وبوضوح نتلمس هذه الحقيقة في حركة الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله، فالذين كانوا مع نوح.. والذين كانوا مع شعيب وصالح وهود.. والذين آمنوا بموسى وعيسى.. والذين كانوا مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا فئة قليلة في العدد، ولكنهم الأكثرية في النوعيّة، ليس فقط لأن الواحد منهم كان يقابل عشرة، بل وأيضًا لان الاثنين منهم كانا واحدًا.. والثلاثة كانوا واحدًا.. والعشرة كانوا واحدًا. كانوا يتحركون باتجاه واحد، وكان تنفيذ القرارات سريعًا، وكان التعاون سائدًا بينهم، وكان كل واحد منهم يكمّل الآخرين، فلا يبقى في المجموع أي نقص. لذلك إستطاعوا أن ينتصروا على تلك المجتمعات الكبيرة الجاهلية، وهذا هو معنى الحيوية.
الصفوة الرسالية
والظروف الراهنة التي تعيشها أمتنا الإسلامية تشبه إلى حد بعيد تلك الظروف التي عاشتها الرسالات الإلهية في بداية إنطلاقها. فمع أن عدد المسلمين اليوم يتجاوز الألف مليون مسلم، إلا أننا لا يمكننا أن نفجّر طاقاتهم الايمانية بصورة فجائية، ونكوّن منهم -بين ليلة وضحاها- المجتمع الإسلامي الفاضل الذي هو خطوة في طريق بناء المجتمع الإنساني المثالي، وإنقاذ جميع مستضعفي الأرض، فهذه طريقة بعيدة جدًا، لأن أفكار الإنسان وقدراته والإمكانات المتاحة له كفرد أو كمجموعة إيمانية صغيرة محدودة جدّا، ومهما بذلت من محاولات للتوعية والتوجيه وكشف الحقائق أمام جماهير الأمة الإسلامية، فإنها بضآلتها الكمية لا تستطيع أن تواجه سيل الاذاعات والصحف والافلام والتوجيهات التي تبثها الجاهلية العالمية عبر شبكاتها الاعلامية.
إذن، فالذي ينبغي على الرسالي أن يفعله هو أن يبني تلك الصفوة التي تكوّن المجتمع الإسلامي الحقيقي، فيعود إلى مرحلة الرسالة الإسلامية في مكة المكرمة، حيث قام الرسول صلى الله عليه وآله بتكوين ذلك المجتمع الصغير عدديا والكبير نوعيًا، وذلك عبر ثلاث عشرة سنة كان صلى الله عليه وآله وسلم يواصل فيها الليل بالنهار في بناء الطليعة الرسالية، وهم صفوة المؤمنين الذين أصبحوا روّاد الحضارة الإسلامية عبر التاريخ.
وأقول لكل المؤمنين في الساحة الإسلامية: أن عليهم أن يكوّنوا من مجموعاتهم المتواضعة، هذا المجتمع الحيوي المنشود المؤلَّف من الصفوة المختارة، حيث لا يلبث هذا المجتمع الصغير بحيويته ونشاطه وتكامليته أن يكبر شيئًا فشيئًا حتى يحطّم كل الكيانات الجاهلية، ويفرض نفسه على الساحة الاجتماعية كلها، فيستقطب العناصر الجيدة، ويبعد العناصر الفاسدة، وهكذا عبر تحوِّل جذري، يشبه التحول الكيميائي في الحياة، يصبح هذا التجمع هو السائد على الساحة.
المجتمع النموذجي
إنّ الإسلام لا يمكن أن ينتصر الا بالإسلام، ولا يمكن أن نقيم المجتمع الإسلامي الا باقامة المجتمع الإسلامي، أي أننا اذا أردنا أن يسود الإسلام فيجب علينا أن نبدء بتطبيقه عمليًا في واقعنا، واذا أردنا أن نقيم المجتمع الإسلامي فيجب أن نقيمه أولًا في بيتنا، وفي أوساطنا القريبة ، لكي نعطي النموذج الحي لفكرتنا التي نريد أن نطبقها.
وعندما يشاهد عامة الناس تعامل المؤمنين الايجابي والودود مع أزواجهم وأبنائهم وإخوانهم، وعندما يشاهدون تجمعهم الايماني الفاضل في المسجد، وفي السوق، وفي الجامعة، وفي الإدارة، وأنهم كيف يتحابون ويتوادون ويتعاونون في الله، وكيف يكمّل بعضهم بعضًا، وكيف يقف بعضهم مع بعض، فسوف يكفيهم هذا النموذج دليلًا وشاهدًا على صدق الرسالة.
انني أدعو الجميع إلى أن يطرحوا على أنفسهم هذا السؤال: من أين يجب أن يتحركوا؟ وفي أي مجال يجب أن يبذلوا جهودهم؟
إن الإنسان كانسان، إذا أراد شيئًا فليس هناك في الحياة ما يحول بينه وبين إرادته، هذه سنَّة الله، وهذه هي الحقيقة التي ضمنها الله سبحانه وتعالى للبشرية، إنّه عهدٌ بين الله وبين الإنسان أن يتركه حرًّا في الدنيا. يقول الله سبحانه وتعالى: ?كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلآءِ وَهَؤُلآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا? الاسراء،20
ولكن بالرغم من ذلك، نرى أن كثيرًا من الحركات الإسلامية تود تطبيق الإسلام وإقامة المجتمع الإسلامي، ولكنها لا تفلح في ذلك، لماذا؟ لانّها لا تعرف أن الطريق الصحيح هو اقامة المجتمع الإسلامي أولًا في نفسها وواقعها، وأن هذا قد يقضي عليها بتحمّل كل التضحيات اللازمة من أجل صنع النواة الاجتماعية الحيوية الفاعلة.
والنصوص التي نذكرها فيما يلي من الكتاب والسنّة، إنّما هي برامج عمل لنا ولكل العاملين في الساحة، الذين يستبد بهم الألم من واقع أمتهم، ويهدفون إلى إقامة نظام إجتماعي ربّاني يقوم على قواعد إيمانية راسخة لا تتحقق إلاّ بالجدّ والإجتهاد، والتضحية والفداء.
لا.. للمجتمع الجاهلي
عندما دعا قوم موسى عليه السلام ربّهم أن ينجيهم من فرعون، قال الله سبحانه وتعالى:
?وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ? يونس،87
فَرفْض المجتمع الجاهلي، وإقامة المجتمع الإسلامي على شكل بيوت متقابلة إلى بعضها (إشارة إلى وجود علاقات متماسكة) وإقامة الصلاة، وإعطاء الأمل، كل ذلك يشكل الخطوة الاولى في طريق إقامة حكم الله، وهكذا فعل أصحاب الكهف، الذين يقول عنهم ربنا:
?وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْووا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيّءْ لَكُم مِن أَمْرِكُم مِرْفَقًا? الكهف،16
إنّهم اعتزلوا المجتمع المنحرف، وبنوا مجتمعهم الخاص بعيدًا عنه.
وكثيرة هي التوجيهات الإسلامية التي وردت بشأن رفض المجتمعات الجاهلية، وعدم الإندماج مع أولئك الذين لا يهتمّون بواقعهم الفاسد، الساكتين عن الظلم، المستسلمين للوضع الشاذ الفاسد.
إن المسلم لا يبقى في هذه القضية الحساسة غير عابىء، فعليك أن تفتش عن أصدقائك المؤمنين، وتعمل معهم على بناء المجتمع الفاضل، فليس لك الحق إذا كنت مؤمنًا رساليًا أن تصادق أيا كان، وأن تعمل في أي عمل شئت. إنَّ عليك أن تجعل أعمالك وأفكارك وارتباطاتك وحتى علاقاتك الشخصية موجهة باتجاه بناء المجتمع الإسلامي الرسالي الفاضل، ثم التحرك لنشر هذا المجتمع داخل الأمة الإسلامية كلها، والله سبحانه وتعالى يؤكّد في بعض الآيات على هذه الفكرة فيقول:
?فَاَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ? العَنْكبُوت،26
وقد لا تكون الهجرة المطلوبة هنا هجرة جغرافية بالضرورة، بل قد يكون المطلوب هجرة نفسية ومعنوية، أي التصرف في العلاقات مع المجتمع الجاهلي والمنحرف بطريقة تصون المؤمن من أن يتأثر بالسلبيات والإنحرافات السائدة.. فالمهم هو أن يهاجر المؤمن رقعة الأفكار والمبادئ والسلوكيات المنحرفة، كي يتسنى له بناء المجتمع الفاضل في أجواء الطهر والفضيلة والعلاقات الإيمانية.
وربما إلى هذه الحقيقة يشير الإمام الصادق عليه السلام حين يوجِّه المؤمنين إلى الإبتعاد عن الأجواء السلبية للمجتمع الفاسد حيث يقول: