ثم .. لقد مرت أربعة عشر قرنًا منذ نزل هذا التشريع ، ومرت بالبشرية في أقطار الأرض تجارب شتى ، فإذا هذه التجارب ذاتها تثبت أن كل ما انحرف به الناس عن شريعة الله قد سبب لهم شقوة مريرة لا تكاد تطاق ، وهدد أمنهم وراحتهم ، ومزقهم شيعًا ، وأذاق بعضهم بأس بعض ، فضلا عن الشقاء العالمي الشامل الذي أنتج في التاريخ المعاصر حربين متتاليتين في ربع قرن ، والثالثة على الأبواب تهدد بأفظع دمار عرفه التاريخ . وفضلا عن تفتت الأسرة وتحلل الأخلاق وتمزق أعصاب الفرد بين شتى الاتجاهات ، مما تشهد به أمراض الجنون والاضطرابات النفسية والعصبية وضغط الدم وحوادث الانتحار التي شهدت منها البشرية في هذا الجيل ما لم تشهده مجتمعًا في أجيال !
وقد أدرك المسلمون الأوائل مع ذلك - وإن لم يفلسفوا علمهم كما نفعل نحن في هذه الأيام - أن في الطبيعة البشرية عنصرًا ثابتًا وعنصرًا متغيرًا على الدوام ، وإن ارتبط العنصران ارتباطًا كاملا في كيان الإنسان . وأدركوا كذلك أن تشريع الله الدائم للبشرية في جميع عصورها وأجيالها ، قد كفل العنصر الثابت والعنصر المتغير معًا ، وربطهما ربطًا محكمًا برباط الدين ورباط العقيدة في الله .
"في الإنسان عنصر ثابت مستمد من حقائق أزلية في تكوينه لا يغيرها تغير الأحوال والظروف:"
"أنه صدر عن إرادة الله: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (16) ."
"وأن البشر جميعهم من نفس واحدة: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) (17) ."
"وأن من هذا النفس - أي من جنسها - قد خلق"الزوج"الذي يلتقي بها ويوائمها: ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا(18) ) ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) (19) ."
"وأن من هذه النفس وزوجها انبث الخلق كلهم والشعوب: ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً(20) ) . ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(21) ) ."
"وقد ترتب على هذه الحقائق الأزلية حقائق أخرى فصارت مثلها دائمة لا تتغير:"
"ترتب عليها أن يحس الخلق - بفطرتهم ما دامت سليمة - يحسوا بعظمة الله بالقياس إلى ضآلتهم فيعبدوه ، ويستمدوا منه العون في الحياة ."
"وترتب عليها أن يحس الزوجان - اللذان خلقهما الله من نفس واحدة - بحنين والتصاق بعضهما ببعض ، وأن وجودهما لا يتكامل إلا متحدين متوادين متراحمين ."
"وترتب عليها أن يحس الناس - حين تصفو سريرتهم وتنظف نفوسهم - بالأخوة في الإِنسانية ، إذ هم من نفس واحدة ذات رحم مع الجميع ، فيتعاونوا ويتشاركوا في الخير ."
"تلك عناصر دائمة لأنها ترتكز على أسس دائمة ."
"وثمت عناصر أخرى تجدّ كل يوم ، نتيجة تطور المعلومات البشرية ، والتفاعل الدائم بين العقل والكون ، يحاول أن يتعرف أسراره ، ويستكنه كنهه ، ويستخرج كنوزه ، ويسخرها لمنفعته ، فتقوم أوضاع جديدة ، وينتقل الناس من بداوة إلى حضارة ، ومن زرع إلى صناعة ، ومن صناعة إلى .. ؟"
"والإِسلام دين الفطرة ، يجاري الفطرة البشرية في جانبيها جميعا"
"الجانب الأول يعطيه شرائع ثابتة . والجانب الآخر يعطيه أسسا ثابتة ، ثم يترك له مجال التطور الدائم في إطار تلك الأسس الثابتة ، متمشيا في ذلك مع فطرة الكون وفطرة الحياة ."
"الجانب الأول يعطيه العقيدة . والعقيدة في الله واحدة لا تتغير ، لأن الأساس الذي تقوم عليه ثابت لا يتغير ."
"وإلى جانب العقيدة يعطيه كذلك تشريعات الزواج والطلاق والحدود وتشريعات مدنية ودولية مختلفة ."
"الزواج والطلاق - أو العلاقة بين الرجل والمرأة عامة - عنصر ثابت له تشريع ثابت ، لأنه يرتكز على أسس لا تتغير . هي الرجل من جهة ، والمرأة من جهة ، والعلاقة الشديدة التي تجذب كلا منهما للآخر وتشده إليه ."
"والحياة تتغير ظروفها: المجتمع يتغير ، والاقتصاد يتغير ، ونظم التعليم تتغير . والسياسة تتغير . ولكن ذلك لا يغير شيئا من الحقيقة الثابتة التي تحكمها الفطرة بفسيولوجيتها وبيولوجيتها ، وغددها وكيماوياتها ، وهي أن الرجل رجل والمرأة إمرأة . ولا غنى لأحدهما عن الآخر ولا انفصال ولا استقلال (22) "
"والحدود - أي العقوبات المفروضة على الجرائم - عنصر ثابت كذلك لأنه يرتكز على شيء ثابت: هو علاقة الإِنسان بأَخيه الإِنسان - أو علاقة الفرد بالمجتمع - وحرمة كل إنسان التي لا يجوز أن يعتدي عليها الآخرون ."
"والحياة تتغير ظروفها: ارتباطات العمل تتغير . وعلاقات الإنتاج تتغير . وعلاقات الإِنسان"بالآلة"تتغير . والنظم السياسية تتغير . ولكن ذلك لا يغير شيئًا من الحقيقة الثابتة التي تحكمها وقائع التاريخ البشري . وهي أن الناس كلهم من نفس واحدة ، وعلاقة الرحم تربط الجميع" (23) .
"وكذلك بعض التشريعات المدنية لها صفة الثبوت كالبيع والإِجارة والرهن والدين والوكالة .. إلخ . فكانت لها تشريعات ثابتة . ومثلها التشريعات الدولية لتي تحكم علاقات الدول في السلم والحرب ."
"أما الجانب المتطور من الحياة البشرية ، وهو في الوقت ذاته متصل بالجانب الثابت ، فهو سياسة الحكم وسياسة المال ، و"شكل"المجتمع أو شكل البيئة من بدوية إلى زراعية إلى تجارية إلى صناعية .. إلخ"
"وتلك أمور كما قلنا تتطور بتطور العقل البشري وتفاعله مع الكون ، ولكنها في تطورها لا تنفصل عن الأصل الثابت ، ولا يمكن أن تنفصل ، بحكم وحدة الإِنسان وترابطه ، واستحالة تجزئته وتقطيعه ، وفصل بعضه عن بعض ."
"وفي هذه الأمور كان الإِسلام حكيما غاية الحكمة ، مسايرًا للفطرة ملبيًا لحاجتها ، فوضع الخطوط العريضة ولم يضع التفصيلات . أو وضع"الإِطار"الذي يريد للبشرية أن تتطور في حدوده ، وترك لكل جيل من الأجيال المتعاقبة أن يضع"الصورة"التي تناسبه وتعجبه ، وتتفق مع مزاجه وظروفه المادية ومبلغه من العلم والإِنتاج . بشرط واحد . هو أن تكون الصورة على قدر الإِطار ، لا أكبر منه فيتحطم ، ولا أصغر منه قيبدو حولها الفراغ ."
"في سياسة الحكم وضع أساسين: العدل والشورى: ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (24) ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (25) "
"ثم لم يحدد طريق الشورى . وهل يكون مجلس واحد أَو مجلسان . وهل ينتخب المجلس أو يعين . وهل يكون التمثيل شخصيًا أو مهنيًا .. إلخ .. إلخ .. وترك ذلك للتجارب البشرية واجتهادها في التطبيق ."
"وفي سياسة المال وضع مجموعة من الأسس ذات طابع واحد يجمعها في النهاية: هو ضرورة اشتراك الناس في الخير ، بحيث لا يكون منه محروم ."
"قرر القرآن أن المال في الأصل مال الله ، وهو أعطاه للجماعة: ( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) (26) . ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) (27) "