا التوجه، ومسرورة له أعظم السرور.."لقد جذبت هذه الفكرة بقوة الوعي العربي، لأنها كانت تقدم له - في الحقيقة - مبررًا وحجة عقلية مقبولة، للاندفاع في تدمير المدنية العربية، التي أصبحت غريبة على التاريخ الحديث، وذلك بهدف الاندماح في الحضارة، وليس هذا التدمير إلا استجابة تلقائية لنظام"الغلبة الصاعد"، وتأكيدًا على توسع نفوذه" (70) .

وأحسب أن تطور العلم والمعرفة، لا يلغي حاجة المجتمع لنظام القيم والأخلاق، بل يستدعيها ويطلبها، لتضبط حركته ولا تسمح بالتفكك والتشرذم.

مسيرتنا الحضارية:

حين بدأنا مسيرتنا في التحضر، حتى صرنا قادة العالم، سارت خطانا في مسارين: الأول التمسك بما عندنا من قيم وأخلاق، والمسار الثاني كان الاغتراف من معارف الأمم السابقة ثم هضمه وانتاج معارف جديدة، وقد بقينا أوفياء حتى ضربنا الاستعمار الحديث، فهز قناعاتنا هزًا عنيفًا، فتخلى بعض أبنائنا عن عقائدنا وقيمنا وهرول خلف العدو الزاحف، معتقدًا أنه سيلحق به، إذا أخذ ما عنده! يذكرني ذلك بالسلطان العثماني الذي كان يسمع عن تقدم الغرب وتخلف بلاده، فأراد أن يذهب للغرب بنفسه ليكشف السبب، ذهب وعاد ليقول: وجدتها! إن الغرب يحلق لحاه ولا يلبس الطربوش ونحن لا نفعل ذلك، ونساؤهم تعيش مختلطة متكشفة، ونساؤنا ليس كذلك، والكل قد ابتعد عن الدين تقريبًا، ونحن لسنا كذلك.. وأشهد أن جل أهل الحداثة لا يختلفون عن السلطان العثماني، وهذا الشاعر ضياء ألب التركي يصرخ بأعلى صوته: نريد أن نقتبس كل ما لدى الغرب، حتى الجراثيم التي في بطونهم؟

درس من إفريقيا:

لقد أتيحت لي فرصة التجول في غربي وشرقي وجنوبي إفريقية، فلم أرَ من الحضارة الغربية سوى الحانات تزدحم بشاربي الخمور، ومرضى الإيدز يملئون المستشفيات، ورأيت شوارع بعض العواصم تجري فيها المياه القذرة، في سواقي غير مغطاة، ورأيت الشوارع الفرعية دون سفلتة ولا كهرباء.

وقد استعمرت فرنسا جزر القمر (160) سنة، فلما رحل الاستعمار لم يخلف مستشفى ولا مدرسة ولا جهازًا لتوليد الكهرباء، وهناك من يحن للاستعمار، ويعتبره من أنعم الله التي لا تجحد! إن الإنسان يمكن أن يمسخ بحيث يصبح عدو نفسه ودينه، ووطنه وأمته، لأن لوثة عقلية أصابته.

إلى كافة المتغربة:

يموج العالم بملايين متغربة تعيش أجسامها في مكان، وتحوم أرواحها وتتجه أبصارها صوب الغرب، فإلى هؤلاء - وفيهم الكثير من أبنائنا - أسوق شهادة لرجل تعلم في الغرب واستقر هناك، ويعمل في إحدى الجامعات، فقد كتب يقول (71) :"إن ازدهار الوعي والإنتاج الديني والفلسفي والأدبي والفني، وقيم التواصل عمومًا، لم يكن في أية حقبة ماضية أعظم مما هو عليه اليوم في"المجتمع الغربي"، مجتمع الإبداع العلمي والروحي معًا، دون منازع، والنمو الأخلاقي يتماشى دائمًا مع النمة الحضاري، ولا يتنافى معه، لأن الحضارة تخلق فائضًا في الوعي، لا تعبر عنه القيم النفعية والتبادلية، ولا تستوعبه، وما الانحطاط والبربرية إلا تقلص النشاطات الفكرية المتعددة والمتنوعة.. إن الأخلاق المدنية من فضيلة التضحية والمجانية والكرم، وإن أخلاق البربربة تقوم على المنفعة المباشرة، التي تستجيب إلى الصراع الذين لا يرحم، من أجل البقاء، وتستخدم الدين والعلم كوسيلة لهذا الصراع".

إن الفرق بين الإنسان والحيوان، وجود قيم وأخلاق لدى الإنسان وخلو الحيوان منها، فالأسد متى جاع يفترس أي حيوان يجده أمامه، فإذا تجرد الإنسان من القيم والأخلاق فسيكون حيوانًا يمشي على رجلين، يستعمل عقله وذكاءه للإيقاع بفريسته وان يفعل بها ما يشاء، وكلما تقدم الإنسان صار"وحشًا كبيرًا"، الحق عنده القوة، لذا من حقه أن يسلب الفقير الجائع لقمة طعامه.. لذلك فإن الأخلاق والقيم، ضرورية للمجتمع البشري، المتقدم منه والمتخلف، والسؤال: ما مصدر هذه القيم أولًا؟ وكيف يكتسبها المجتمع؟

مصدرية القيم وكيف تكتسب:

لا يوجد مجتمع بلا ثقافة، ولا مجتمع بدون قيم، فالقيم يتوارثها أفراد المجتمع، وهي نابعة من خبرة المجتمع الطويلة.. أصول القيم تعود للدين والعقيدة، وبعضها يعود للعادات، وبفضل التربية يتكون الشعور الأخلاقي.

لقد ساهمت الأديان بشكل عام، والسماوية بوجه خاص، في تطوير المفاهيم الكبرى، مثل الأخوة، والعدالة، والمساواة، وحقوق الإنسان، وحتى الحيوان، لكن المجتمعات الوضعية باشرت بوضع قيم جديدة، ومع مرور الزمن جرى التحرر من القيم القديمة، وهكذا تبدل الإطار المرجعي للأخلاق والقيم.

حين كانت الأديان هي المرجع صار جميع الناس لآدم، كلهم عباد الله، مؤمنهم وكافرهم، وصارت العبودية لله وحده، ليس لأحد سواه، وصار الناس سواسية كأسنان المشط، وأن الأفضل هو الأتقى، وهكذا تجاوز الإنسان حدود الدولة، فقامت بفضل الأديان إمبراطوريات كبيرة، وقُبل التعدد العرقي والديني كحقيقة واقعة، وهكذا قامت ثورة في مفهوم الإنسان لنفسه ولغيره، وفي معنى الحياة والهدف منها، ورسم العلاقة الاجتماعية والإنسانية بعناية ووضوح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت