لم يفهموا أن التشريع الإِسلامي يقتصر على العبادات وحدها . أو على"الأحوال الشخصية !"من زواج وطلاق وعتاق وإرث فحسب . وإنما فهموا أنه يشمل كذلك كل"المعاملات"التي يمكن أن تنشأ في المجتمع ، ما دام هذا المجتمع مسلما - أي قائما على أسس إسلامية - وما دام هذا المجتمع هو التعبير المباشر أو الانبثاق المباشر للفكرة الإِسلامية في عالم الواقع والعيان .
البيع والشراء والملك والرهن والإجارة والدين .. وكل المعاملات"المدنية"أو"الاقتصادية"بين الفرد والفرد أو بين الفرد والمجتمع أو بين الفرد والدولة ، يشرع لها الإِسلام ، وتقوم على أساس من هذا التشريع . فيحل البيع ويحرم الربا ، ويحرم الاحتكار ، ويحرم الغصب والسلب والنهب والغش والجور ، ويحرم تكديس الأموال في أيدي فئة من الأغنياء وحبسها عن بقية المجتمع ، وتؤدي أموال الزكاة وتنفقها الدولة في مصارفها المنصوص عليها ، وتحدد موارد لبيت المال وقواعد لتوزيع المال بين الناس . وتقوم من ذلك كله قواعد للعدالة الاجتماعية يحددها كتاب الله وسنة رسوله ، وتلتزم بها الدولة لتكون دولة مسلمة .
وسياسة الحكم ، وكل ما يترتب عليها من علاقات الفرد بالدولة والدولة بالفرد ، تحددها نصوص القرآن وروحه ، وتحددها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تحددها الجماعة المسلمة من وحي هذه وتلك . فَيُنَصّ على مبدإ الشورى . وعلى طاعة الله وطاعة الرسول ، وطاعة أولي الأمر المستمدة من طاعتهم لله والرسول كما حددها الخليفة الأول أبو بكر في صراحة حيث يقول:"أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم"وهو قول مستمد من نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (8) .
والتشريع الجنائي له نصوص محدودة واضحة تلتزم الجماعة المسلمة بتنفيذها ، في حد القتل والزنا والسرقة والخمر والردة والإِفساد في الأرض .. وفيما دون الحدود .. ملتزمين كذلك بالشروح النظرية والعملية التي تحتويها السنة ، من مثل:"ادرءوا الحدود بالشبهات"وقبول الفرد المجرم الذي يوقع عليه الحد فردا عاملا في المجتمع المسلم بمجرد توبته وإعلانه الإِقلاع عن جريمته ، وعدم تعبيره بها ولا قفل سبل العيش الشريفة أمامه من أجلها (9) ...
وتقاليد المجتمع وآداب السلوك وآداب الجنس تحددها كذلك تشريعات الإِسلام وتوجيهاته ، فَيُنَصّ على أن السلام والإخاء والتعاون والمودة والبر هي سمات المجتمع المسلم المتصل بالله . وتُحَدّد طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع المسلم تحديدًا صريحا واضحًا يشمل كل علاقات الجسد والروح ، ويُبَيّن ما تلبسه المرأة وما لا تلبسه وما تبديه وما تخفيه . وتبين آداب الجنس بما يحفظ نظافة المجتمع في ذات الوقت الذي ترضي فيه الفطرة السليمة وتشبع كل نوازع الحياة المستقيمة (10) .
وهكذا وهكذا تشمل الشريعة كل أمر من أمور الحياة .
وقد فهم المسلمون الأوائل من التشريع الإِلهي أنه المصدر الدائم للحياة . وأنه لا مصدر سواه - ولا يمكن أن يكون مصدر سواه - لتنظيم الحياة البشرية على الأرض .
وكان هذا بديهية من بديهيات الإيمان الجاد بالله .. وإلا فما معنى هذا الإيمان - حين يكون جادًا ومستقرًا في أعماق النفس - إذا لم يكن معناه التصديق بما يقوله الله للناس في كتابه ، من أنه - سبحانه - أراد لهم الخير بما شرع لهم ، وأنه ألزمهم - إلزامًا جادًا - بتنفيذ ما شرع لهم ، وأنه يعتبرهم كافرين وظالمين وفاسقين إذا لم يحكموا بما أنزل الله ؟!
وما معنى الإِيمان الجاد بالله إذا لم يصدق المسلم ما يقوله الله في كتابه ، من أن كل شرع غير شرع الله هو"هوى"لطائفة من البشر ، منحرف عن الحق ، وأن شرع الله وحده هو الحق ، لأنه صادر عن الحق الذي لا يظلم ولا يتبع الأهواء ؟
وما معنى الإِيمان الجاد بالله إذا دار في خلد المسلم أن علم الله محدود ، وأن علم البشر وتجربتهم أفضل من علم الله وأصدق ، وأولى بالاتباع ؟!
وما معنى الإِيمان الجاد بالله إذا دار في خلد المسلم أن هذا التشريع المفصل كله ، الموصول بناموس الكون وقوانين الوجود ، قد كان من أجل تلك الحفنة من العرب في شبه الجزيرة ، وفي فترة محدودة من حياتهم ، هي الفترة القصيرة التي قضاها الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم ، والله سبحانه وتعالى يقول له في كتابه إن هذا الدين للناس جميعًا:"للعالمين": ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) (11) ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (12) وإن القرآن - بكل ما يحوي من تشريعات وتوجيهات - هو الحق: ( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) (13) وهذا الحق موصول بناموس الوجود الأكبر: ( وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (14) فهذا التشريع الحق ، الذي بمقتضاه تجزى كل نفس بما كسبت ، هو من نفس الحق الذي خلق الله به السماوات والأرض ، وليس إذن حقًا جزئيا من أجل تلك الحفنة من العرب في شبه الجزيرة ، ولا موقوتًا بالفترة المحدودة التي قضاها الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم ، والله يقول للبشرية كافة - للعالمين - في آخر ما نزل من القرآن: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا ) (15) .
ما معنى الإِيمان الجاد بالله إذا دار في خلد المسلم شيء من ذلك كله ، أو ارتاب في"الحق"الذي يحمله هذا الدين ، بكل ما فيه من تشريع وتوجيه ؟
إنه تناقض مع حقيقة الإِيمان بالله .. لا يقدم عليه مسلم صحيح الإيمان صحيح التفكير .
وقد مرت أربعة عشر قرنًا منذ نزل هذا التشريع ، ومرت بالبشرية في أقطار الأرض تجارب شتى ، وتفلسف الناس وتعلموا ، ودرسوا في العلوم السياسية ما درسوا ، فإذا الخلاصة التي انتهوا إليها من هذا العلم كله: أن كل تشريع أرضي هو تعبير عن"الطبقة"التي تملك وتحكم ، وأنه يمثل مصالحها هي على حساب بقية الطبقات . فالإِقطاع مرة يحكم ، فيشرع لحساب طبقة الإقطاعيين ولحماية مصالحهم على حساب بقية"الشعب". ورأس المال مرة يحكم ، فيشرح لحساب طبقة الرأسماليين ولحماية مصالحهم على حساب العمال . ودكتاتورية البروليتاريا مرة تحكم ، فتشرع لحساب طبقة العمال ( نظريًا على الأقل ) على حساب بقية الآدميين .. ولم يحدث غير ذلك في التاريخ .
وهذا هو الذي قرره الله في كتابه ، من أن كل شرع غير شرع الله"هوى"يميل مع أصحابه حيث يميلون .