وبقدر ما أصبحت الدولة عقلانية، وتمكنت من فرض التبعية المطلقة على الجماعة، جعلت من سيادتها محصلة لفقدان جميع الأفراد سيادتهم وحريتهم، لذا بدل أن يحصل هنا تقدم باتجاه استقلال الأخلاق عن الدين، واستنادها للعقل، حصل في الواقع انتكاس، من نموذج الأخلاق الدينية إلى نموذج الأخلاق البدائية التي تتجسد من خلال التماهي مع زعيم قائد ملهم، يشكل الولاء له، والإيمان به، مصدر كل سيادة، ومنبع الحق والأخلاق، كما أصبح صنع القائد المقدس، الذي يملأ على الناس حياتهم، وينيرها بكل الشموس، هو محور الفعل الأخلاقي وجوهره.
باختصار لم تعن العقلنة عندنا تجديد ميتافيزيقيا الأخلاق وإحياءها بقدر ما عنت التضحية بها لصالح ما اتفق على أنه التقدم العلمي، وما ظهر فيما بعد على أنه السلطة الجديدة.. ولعل هذا ما يفسر المصير المأساوي الذي لاقته فكرة العلمانية ذاتها، فبعد أن كانت تقضي بالفصل بين الدولة والكنيسة، وتحرير السلطة من العقيدة التي تحرمها من ممارسة العدالة والمساواة، تجاه جميع أعضاء الجماعة، أصبحت العلمانية تعني تمسك الدولة بالسلطة بدين أو بمذهب سياسي، وحرمان المجتمع من أي دين…" (74) ."
أراد البعض عندنا أن يهرب من الدين وقيمه ومحرماته، فسقط في أحضان الظلم والطغيان.
الإسلام.. جبل النجاة أم سبب التخلف؟
في مجلس جمع بعض المثقفين وأساتذة في إحدى الجامعات العربية، وبعد أن شرّق الحديث وغرّب، جاءوا على ذكر نظام عربي، فقال بعضهم: إنه إسلامي أكثر من اللازم، ومتزمت أكثر من المعقول، وجاء الرد، بل هو إسلامي"قشرًا"وغير مقبول فعلًا.. هذه المفارقة في وصف نظام معين، بأنه إسلامي أكثر من اللازم، وأنه في نظر آخرين ليس إسلاميًا بما فيه الكفاية، يذكرني بانقسام بعض مجتمعاتنا انقسامًا عموديًا حادًا. منذ سنوات قامت شركة خليجية بشراء قطعة أرض كبيرة لبناء مساكن أساتذة جامعيين بناء على طلب من الأساتذة، وبعد الشراء وتقسيم الأرض، رفض أساتذة إحدى الجامعات أن يسكنوا قريبًا من الأساتذة الآخرين، وانتهى المشروع كليًا إلى الفشل، وعرضت الأرض للبيع.
هذه صورة أخرى لانقسام داخل مجتمعنا، لا يبشر بخير، ولن يتحرك مجتمعنا، والبعض ضد الآخر بهذه الصورة.."ولعل هذا ما يفسر الموقف الانفعالي للعرب مع الإسلام، وانقسامهم بين التمسك بكل ما يمت إليه بصلة حتى لو لم يكن من صلب الدين، وبين الوقوف ضد كل ما يشير إليه دون تمييز! والأصل في ذلك أنه مازال المصدر الأول للأخلاق، في الوقت الذي تتحول فيه الأخلاق إلى الملجأ الأخير لإنسانية عربية، خانها التاريخ، وانحدرت بها المؤسسات القانونية والسياسية والاقتصادية.. فهو بالنسبة للبعض"خشبة الخلاص الوحيدة"، وهو بالنسبة للبعض الآخر العائق الرئيس، أمام الانعتاق والتحرر من كل قيد، ومن كل التزام جماعي."
ويعكس الموقف الانفعالي أزمة التربية العربية ومأزقها، ويطرح سؤالًا أساسًا وخطيرًا: من أين يأتي الإطار المرجعي لمنظومة القيم التي تنظم سلوك الناس، وتحدد ولاءهم في مجتمع معين؟ وهل من الممكن اختيار هذا المرجع، او هل هو مسألة اختيار، أم هو ثمرة لتطور موضوعي وتاريخي للثقافة القومية ذاتها، وأحد إبداعاتها؟ هل يكفي مثلًا أن ينادي مسؤول أو مثقف بأهمية هذه القيمة الفكرية والاجتماعية أو تلك، حتى تصبح مقدسة؟ وهل يمكن إسناد المنظومة الأخلاقية إلى إرادة حاكم أو مشرع، أو إلى الإرادة بشكل عام؟
إن ما يحصل في المجتمعات النامية من تبديد في الأرواح والثروات، واختلاس وتلاعب بالمصالح العامة، وبحصر الجماعات وحياتها>، يبين إلى أي حد يؤدي انحلال السند الروحي للأخلاق إلى فقدان الرادع الذاتي" (75) ."
الولاء والشعور الأخلاقي:
ومن المعروف أن الشعور الأخلاقي مثل الولاء، لا يمنح عن طريق الأوامر، ولا عن طريق استعمال القوة، وإنما هو يتطور مع الزمن، ويعكس علاقات الأخوة والتضامن والتوادد، والدين هنا يعتبر أكبر عامل ومنبع للأخلاق، ولكن ذلك ليس تلقائيًا، إذ لا بد من وجود عقيدة جامعة تجمع الكل، وإطار للتعاون والتضامن، فإذا صار الدين عقيدة باردة وصارت الأخوة مجرد كلام تلوكه الألسن، كما يحدث اليوم ببعض البلاد العربية والإسلامية، وصار التضامن مجرد عواطف، فإن الشعور الأخلاقي يمكن أن ينحدر وينام.
من الأمور المنغرسة في فطرة الإنسان، ميله لأخيه الإنسان، وحبه للتعرف عليه: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شُعوبًا وقبائل لتعارفوا) (الحجرات: 13) .. وإذا خلق الله الشعوب مختلفة لتتعارف، فإن النظم الاستبدادية جعلتها تتعارك وتتصارع، وبعض الدول تعجز عن إطعام شعبها وتطلب المعونات، وفي ذات الوقت تنفق الملايين على حروب طاحنة لا تبقي ولا تذر، متوخمة أن ذلك يحقق المجد الشخصي لها.
إن النظام الاجتماعي قد يعمل على تنمية العلاقات والشعور الأخلاقي، لكنه قد يفعل العكس، فيغتال ذلك، حين يكون النفخ في فئة أو جماعة، فتشعر أنها شعب الله المختار، وأن من سواها ليسوا أكثر من بهائم أو أنجاس، إن هذا النفخ وهو اليوم قائم بأكثر من بلد وشعب يقتل الشعور الأخلاقي، ويغطي على التضامن والمحبة، ويؤدي إلى تقسيم المجتمع إلى طبقات متصارعة، فتغتال المواطنة، كما يقتل الولاء.. إن منابع ومصادر الأخلاق في الأمم يستحيل تغييرها متى نشاء، وكما نشاء، لأنه يجب أن يتبدل بنياننا الثقافي، وهذا صعب للغاية.. الإنسان يبدل ملابسه بسهولة، ويغير بيته وأثاثه، وحتى جنسيته، لكنه لا يستطيع أن يغير أخلاقه بنفس السهولة، وعلى تجار الحداثة أن يعلموا ذلك جيدًا، ليكفوا علن وهم قلع الأمة من جذورها، ونقلها إلى ثقافة أخرى، وخلق جديد، وقيم جديدة.. إن قلع الجبال أيسر من تحويل ولاء الإنسان، وأيسر من تغيير قناعاته الأخلاقية، والتنازل عن قيمه الأساسة.
شبابنا والفراغ الروحي:
في أحاديثي مع طلبتي في الجامعة، أشكو من قلة الاهتمام بالحضور، ومن قلة الاهتمام بالدراسة، حتى المذكرات والكبت أراها متروكة في الأرض، فلماذا كل ذلك؟
يرد الطلبة: نحن ندرس ونسهر الليالي في الثانوية كي نحصل على درجات تؤهلنا لدخول الجامعات، فإذا نجحنا وجدنا الألوف تتزاحم على بضع مئات من المقاعد، ومن قُبل فهو يعلم سلفًا أن لا توظيف فعد التخرج، ومن كان أهله أغنياء، تزوج وشق طريقه في الحياة، ومن كان فقيرًا فعليه الانتظار.
الخلاصة، نخشى أن يصبح الشباب بدون أمل ولا عمل.. فمن أين تتوفر لديه الرغبة في الحضور والمذاكرة؟
تعرفت على طالب في بدل عربي، فأخبرني أنه نجح في امتحان الثانوية العام، لكن معدله كان ضعيفًا، فراح يعيد الامتحان على مدى أربع سنوات متوالية، ليحصل على مقعد في الجامعة، في الوقت الذي تخرج فيه زملاؤه.