فهرس الكتاب

الصفحة 1910 من 1942

من ثم فإن مشكلة التعايش بين الجماعات المهاجرة داخل الغرب، وحتى خارجه - إذا اعتبرنا العالم قرية صغيرة بمنظور العولمة الغربية، يسودها نظام عالمي غربي واحد - ليست مشكلة تواصل بين الشعوب يمكن أن تعالج بوضع آليات للحوار بين الأديان أو بين الثقافات، بل هي مشكلة عجز عن إنتاج فكر إنساني تعددي جديد يجيب عن تحديات مجتمعات ما بعد الحداثة، المتعددة الثقافات.

فالحوار ليس مجرد آلية في التواصل، بل هو ذهنية حضارية شاملة تعبر عن وعي وحس وتقاليد مشتركة بين أطراف الحوار. ولا تكفي في إنجازه العزائم الصادقة، أو يتوقف على اتخاذ القرار الحاسم، فهو مرحلة من الوعي الجمعي بقيمة اختلاف الهويات الثقافية في كينونة الحضارة وصيرورتها، بلغها الإنسان مع أوج الحضارة الإسلامية، في حين يقف الغرب اليوم وهو يتخذ منعرجًا خطيرًا في تاريخ حداثته، مرتعش اليدين، مذهولًا أمام سؤال موت الإنسان ونهاية التاريخ.

فلا معنى لحوار حضاري دون مضمون لهذا الحوار، ودون أطراف متوازنة داخله، وإلا تحول إلى مسرحية تكرر زمن وهم القيمة الغربية الواحدة وعلو حضارتها. ولا وجود فعلي ضمن هذه الصورة لا لحالة حوار، ولا لحالة صراع بين عالم الغرب وعالم الهجرة إليه، للانفصال الكامل في طبيعة عالميهما رغم انتسابهما لوهم القرية الكونية؛ ولأن الغرب ما يزال مصرًا على الهيمنة الكاملة التي تقضي على أي هامش للاختلاف الذي هو قاعدة الحوار أو الصراع.

في هجرة العقول الإسلامية:

يسود الخطاب الإسلامي في تقييم الهجرة عامة وهجرة العقول الإسلامية خاصة نزعة رثائية، تحوم حول فكرة ضياع هذه الطاقات عن خدمة المسلمين، والتساؤل عن تدارك هذه الخسارة من خلال مد الجسور بينها وبين العالم الإسلامي. وهو خطاب يحمل الهجرة محملًا ضعيفًا ولا ينظر إلى أبعادها الحضارية، فضلًا عن كونه لا يستند إلى مرجعية إسلامية واضحة في تحديد مفهوم الانتساب للأمة الإسلامية، الذي يتجاوز حسب منطوق هذا الخطاب، الحدود التي وضعها الفكر السياسي الغربي لمصطلح العالم الإسلامي الجغراسياسي.

إن عالم الإسلام لا تضيقه الحدود المصطنعة، فـ (( فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) )، و «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (حديث قدسي) . ومقتضى التكليف الإنساني هو عمارة الأرض كلها، شهادة على الناس وخلافة لله. وأمة الإسلام هي أمة دين الفطرة، أي أمة الإنسانية جمعاء. ومن ثم كانت خيريتها مشروطة بخروجها للناس ودعوتها فيهم، قال تعالى: (( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) ) (آل عمران:110) .فهي أمة خارجة، أي تحمل الخصائص الإنسانية الجامعة، وليست أمة قومية محدودة جغرافيًا وسياسيًا، ولا حتى فكريًا، بالمعنى المتداول في الفكر الغربي. إن رابطة الأمة في المرجعية الإسلامية هي العقيدة، إيمانًا بعلوية القيم الإلهية وبمسؤولية الإنسان الكونية، فهي رابطة واعية لا تخشى الذوبان أو التصدع، ولا تلجأ إلى التحوط بنصرة العامل القومي والمصلحي.

إن مأزق الغرب في الاعتراف بالهويات الجماعية مرجعه حدود رابطته الضيقة وغير الواعية. فهي تقوم على الانتساب إلى الأرض ونظم تحقيق المصلحة التي تعبر عنها المؤسسات والقوانين والأعراف. من هنا كان تقسيمه للعالم ولخارطة الحلفاء والأعداء، وعلى هذه الخلفية الفلسفية ظهرت مصطلحات الدولة القومية، ودولة القانون، إلى بروز دولة العولمة التي لا تترجم عن مشروع عالمي منفتح بل تكرس خضوع رابطة الدولة لرغبات السوق. فهي دولة الانفتاح على السوق لا على الشعوب.

إن المعادلة الصعبة في تضمين الهجرة الإسلامية أصولها وفلسفتها المتميزة هي في تحويل هجرة السوق التي صممها الغرب الحديث إلى هجرة الرسالة المستنبطة من التصور الإسلامي لمستلزمات الرابطة الإنسانية، وفي الانتقال من هجرة/تهجير الفقر والظلم إلى هجرة الإرادة والدعوة، دون أن يمس هذا التحول من مشروعية الهجرة الحديثة ويفضي إلى قطيعة مع الغرب وثقافته، أو يجنح بالتصور الإسلامي إلى عالم المثل الذي لا قابلية له بالتحقق.

إن تحرير السؤال عن كيفية استفادة العالم الإسلامي من عقوله المهاجرة، من خلفيات ضيق الانتماء لهذا العالم وهيمنته، إلى سعة الانتساب لأمة الدعوة والرسالة، يقود إلى الوعي بأن ديار الغرب بالمفهوم الجغراسياسي هي نقطة مركزية في توجيه مستقبل للنهوض لأمة الإسلام، بالنظر إلى احتكارها لأدوات التحكم، وبالنظر كذلك لتنامي الوجود الإسلامي، كمًا وكيفًا، في هذه الديار.

لقد نجح الغرب في استقطاب الطاقات الفكرية للعالم كله. فهو يشرف بعلومه ومناهجه ومؤسساته على تكوين وتأطير وتوجيه أغلب طاقات دول الجنوب، داخل فضاء البلدان الأكثر تصنيعًا. فحوالي90% من العقول المهاجرة في العالم تختار الغرب وجهة للاستقرار.

وتمثل هجرة العقول الإسلامية أضخم هجرة متأتية من دول الجنوب. فعلى صعيد العالم، تأتي هجرة الطلبة من المغرب في المرتبة الثانية بعد الصين، وفي فرنسا مثلا يشكل الطلبة المهاجرون من أصل بلدان المغرب العربي أكثر من نصف مجموع الطلبة الأجانب. وتستوعب مؤسسات الغرب البحثية حوالي70% من الباحثين ذوي الأصول الجنوبية، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانفراد كتلة الغرب الليبرالي بالموارد البشرية النوعية في العالم ( [5] ) .

وضمن اقتسام مناطق النفوذ، تتجه أمريكا إلى استيعاب الطلبة والباحثين القادمين من آسيا والشرق الأوسط، في حين تواجه فرنسا بدرجة أكبر خصوصيات القادمين من العالم العربي وخاصة بلدان المغرب العربي وسوريا ولبنان، وتكاد تنفرد ألمانيا بالتعامل مع العقول الإسلامية التركية إضافة إلى مناطق عديدة من أوروبا الشرقية.

وقد يتوقع أن يكون في المستقبل أغلب الباحثين الفيزيائيين والمهندسين المستقرين في ديار الغرب من أصل مناطق الجنوب، على الرغم من أنه مع دخول أوروبا تجربة وحدتها الاقتصادية والنقدية، وفتح حدودها الجمركية بينها، بدأ الاهتمام يتجه نحو تشجيع تبادل الخبرات بينها، ومعادلة الشهادات والتنسيق في المقررات بين جامعاتها ومؤسساتها التعليمية العليا.

قد تحمل العقول الإسلامية المهاجرة معها خلفية حضارية شاملة ولكنها تتكبد ثقل مسؤوليتين، الأولى تجاه أوطانها الأصلية وتجاه مستقبل نهضة أمتها الإسلامية، والثانية تجاه الوجود الإسلامي في الغرب. تضاف إلى ذلك عوائق الاندماج في المؤسسات الغربية، التي تعود في معظمها إلى إرادة هذه المؤسسات في فرض مشروطية من جنس ثقافي تصادم بها الهوية الإسلامية، وربما تصادر بعض تجلياتها التي يمكن أن تربك مبادئ العلمانية الغربية من مثل أداء الصلاة وارتداء الحجاب وصوم رمضان. إن توزع معركة المثقف المسلم في الغرب بين هذه الجبهات الثلاث: تخلف عالم الإسلام، وهامشية الوجود الإسلامي في الغرب، والضغوطات التي يواجهها من قبل مؤسسات الغرب، يفرض عليه عدم التوقف عند امتلاك الخلفية الإسلامية فحسب، فهي تستلزم مشروعًا حضاريًا شاملًا ورؤية استراتيجية عميقة لأولويات النهوض الحضاري للأمة، ولدور الوجود الإسلامي في هذا النهوض، وإسهام المثقف فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت