فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 1942

"وقرر أن الجماعة هي صاحبة الحق الأول فيه ، وأن الفرد"موظف"فيه يستحقه بحسن قيامه عليه ، فإذا لم يحسن القيام عليه عاد إلى الجماعة صاحبة الحق الأول فيه: ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) (28) ."

"وقرر أن الله يكره حبسه في يد فئة قليلة من الناس تتداوله فيما بينها ويحرم فيه مجموع الشعب: ( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ) (29) ."

"وقرر فريضة الزكاة على الأموال حقا معلوما للفقراء ، تأخذه لهم الدولة وتعطيه لهم من بيت المال: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ... ) (30) ."

"والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار" (31) ."

ويقول:"لأن يمنح أحدكم أخاه ( أرضه ) خير له من أن يأخذ خرجًا معلوما" (32) .

"وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:"لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهليها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر" (33) ."

"ثم لم يحدد طريق اشتراك الناس في مال الله الذي أعطاه للجماعة . وهل تكون بتأميم المرافق العامة . أم تكون بإشراك العمال في رأس المال ، أم تكون بإعطائهم الأجور التي تكفل حاجاتهم الضرورية التي بينها الرسول في حديثه:"من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا ، أو ليست له زوجة فليتخذ زوجة ، أو ليس له خادم فليتخذ خادما ، أو ليست له دابة فليتخذ دابة" (34) ."

"لم يحدد صورة معينة من هذه الصور ، وترك الأجيال المتعاقبة تفكر لنفسها في الصورة التي تناسبها ، وتتلاءم مع إمكانياتها . ولم يضع - في سياسة المال أو سياسة الحكم - تفصيلات ثابتة جامدة ، لكي لا تصطدم بالنمو المطرد في أحوال الجماعة ، والتطور المستمر فيها . ولكنه مع ذلك لم يدع هذه الأمور تفلت من الأصول الثابتة . ولم يدعها للناس يتصرفون فيها بلا دليل ، بحجة أنهم أعلم بأمور"دنياهم"! فقد كان هذا التصرف الحر - في أوربا ، وفي خارج الإِطار الإِسلامي عامة - شناعة بشعة يندى لها جبين الإنسانية"المتطورة"! كان الإقطاع في أوربا ثم كانت الرأسمالية بكل ما فيهما من مظالم غنية عن الوصف ."

وكلاهما حرام في نظر الإِسلام ، فهما يجعلان المال - سواء في صورة أرض أو رأسمال - دُولة بين الأغنياء وحدهم ، ويحرم منه بقية الشعب . ثم كان الخلاص منهما هو الشيوعية - أي العبودية المطلقة للدولة ، والدكتاتورية المطلقة على الأفراد !

"والإِسلام - كلمة الله لجميع البشر على الأرض ولجميع الأجيال - لم يكن ليترك الناس لمثل هذا"التطور"الذي يرسفون فيه في الأغلال ، وإنما يأخذ بيدهم دائمًا ويرشدهم ، حتى وهو يترك لهم حرية النمو وحرية التكيّف مع ما يجدّ من الأوضاع ، ليكلا يشردوا عن الطريق ، ولكي يحتفظوا بتحررهم الوجداني الدائم في جميع الأوضاع وجميع الأحوال" (35) .

وقد أدرك المسلمون الأوائل ذلك كله ، وإن لم يفلسفوه كما نصنع نحن ، فكان فقههم كله في الأمور الثابتة هو شرح النصوص وبيان حالات انطباقها مع المحافظة الكاملة عليها ، كما كان فقههم في الأمور المتغيرة - مع المحافظة الدائمة على أصولها - هو قولة عمر بن عبد العزيز:"يجدّ للناس من الأقضية ( من الأحكام ) بقدر ما يجد لهم من القضايا".

وأدرك المسلمون كذلك من مفهوم الإِسلام أن الأرض والسماء حسبة واحدة !

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة ، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها ، فليغرسها فله بذلك أجر".

"وأول ما يخطر على البال - من هذا الحديث - هو هذه العجيبة التي تتميز بها الفكرة الإِسلامية: أن طريق الآخرة هو هو طريق الدنيا بلا اختلاف ولا افتراق !"

"إنهما ليسا طريقين منفصلين: أحدهما للدنيا والآخر للآخرة ، وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك ، ويربط ما بين هذه وتلك ."

"ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة . وطريق للدنيا اسمه العمل ."

"وإنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة . وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل . كلاهما شيء واحد في نظر الإِسلام . وكلاهما مختلطان ممتزجان . وكلاهما يسير جنبًا إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه ."

"العمل إلى آخر لحظة من لحظات العمر . إلى آخر خطوة من خطوات الحياة . يغرس الفسيلة والقيامة تقوم هذه اللحظة . عن يقين !"

"وتوكيد قيمة العمل ، وإبرازه ، والحض عليه ، فكرة واضحة شديدة الوضوح في مفهوم الإِسلام . ولكن الذي يلفت النظر هنا ليس تقدير قيمة العمل فحسب ، وإنما هو إبرازه على أنه الطريق إلى الآخرة الذي لا طريق سواه ."

"وقد مرت على البشرية فترات طويلة في الماضي والحاضر ، كانت تحس فيها بالفُرقة بين الطريقين . كانت تعتقد أن العمل للآخرة يقتضي الانقطاع عن الدنيا ، والعمل للدنيا يزحم وقت الآخرة ."

"وكانت هذه الفرقة بين الدنيا والآخرة عميقة الجذور في نفس البشرية ، لا تقف عند هذا المظهر وحده ، وإنما تتعداه إلى مفاهيم أخرى تتصل بالكيان البشري في مجموعه ."

"فالدنيا والآخرة مفترقتان ."

"والجسم والروح مفترقان ."

"والمادي يفترق عن اللامادي ."

"والفيزيقا - بلغة الفلاسفة - تفترق عن الميتافيزيقا ."

"والحياة العملية تفترق عن الحياة المثالية أو عن مفاهيم الأخلاق ."

"إلى آخر هذه التفرقات التي تنبع كلها من نقطة واحدة ، هي التفرقة بين الدنيا والآخرة ، أو بين الأرض والسماء ."

"والكيان النفسي بحكم فطرته التي فطره الله عليها .. وحدة ."

"وحدة تشمل الجسم والعقل والروح . تشمل"المادة"و"اللامادة". تشمل شهوات الجسد ورغبات النفس وتأملات العقل وسبحات الروح . تشمل نزوات الحس الغليظة وتأملات الفكر الطليقة ورفرفات الروح الطائرة ."

"ولا شك أن جزئيات هذا الكيان متعارضة ، وأن كلا منها جانح في اتجاه ."

"ذلك إذا تركت وشأنها ، ينبت كل نابت منها على هواه !"

"ولكن العجيبة في هذا الكيان البشري ، عجيبة الفطرة التي فطره الله عليها ، أن هذا الشتات النافر المنتثر ، يمكن أن يجتمع ، يمكن أن يتوحد ، يمكن أن يترابط ، ثم يصبح - من عجب - في وحدته تلك وترابطه ، أكبر قوة على الأرض ! ذلك حين تقبس الذرة الفانية من قوة الأزل الخالدة ، فتشتعل وتتوهج ، وتصبح طليقة كالنور .. تمتزج فيها المادة واللامادة فهما سواء ."

"والطريق الأكبر لتوحيد هذا الشتات النافر المنتثر ، وربطه كله في كيان ، هو توحيد الدنيا والآخرة في طريق ."

"عندئذ لا تتوزع الحياة عملا وعبادة منفصلين ، ولا تتوزع النفس جسما وروحا منفصلين ، ولا تتوزع الأهداف عملية ونظرية ، أو واقعية ومثالية لا تلتقيان ."

"حين يلتقي طريق الدنيا بطريق الآخرة ، وينطبقان فهما شيء واحد ، يحدث مثل هذا في داخل النفس ، فتقترب الأهداف المتعارضة ، ويلتقي الشتات المتناثر ، ثم ينطبق الجميع فهو شيء واحد . وتلتقي النفس المفردة - بكيانها الموحد - تلتقي بكيان الحياة الأكبر ، وقد توحدت أهدافه وارتبط شتاته ، فتتلاقى معه وتستريح إليه وتنسجم في إطاره ، وتسبح في فضائه كما يسبح الكوكب المفرد في فضاء الكون ، لا يصطدم بغيره من الأفلاك ، وإنما يربطها جميعًا قانون واحد شامل فسيح ."

"والإسلام يصنع هذه العجيبة . ويصنعها في سهولة ويسر ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت