ومن أهمّ القضايا: العلاقة بين العلم والإيمان، وربط هذا الأمر بالمسألة الخلقية «Ethic» بتصوّر يختلف عن الدعوة إلى «أخلاقية» بالمفهوم العلماني. ويمكن في هذا الصدد تقديم التصوّر الإسلامي ذي البعد الإنساني للمعرفة والعلم، من خلال مقاربات إسلامية للعلوم الإنسانية والعلوم الصحيحة، وتصحيح المسار الذي تسير فيه البشرية، وخاصة الغرب، في مجال سباق التسلّح، والتسيب الخلقي، وغياب الهدفية في الحياة، واختلال التوازن البيئي، وفرض نمط من السلوك والتفكير والتعامل باسم العولمة.
فبفضل ما يمتلك الباحثون ذوو الالتزام الديني من تصوّرات وثقافة ذات طابع ديني، يمكنهم المساهمة بأقدار كبيرة في قضايا حيوية مثل الحفاظ على البيئة، وهذه قضية جدّ خطيرة، يدل على ذلك بروز أحزاب في البلاد الغربية تسمى بالخُضْر، تزداد شعبيتها يومًا بعد يوم في ظلّ الأخطار التي أصبحت تحدق بحياة الإنسان ومحيطه جرّاء انتشار العقلية الربحية القائمة على الاحتكار والأنانية.
ويمكن للطرح الإسلامي -إذا حسن تقديمه- أن يساهم في دعم الوعي البيئي المتزايد لدى الرأي العام الغربي، بما يساهم في كبح جشع المؤسسات متعددة الجنسيات والأطراف المحتكرة للثروات الطبيعية. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: (( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ ) ) (الروم:41) ، بما يتماشى وفلسفة الإسلام للإنسان والكون والطبيعة، والتناغم بين الإنسان ومحيطه، بالنظر إلى وحدة الخَلق وتسخير الكون للإنسان، ذي المهمّة الاستخلافية في هذه الأرض التي عليه تعميرها وليس تخريبها.
أما على المستوى الاقتصادي، فيمكن الانطلاق مما توصل إليه الناقدون الغربيون أنفسهم من نقد للأبعاد الاقتصادية لكل من الاشتراكية والليبرالية، والنتائج المترتّبة على تطبيق مثل هذه المبادئ في الواقع. ومن بين السلبيات التي تم التركيز عليها انتشار العقلية الاحتكارية الربحية الجشعة التي تكون تارة سمة السلطة المركزية ومؤسساتها في الاشتراكية، وأخرى سمة الشركات الرأسمالية الكبرى في الأنظمة الليبرالية. ولعل مرض \"جنون البقر\"صورة من هذه الصور البشعة لهذه العقلية، حيث ثبت علميًا أن السبب الرئيس لهذا المرض يعود إلى تقديم دقيق الحيوانات الميتة المطحون كطعام للبقر الذي يصاب فيما بعد بالجنون.
ويكفي هذا المثال للدلالة على أنّ النجاح الاقتصادي لا يتوقف على حسن التخطيط والتسيير والإمكانات المادية والبشرية فحسب، وإنما هو مرهون أيضًا بالمنظومة الخلقية التي تُبنى عليها العملية الاقتصادية.
وعلى الكفاءات الإسلامية المتخصصة في المجال الاقتصادي أن تبرهن على سموّ التصوّر الاقتصادي في الإسلام، الذي يأمر بالقسط والعدل دون أن يكون ذلك على حساب الملكية الفردية، اعتمادًا على مبدأ «كل حسب جهده وبلائه وحاجته» ، والتأكيد على قيمة العمل وكراهية العبد البطال، وعلى الروح التضامنية، من خلال اعتبار المال أمانة في أيدينا، للفقير والمحتاج حق فيها عن طريق الزكاة والصدقة، وهذا ما يقودنا إلى البعد الاجتماعي المهم.
وعلى المستوى الاجتماعي، ينتظرُ المثقفين المسلمين دورٌ كبير فيما يتعلقّ بموضوع الأسرة، والتعامل بين مختلف الأجيال، والعلاقة بين الرجل والمرأة، وهو موضوع بالغ الأهمية لما له من تأثير في بقاء المجتمع وسلامته. وليس خافيًا على أحد ما وصلت إليه هذه العلاقات من انسداد وتأزّم بسبب غياب المرجعية الدينية أو فتورها، وطغيان المادية والفردية، وأزمة القيم، إلى حدّ أن الإنسان في الغرب لم يعد يشعر بالسعادة رغم ما يمتلك من أموال وثروات ووسائل ترفيهية وتقدّم عمراني، الأمر الذي يفسّر ارتفاع نسبة الجريمة ولجوء عدد من الشباب في ريعان العمر إما إلى الإدمان على المخدرات والخمر هروبًا من الواقع، أو إلى الانتحار لوضع حدّ لحياتهم التي لم يعد لها أي هدف، وهو ما يعدّ خسارة كبرى لطاقات وموارد بشرية تمثلّ عدّة الغد للمجتمعات الغربية.
وانطلاقًا من أن الدين الإسلامي رحمة للعالمين، فإنّ الواجب الديني-الإنساني يقتضي المساهمة، قدر المستطاع، في إرجاع الثقة والأمل إلى نفوس الناس، وخاصة إلى الشريحة الشبابية التي يتأثر بها أبناء المسلمين. ذلك أنّ الخلفية التي يجب أن تصاحب المسلم الداعية وهو يرشد الناس إلى الخير، تُبنى على النظرة المشفقة على البشر وليس على رغبة في الانتقام والتشفّي.
وبهذه النفسية، يكون الدخول من الباب نفسه الذي ينفذون منه عادة للتهجم على الإسلام، وهو موضوع المرأة، وذلك عبر شرح وتحليل وتفكيك وضع المرأة الغربية الذي لا تحسد عليه، بهدف إجلاء حقيقة الفخّ الذي نُصب لها بتخطيط محكم حتى تتحوّل إلى بضاعة للإغراء، وإعادة الاعتبار للمرأة الإنسان التي كرّمها الله سبحانه وتعالى في جميع الأحوال، وهي بنت وزوجة وأمّ وعجوز.
وإذا نجحت الكفاءات الإسلامية في توجيه الرأي العام الغربي نحو هذا الهدف الأخير فحسب، تكون قد قدمت خدمة حضارية عظيمة للبشرية وللفكرة الإسلامية، ذلك أنّ تصحيح وضع المرأة يعني إنقاذ المجتمع بأسره، لأنه كما هو معلوم، تمثّل المرأة نصف كلّ مجتمع، ويتربّى النصف الآخر على يديها. وهذه المسألة من التحديات الكبرى التي تطرحها العولمة الثقافية ذات النمط الغربي (الأوروبي-الأمريكي) السائد، أمام العقول الإسلامية.
ويرتبط بموضوع المرأة قضية التفكك الأسري الذي تعاني منه المجتمعات الغربية، وتقلّص قيمة قدسيّة الحياة الزوجية. وبدون شكّ فإنّ الطرح الإسلامي الذي يؤمن بقدسية الحياة الزوجية المبنية على عنصري المودّة والرحمة، وما يعني ذلك من غرس قيم الحبّ والتواصل والاحترام في نفوس الأجيال الصاعدة، يمكنه أن يعالج أزمة القيم فيما يتعلق بالعلاقة بين الرجل والمرأة، وتقديم حلول لقضايا المجتمع المرتبطة أساسًا بالمفهوم الشائع الخاطئ للحرية. ويبرز ذلك في معضلتين تعاني منهما المجتمعات الغربية والمجتمعات المقلّدة لنمط الحياة الغربية:
المعضلة الأولى: ظاهرة تزايد الجريمة والعنف. وبحجة عدم التعدّي على حرّية الفرد ومراعاة الظروف القصوى النفسية وغيرها للمجرم، أصبح بإمكان هذا الأخير التعدي على حقوق المجتمع، لأنه يعلم أنّ العقاب الذي ينتظره لا يتجاوز السجن ولو لفترة طويلة. فانشرت ظاهرة المجرمين الذين اعتادوا على الجريمة، لأنّهم اعتادوا على السجن. بل إنّ من المعضلات الاجتماعية في الغرب اليوم، قضية الاعتداء الجنسي على الفتيات والأطفال، المصحوب أحيانًا بالقتل العمد الذي لا يمكن وضع حدّ له إلا بالحزم. وقد ارتفعت أصوات عديدة تطالب بإعدام مرتكبي هذه الجرائم، والجدل قائم حول مفهوم القصاص وعلاقته بحرية الفرد.
والتصوّر الإسلامي واضح في هذه المسألة: (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حياةٌ ) ) (البقرة:179) ، واعتبار ذلك شرطًا لاستقرار المجتمع وأمنه: (( الَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ ) ) (قريش:4) . والمسلمون بإمكانهم المساهمة في معالجة الانحراف الذي شاب مفهوم القصاص، عن طريق تصحيح مبدأ الحرية، المرتبط في جوهره بالمسألة العقائدية الإيمانية واستشعار الرقابة الدائمة من القوّة المتصرّفة في هذا الكون.