فهرس الكتاب

الصفحة 1909 من 1942

إن صورة الهجرة الإسلامية لدى الإعلام والرأي العام الدولي يغلب عليها معنى هجرة الهامش من اليد العاملة غير المتخصصة، والكوادر العاطلة، والعقول الحرة المهجرة اليائسة. وهي صورة تقترب من حقيقة الحال ولكنها تندرج ضمن خطة الغرب في التحجيم من القيمة المستقبلية للهجرة الإسلامية، وتحويل وجهتها الاستراتيجية البنائية والتوطينية نحو إدارة أزمات الوجود اليومي في الغرب، داخل دوامة الاعتراف وضمان الشغل والسكن والأمن تجاه أخطار الاتجاهات النازية الحديثة المتنامية. إن الغرب وهو يعمق مصاعب إمكانات الوجود الاستراتيجي الفاعل للمسلمين في دياره، رغم شعاراته التمويهية عن الاندماج والمواطنة المتعددة الثقافات، التي يخدم بها غاياته الانتخابية المؤقتة وغاياته الاقتصادية الدائمة، إنما يزيد في ترسيخ سياسات هجرته العولمية المهيمنة على أوطاننا.

إن الغرب يدرك القيمة الحضارية للهجرة، وحتمية أن تنهض أمة الإسلام من جديد بطريق الهجرة، من خلال دراستها ونقدها لتجربته وتهيئتها للمخزون الروحي والثقافي والحضاري لعالم الإسلام، وهو منهج الاستيعاب والتجاوز الإسلامي، الذي لا يتبنى الثورة ولا المسايرة، وإنما الإصلاح البناء المتوكل على الله في كل أمره: (( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِاللَّهِ ) ) (هود:88) .

وكثيرًا ما ترفع عناوين الحوار الحضاري والتقارب بين الشعوب وعولمة الثقافة ليست لغايات تحرير الأمم المغلوبة من قبضة الغرب الغالب، إنما لتعميق صهر إراداتها ضمن نمطية الغرب، وشل قواها عن الإبداع. فهو منهج يقوم على امتصاص طاقات المقاومة لتيار التغريب داخل الأمم المغلوبة وإفراغ مخيلتها ومخزونها الثقافي من الإيمان بذاتها والاعتزاز بهويتها ومقوماتها الحضارية.

إن ظاهرة تنامي مجتمعات الهجرة والتعدد العرقي والديني تسير ضد تيار نمطية العولمة، التي عملت على طمس الهويات الجمعية وإذابتها ضمن الهوية الغربية الواحدة ادعاءً بنهاية زمن الأمم وبداية وحدة الهوية العالمية تحت خيمة رأس المال وسلطة اقتصاد السوق. ليست هذه الظاهرة إذًا نتيجة إرادية ومدروسة، لا من قبل الغرب ولا من قبل باقي الأمم والثقافات المعاصرة. ولا تعبر هذه الظاهرة عن وحدة مجتمعية أو أنموذج في التعددية الثقافية، إنما هي عبارة عن تداخل وتراكم عرقي وثقافي فرضه تطور الحاجة إلى التبادل بين الأمم، حاجة إلى التوسع وبسط النفوذ من جهة الغرب، وحاجة إلى اللجوء إلى الأمن والكفاف من جهة باقي شعوب العالم.

إن غياب الفكرة الموجهة أو القادرة على استيعاب هذه الظاهرة وتحويلها إلى أنموذج في الاعتراف بالهويات الجماعية الأقلية، أمام مصادمة الغرب لهذا المطلب الجديد الذي يعم أرجاء العالم وليس عالمه فحسب، يجعل منها ظاهرة حساسة قابلة للاستعمال المصلحي من الغرب أو التصدع في مواجهة أبسط الاختبارات في تقنين التعايش بين الجماعات المختلفة.

فعلى الرغم من أن تطور الهجرة الفردية إلى الغرب نحو تشكل وحدات جماعية عرقية وثقافية بل وحتى دينية، يمثل إكراهًا جديدًا وتحديًا خطيرًا على الحداثة الغربية الأحادية، غير أن طبيعتها القهرية غير الإرادية تجعلها سهلة الاستعمال من الغرب ذاته، لحجب نمطيته وتنميق صورته التعددية في العالم، التي باسمها وباسم وحدة شعوب العالم يستزيد ويضاعف من إمكاناته على التحكم في مقدرات العالم. كما أنه ليس من قبيل المفارقة أن يرافق هذا التنامي لمطلب الاعتراف بالهجرة الجماعية تنامي في ظاهرة التطهير العرقي والديني، أو نزعات الاستعلاء العنصري سواء داخل الغرب أو خارجه.

فتعدد الهويات الجماعية ليس وليد تطور فكري، وبلوغ نضج إنساني، وقد يكون أحيانًا من مصلحة الغرب ذاته تغذية انحرافاته وتفجراته لتيسير ترويج أسلحته وتجربة نجاعتها، أو للبرهنة على ضرورة الالتفاف حوله لإنقاذ مصير العالم من الدمار. ثم إن الفراغ الكبير في التداول الفكري لقضية الاعتراف بالهوية الجماعية للهجرة بين المؤمنين بها لا يساعد في بلورة المناهج والنظريات المستقبلية البديلة عن نظم الحداثة المعرفية والمؤسسية الغربية العاجزة عن استيعاب مثل هذا التطور في نمط الهجرة.

«إن نمط التعايش السلمي في أزمة» ( [2] ) ، هكذا عبر الفيلسوف الأمريكي «فالزير» عن مخاوف المفكر الغربي تجاه مستقبل مبدأ التسامح بين الشعوب الذي تعتبره الحداثة الغربية «الإطار الأنسب لنمو التعددية الدينية والعرقية» ( [3] ) .. كما أن مجتمع ما بعد الحداثة سيكون - كما يرى الفيلسوف الإنجليزي لوك - مجتمع الاعتراف بالفرد فقط، فما هو فردي هو إنساني. والعالم سيكون تجمعًا للغرباء، حيث لا هوية حتى للفرد، حسب استشراف الفيلسوف وعالم السياسة الكندي «تايلور» ( [4] ) .

لا نتصور في واقع الأمر أن هناك أزمة في التعايش بين الشعوب ومؤسسات مجتمعاتها المدنية، فموجات مناهضة تغول أجهزة عولمة السوق من أجل كبح جماح أولوية الرأسمال الاقتصادي على الرأسمال البشري، تحمل إجماعًا داخل الشعوب يتخطى جميع الفوارق المرجعية الثقافية والدينية. إن أنظمة الربح التي تقود مصير العالم اليوم هي التي تواجه مأزقًا حقيقيًا في قبول تطور المجتمعات الإنسانية من مجتمعات الهوية القومية الواحدة إلى مجتمعات الهوية المتعددة الثقافات، هوية مجتمعات الهجرة المتنامية داخل الغرب وفي أرجاء كثيرة أخرى من العالم.

إن غاية أنظمة العولمة من وراء خرق الحدود والتحجيم من المسافات والتسهيل في الاتصال لم تكن وحدة الشعوب والتقريب بين مطالبها والاتساق في طموحاتها، إنما عكس ذلك تمامًا. فالرأسمال البشري كان وما يزال أداة لتحقيق الربح المادي وليس غاية ولا معيارية في تصور القيمة.. وتسهيل التواصل داخل الرأسمال البشري غاياته سهولة تناقل السلع وليس القيم.

لقد شكلت المثل الإنسانية في الديموقراطية وحقوق الإنسان التي نصبها الغرب على مدخل مدينته للمهاجرين من أطراف العالم المتعددة، مجرد آليات تضمن نمطية النموذج الغربي في تحرير القيم والاقتصاد، بهدف فرض هذا الأنموذج على العالم كله. فكلما ارتفع صوت معارض أو مشكك في صلاحية الأنموذج الغربي إلا وقوبل بالإقصاء باسم «لا ديموقراطية لأعداء الديموقراطية» ، و «مقاومة الإرهاب» ، و «معركة العالم المتحضر ضد العالم الهمجي» .

وتحت هذه اللافتات قامت «أنوار» الثورة الفرنسية على الإبادة الجماعية لرجال الدين؛ ومن وراء حجاب التسامح خطت الحملات الصليبية مآثر مجازرها في العالم الإسلامي؛ ومن تحت مظلة الغفران تمرر المشروع الصهيوني في القدس الشريف؛ وباسم التقدم واللحاق بركب الحضارة فرضت مناهج التغريب على الوافدين من بلدان الجنوب والمتطلعين إلى دراسة الحضارة الغربية، وأحكمت قبضة التبعية على أنساق مجتمعاتهم الأصلية.

فحضارة الغرب المعاصرة غير مهيأة فكريًا واستراتيجيًا لاستقبال ظاهرة مجتمعات الهجرة الخارجية داخلها، فهي حضارة قامت أساسًا في وجهيها الأمريكي والأوروبي على الهجرة الداخلية الغربية/الغربية، وفرضت على الهجرة من خارجها، الإسلامية والإفريقية والآسيوية، ضوابط مرجعيتها من خلال آليات قوانينها ومؤسساتها «الديموقراطية» .. ولكنها الديموقراطية التي لا تكفل سوى حقوق الفرد داخل نمط المجتمع الواحد، وليس من مشمولاتها ضمان حق الجماعات التي تستند إلى مرجعيات مختلفة وربما متناقضة حيال مرجعية الغرب في فهم التعدد والحرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت