فهرس الكتاب

الصفحة 1885 من 1942

ورغم ما أصاب القيم الأخلاقية من ضعف، بسبب ضعف الحماس الديني، فإن الحاجة ظلت تدعو لإعادة بناء هذه القيم، بناءً جديدًا، فنشأت فلسفة أخلاقية حديثة، تحاول جعل العقل والعلم هما السند الأساسي للأخلاق، ونظرًا للتفريط الذي حصل في الغرب بالنسبة للقيم الدينية وغيرها، فإن الغرب"لم يكن يعني إلغاء الأخلاق، بقدر ما هو تحقيق للفصل بينها وبين الدين، أو بالأحرى تأسيسها على مصادر جديدة، وجعلها أخلاقًا مدنية، ولذلك فإن الأخلاق العقلية التي أسست نفسها على فكرة"الواجب"، كما عبر عنها الفيلسوف الألماني"كانت"لم تلغ القيم القديمة، التي تحرم القتل والسرقة والكذب والغش..إلخ، ولكنها أبرزت أن الحفاظ على هذه القيم والمبادىء لم يعد ممكنًا، إلا إذا استند امتناع عقلي، ولم يكن هذا التصور في الواقع إلا أحد مظهر حركة العقلنة العامة، التي شهدها"المجتمع الغربي"في القرون الماضية، كمحاولة لرأب الصدع الذي خلقه تحلل الأيدلوجية الدينية وفسادها، وما كان لها مع ذلك أن تنشأ، لو لم تتحقق من قبل وحدة الإنسان وقدسيته في الأديان السماوية أو المقدسة" (72) .

لقد عبر هذا التطور قيام مفهوم جديد لسيادة الفرد، وهو دليل على المساواة الأخلاقية، وهي انعكاس لسيادة المجتمع، وهكذا صارت (حرية الفرد) مصدرًا لحرية الأمة وسيادتها، وبالمثل صارت سيادة الأمة وحريتها، هي الضمان لحرية الفرد وسيادته، ومع مرور الزمن راح يستقر في نفس الإنسان، الذي يعيش وفق هذه القيم، ويتأثر بها، أن التحرر من الدين وقيمه يؤدي لتحرر الإنسان.

من جهة أخرى، راح تعميق الحرية وتوسعها يصبح الأساس للشعور بالالتزام الخلقي، فإذا خمد هذا الشعور أو فسد فإن الشعور الأخلاقي، أو الالتزام الأخلاقي، سيفتح الباب للعودة القوية للأخلاق الدينية، باعتبارها السند والمرجع للمجتمع، وهذا ما نشاهده اليوم. فثمة أصولية دينية هندوسية، وأخرى أكثر عنفًا وتطرفًا، يهودية، ونصرانية، ومسلمة.. والمجتمع الأمريكي مثلًا، يموج بعشرات الألوف لجماعات متطرفة، لها مليشيات تبلغ أكثر من (360) ألفًا، كما ذكر الرئيس""كلينتون".. والانتحارات الجماعية خير شاهد ودليل."

من أزمتنا: تدمير القديم.. ولا جديد:

إذا كان المجتمع قادرًا على هدم القديم، أي قديم، وبناء جديد مكانه، فتلك سنة الحياة، أن يتنحى القديم ليوسع للجديد، ولكن أن تهدم شيئًا ثم تعجز عن بناء جديد مكانه، فذلك فشل، بل نكبة.

يقول د. غلبون (73) :"إن فهم الأزمة الأخلاقية التي يعيشها المجتمع العربي، والتي تتجسد بنظرنا في عجز التحديث عن تقديم إمكانية لنشوء"أخلاق عقلية"، في الوقت الذي يدمر فيه بانتظام السند الديني للأخلاق، يرجع ذلك إلى أسباب نابعة من طبيعة الحداثة نفسها، وإلى أسباب أخرى نابعة من الثقافة العربية ومن العلاقة الخاصة التي تربط بين الدين والمجتمع."

فبعكس ما حصل في الغرب، فقد نجح الإسلام منذ أيامه الأولى، في أن يوحد بين الدين كمصدر لأخلاق فردية خاصة، وبين الشريعة كمصدر لنظام اجتماعي سياسي مدني، ولعل ذلك راجع إلى أن الإسلام استطاع منذ البداية أن يوفق بين حاجات الحرية الشخصية، وحاجات بناء السلطة، ولم يضطر إلى إحداث القطيعة بينهما، وهكذا تطورت وبشكل مواز، ودون تناقض يذكر، النزعات الروحية والصوفية مع المنظومة الفقهية التي حاولت أن تستوعب التغييرات الاجتماعية وتفتح باب التأويل والتفسير، والاجتهاد العقلي.

وباختيار، لم يحصل في هذه التجربة ما يدعو للفصل العميق، بين الجهد العقلي الإنساني الروحي والوحي الإلهي، بل اعتبر هذا الجهد، متممًا للآخر، وموافقًا له، ون هنا استنتج المسلمون إن الإسلام"دين ودنيا".

والواقع أن الأديان لا تختلف فيما بينها حول اهتمامها بالروحي والمادي، بالفردي والعام معًا، ولكن مضمون التجربة الإسلامية الأساس، هو نجاح الإسلام إلى وقت قريب، في التوفيق بين مقتضيات الدين والدنيا، أي في تطوير المسائل الأخلاقية والسياسية والقانونية التي تواجه الجماعة المدنية، على قاعدة من السند الديني، ولم يضطر من أجل حفاظه على الدنيا، وتحقيق مكتسباته المدنية، إلى التخلص من الدين، أو شن حرب شاملة عليه، كما حصل في المجتمع الأوروبي، ولهذا لم تظهر العلمانية كمطلب أساسي في إيديولوجية التقدم الحديث الأولى…"."

وينبغي التذكر جيدًا أن حداثتنا العقلية تتلمذت على الغرب، لكنها جاءت مسخًا، بل نسخة مزورة، فحداثة الغرب ثورة روحية عقلية،ـ وحداثتنا ثورة على الإسلامي تحديدًا، وهروب من الأخلاقي إلى المحرم، ومصارعة"دونكتشيه"ينقصها المبرر.. خاض الغرب معركة شرسة ضد الكنيسة، أما نحن فليس لدينا كنيسة ولا معركة معها.. فما طبيعة معركتنا، وطبيعة معركة الغرب؟

معركتنا ومعركة الغرب:

في الغرب تجسدت النصرانية - وهي عقيدة بلا شريعة - بالكنيسة، ومع تقدم الأيام أصيبت الكنيسة بالتيبس والجمود، فحين اخترع شخص ألماني مصباحًا يعمل بالكاز، حكمت الكنيسة بكفره، لأنه خالف إرادة الرب، بجعل الليل المظلم منورًا.. وحين قال العلماء بكروية الأرض ثارت الكنيسة وعرضتهم على محاكم التفتيش الدينية، التي راحت تحكم بقتلهم، وقدر عدد من عرض على هذه المحاكم السيئة أكثر من (350) ألف إنسان بينهم الكثير من مسلمي الأندلس، وهنا حصلت ثورة ضد الكنيسة انتهت بهزيمتها، وكان من أسوأ مفرزاتها إلحاد العلماء، ورفع شعار:"العالم لا يكون متدينًا، والمتدين لا يكون عالمًا".

الإسلام ليس لديه كنيسة ولا رجال دين، ولا معصوم - كما هو حال البابا - والفقهاء رجال علم، قيمة ما يقولون يتأتى من قوة الدليل وصحته، وليس من مركز"المعصومية"التي لا تخطىء.. وحين أراد الخليفة الراشد عمر منع المغالات في المهور، تصدت له امرأة - على رؤوس الأشهاد - وساقت الدليل الشرعي، فلم يزد الخليفة على أن قال: أخطأ عمر وأصابت امرأة.

وقال له صحابي يومًا وهو على المنبر: لو نعلم فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا.. فلم يزد أن قال: الحمد لله أن وُجدَ في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يقوّم اعوجاج عمر.

أما معركتنا فكانت ضد الدولة، التي جاء بها الإسلام، ونظم حقوق وواجبات الحاكم والمحكوم.

إن المجتمع الشرقي عمومًا، والإسلامي على وجه الخصوص، يتخذ من الدين والقيم الدينية ملاذه، بل مصدر قوته، وهو يصارع الدولة، التي تحلم بالتوسع دائمًا، وبالغلبة أبدًا، وأن يكون الولاء لها أولًا وآخرًا.. إن معركتنا الأولى ضد الدولة التي لا تخضع لسوى قانون القوة، والتي تنتج القوة.

والمطلوب من الدين لجم سلطة القوة، وإخضاعها لمبادىء الشريعة وأحكامها، من هنا كان الإسلام وما زال قريبًا من المجتمع، وكانت الكنيسة ضد المجتمع، وضد العلم تحديدًا.

إن شرعية الدين في الغرب بيد الدولة، فهي التي تعترف بالكنيسة أو لا تعترف.. أما شرعية الدولة - عندنا - فهي بيد الإسلام، فالدولة التي لا يرضى عنها الإسلام لا شرعية لها.

إلى أن المسير؟

تحديث الدولة هدف الإنسان، وكذا النظام السياسي، في عالمنا العربي والإسلامي، وكان الأمل أن يتم ذلك دون خسائر ولكن الذي حدث أننا فرطنا بالقيم الإسلامية، والتحديث لم يأتِ كما يرادـ فلم تصبح الدولة عقلانية، ولا تقلص استبدادها، بل صارت غولًا يخيف الناس.. لقد"ظهرت العقلنة العربية كوسيلة لاستبعاد الجماعة عن السلطة، وأداة لتحديث وتقنية الدولة الاستبدادية، وقتل الروح الجماعية، والتفريط بالقيم الروحية والإنسانية."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت