فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 1942

(إن الله عزوجل أوحى إلى نبي من أنبياء بني اسرائيل: إن أحببت أن تلقاني غدًا في حظيرة القدس، فكن في الدنيا وحيدًا غريبًا مهمومًا محزونًا مستوحشًا من الناس، بمنزلة الطير الواحد الذي يطير في أرض القفار، ويأكل من رؤوس الأشجار، ويشرب من ماء العيون، فاذا كان الليل آوى وحده ولم يأو مع الطيور. إستأنس بربه، واستوحش من الطيور) .

هذا الطير مثل يضربه الله سبحانه وتعالى في هذا الحديث القدسي لأولئك الذين يفتشون عن هدفهم، ولو كان بالابتعاد عن الآخرين ممن لا يعيشون واقعهم وتطلعاتهم وأهدافهم.

وجاء في الحديث القدسي أيضًا:

(إن من أغبط أوليائي عندي عبدًا مؤمنًا ذا حظّ من صلاح، أحسن عبادة ربه، وعبد الله في السريرة، وكان غامضًا في الناس، فلم يُشر اليه بالأصابع، وكان رزقه كفافًا فصبر عليه، فعجلت به المنية فقلَّ تراثه وقلت بواكيه) .

ويقول الامام علي عليه السلام نقلا عن عيسى عليه السلام:

(طوبى لمن كان صمته فكرًا، ونظره عبرًا، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته، وسلم الناس من يده ولسانه) .

وفي حديث آخر عن الإمام علي عليه السلام:

(طوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعة ربه، وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في شغل، والناس منه في راحة) .

وفي حديث الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لهشام، يقول عليه السلام:

(يا هشام.. الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى إعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند الله، وكان الله أنيسه في الوحشة، وصاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة، ومعزّه من غير عشيرة.

يا هشام، قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الجهل مردود) .

وروي عن الإمام الهادي عليه السلام أنه قال:

(لو سلك الناس واديًا وسيعًا، لسلكتُ وادي رجل عبدَ الله وحده خالصًا) .

فتش ولو عن صديق واحد يكون في طريقك فهذا أفضل من عدة أصدقاء يمشون في طريق الشر.

ركيزة التجمع الإيماني

إذن، الوصول إلى المجتمع الفاضل لا يكون إلاّ عبر عملين متكاملين، الاول: بناء حواجز بيننا وبين المجتمع الجاهلي، لكي لا نتأثر بسلبياته، والثاني: أن نبني داخل هذا الحصن الذي نحصن أنفسنا به، مجتمعنا المثالي الفاضل، ولكن حينما ندخل حصن الايمان وحصن المجتمع الإسلامي فلابد أن نبني هذا المجتمع على أساس الحب في الله، والبغض في الله، هذا الحب وهذا البغض النابعين من ايماننا بقيمة محوريّة واحدة في كل الحياة، هي قيمة التقوى.

يقول الامام أبو محمد العسكري عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال لبعض أصحابه ذات يوم:

(يا عبد الله، أحبب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فانّه لا تنال ولاية الله الا بذلك، ولا يجد رجل طعم الايمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادّون، وعليها يتباغضون، وذلك لا يغني عنهم من الله شيئًا.

فقال له: وكيف لي أن أعلم أنّي قد واليت وعاديت في الله عزوجل؟ ومن وليّ الله عزوجل حتى أواليه، ومن عدوّه حتى أعاديه؟

فأشار له رسول الله إلى علي عليه السلام فقال: أترى هذا؟ فقال: بلى، فقال: وليُّ هذا وليُّ الله فواله، وعدو هذا عدو الله فعاده.. والِ وليّ هذا ولو أنّه قاتل أبيك وولدك، وعاد عدوّ هذا ولو أنّه أبوك وولدك) .

وقال الإمام الصادق عليه السلام:

(من أحب كافرًا فقد أبغض الله، ومن أبغض كافرًًا فقد أحب الله) .

ثم قال عليه السلام:

(صديق عدو الله عدو الله) .

فإذا رأيت رجلًا يعادي الله بعمله وفكره فصادقته، فانك تصبح عدوا لله سبحانه وتعالى.

وعنه عليه السلام:

(هل الدين الا الحب.. ان الله عزّوجل يقول: ?قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ?

يقول فُضيل بن يسار: سألت الإمام الصادق عليه السلام عن الحب والبغض أمن الأيمان هو؟ فقال: (وهل الإيمان إلاّ الحب والبغض. ) ثم تلا قوله ?حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ?

وقال عليه السلام:

(مِن حُبِّ الرجل دينه حبه إخوانه) .

وقال الإمام العسكري عليه السلام:

(حب الأبرار للأبرار ثواب للأبرار، وحب الفجّار للأبرار فضيلة للأبرار، وبغض الفجّار للأبرار زين للأبرار، وبغض الأبرار للفجار خزيٌ على الفجّار) .

إن المحور في الحياة هم الأبرار، فاذا أحبوا أحدًا دلّ ذلك على أنّه من الأبرار وهو زين له، واذا أحبهم أحد فهذا شيء طبيعي، واذا أبغضهم فاجر يدل على أنهم على حق، فإذا عاداك رجل فاجر فلابد أن تحمد الله وتعرف بأنّك على حق، فمقياس الحب والبغض يدور حول محور واحد وهو محور البر والفجور.

وقال الإمام الصادق عليه السلام:

(من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، فهو ممن كمل إيمانه) .

وفي حديث آخر يقول:

(من أحب الله وأبغض عدوه، لم يبغضه لوتر وتره في الدنيا، ثم جاء يوم القيامة، بمثل زبد البحر ذنوبًا كفّرها الله له) .

وقال عليه السلام:

(من أوثق عرى الايمان أن تحبّ في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله عز وجل) .

وقال عليه السلام:

(ان المتحابّين في الله يوم القيامة على منابر من نور، قد أضاء نور وجوههم ونور أجسادهم ونور منابرهم كل شيء حتّى يعرفوا به، فيقال: هؤلاء المتحابّون في الله)

وقال الامام الباقر عليه السلام:

(إذا أردت أن تعلم أنّ فيك خيرًا فانظر إلى قلبك، فإن كان يحبّ أهل طاعة الله عزّوجل ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبّك. وإذا كان يبغض أهل طاعة الله ويحبّ أهل معصيته فليس فيك خير، والله يبغضك، والمرء مع من أحب) .

وقال الامام الصادق عليه السلام:

(كلّ من لم يحب على الدين، ولم يبغض على الدين، فلا دين له) .

وقال الباقر عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

(ودُّ المومن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان، ألا ومن أحبّ في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فهو من أصفياء الله) .

صفوة الكلام

1-إن تفوق المجتمعات، وتطور الحضارات لا يكون بالكم والعدد، وإنما بحجم الحيوية والتفاعل في المجتمع .

2-وإن النبتة الإجتماعية الصغيرة التي تتسم بالحيوية والتفاعل تتحول بعد فترة إلى قوة هائلة يذوب فيها المجتمع الكبير، ونتلمس هذه الحقيقة بوضوح في حركة الرسل والانبياء عليهم السلام .

3-والظروق الراهنة تشبه إلى حد بعيد ظروف الرسالات الإلهية في بداية إنطلاقتها، لذلك ينبغي على الرسالي أن يعمل على بناء الصفوة المؤمنة التي تكوِّن المجتمع الإسلامي الحقيقي .

4-إن رفض المجتمع الجاهلي، وإقامة المجتمع الاسلامي على شكل مجموعات ذات علاقات متماسكة، وإقامة الصلاة، وإعطاء الأمل، كل ذلك يشكل الخطوة الأساسية في طريق إقامة حكم الله .

5-وكثيرة هي التوجيهات الاسلامية بشأن هجرة المجتمعات الجاهلية، ولكن قد لا تكون هذه الهجرة، هجرة جغرافية بالضرورة، بل قد يكون المطلوب هجرة نفسية ومعنوية .

6-إذن، فالوصول إلى المجتمع الفاضل لا يكون إلا عبر عملين:

ألف: بناء حواجز بيننا وبين المجتمع الجاهلي .

باء: بناء مجتمعنا المثالي الفاضل داخل هذا الحصن .. حصن الايمان، وحصن المجتمع الإسلامي .

ولابد أن نبني هذا المجتمع على أساس الحب في الله والبغض في الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت