فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 1942

"يصنعها بتوحيد الدنيا والآخرة في نظام: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) . ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ."

"وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم الترجمة الكاملة الصادقة للفكرة الإِسلامية . ومن ثم كانت الدنيا والآخرة في نفسه طريقًا واحدا و"حسبة"واحدة" (36) .

وأدرك المسلمون كذلك أن"العبادة"في المفهوم الإِسلامي معنى شامل جدًا ، يشمل كل نشاط الحياة:

"من أبرز سمات المنهج الإِسلامي أنه منهج عبادة ، ولكن العبادة في هذا المنهح ليست مقصورة على مناسك التعبد المعروفة من صلاة وصيام وزكاة .. وإنما هي معنى أعمق من ذلك جدًا .. إنها الصلة الدائمة بالله ."

"هذه الصلة في الحقيقة هي منهج التربية كله . تتفرع منه جميع التفريعات وتعود في النهاية إليه ."

"والصلاة والصيام والزكاة والحج ، وسائر الشعائر التعبدية ، إن هي إلا مفاتيح . مجرد مفاتيح للعبادة ، أو"محطات"يقف عندها السائرون في الطريق يتزودون بالزاد . ولكن الطريق كله عبادة . وكل ما يقع فيه من نسك أو عمل ، أو فكر أو شعور ، فهو كذلك عبادة .. ما دامت وجهته إلى الله ."

"والعبادة بهذا المعنى تشمل الحياة ."

"إنها لا تقتصر على اللحظات القصيرة التي تشغلها مناسك التعبد ، وما كان هذا هو القصد من الآية الكريمة: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (37) . وإلا فما قيمة لحظات عابرة في صفحة الكون ، لا تكاد تترك لها أثرًا وتضيع في الفضاء ؟"

"إنما قيمتها أن تكون منهج حياة يشمل كل الحياة . قيمتها أن تكون خطة سلوك وخطة عمل وخطة فكر وخطة شعور ، قائمة كلها على منهج واضح ، يتبين فيه - كل لحظة - ما ينبغي وما لا ينبغي أن يكون ."

"ومرد الأمور كلها في ذلك هو الله ، هو المرجع الذي يرجع إليه في كل أمر ، ودستوره هو الدستور الذي يستشار في كل لحظة . يستشار في داخل القلب وفي وعي العقل وفي واقع السلوك ."

"وهذه هي العبادة في مفهوم الإِسلام ."

"ليس معناها أن يتزهد الإِنسان ويتنسك ويترهبن ."

"وليس معناها أن تستولي التقوى على قلبه في السجود والركوع ، فإذا ختم صلاته هبت في داخل نفسه نوازع الطمع والجشع والعدوان . أو تخاذل عن القيام بالأمانة . أو ضعف عن نصرة الحق . أو تواكل عن العمل المنتج في عالم الحس"

"كلا ! فما هو إذن موصول القلب بالله . إنه"متسكع"في"محطة العبادة"لكنه لا يسير في الطريق ."

"والعبادة هي السير في الطريق ، مع التزود بين الحين والحين ؛ السير في الطريق والقلب يحمل الشحنة الحية الواصلة ، التي تدفع للعمل . تدفع دائمًا إلى الأمام ."

"والإِسلام صريح في اعتبار العمل هو العبادة ، ما دام القلب يتجه فيه إلى الله: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(38) ) ."

"هذا هو منهج العبادة الذي يرسمه الإِسلام ويقيم عليه أسسه التربوية ، ويشترط فيه الصدق مع الله ، والتقوى لله ، أي الصلة الدائمة بالله (39) ".

وأدرك المسلمون أن الإِسلام معناه الاستعلاء .

( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (40)

أنتم الأعلون .. إن كنتم مؤمنين . فالاستعلاء صفة المؤمنين . ولكن أداته محددة واضحة لا تحتمل لبسا ، ولا تختلط بغيرها من الأدوات:"إن كنتم مؤمنين"أداته هي الإيمان !

إن الاستعلاء ليس مصدره قوة مادية أو معنوية من قوى الأرض . ليس مصدره المال . ولا الإِنتاج المادي . ولا العصبية القومية . ولا العصبية العنصرية . ولا أي معنى من هذه المعاني التي يستعلي بها الناس في جاهلياتهم المتكررة على مدار التاريخ .

إنما الاستعلاء مصدره الإِيمان .. وحده .

ولم يكن هذا خداعا من الله سبحانه لعبادة المؤمنين !

وإنما كان تربية لهم على الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

فالشخص المؤمن - المهتدي بهدي الله ، والمهتدي - من ثم - إلى ناموس الكون وناموس الحياة - هو فعلا شخص"أعلى"من بقية المخلوقات ."أعلى"لأنه يشرف على الكون من أفق أكبر وأضخم من آفاق البشر الذين لم يفتح الله عليهم بنعمة الإيمان . وفكرته عن الله والكون والحياة أكبر وأضخم من فكرتهم . وفكرته عن الإِنسان خاصة ، وعن الحياة الإنسانية ، هي أوسع وأشمل فكرة يمكن أن تخطر على قلب إنسان .

ثم إن هذه الفكرة الواسعة الشاملة عن الإنسان والحياة والكون ، هي ذاتها التي تحقق لهذا الاستعلاء في عالم الواقع ، رصيده من القوة المادية والمعنوية ، فإذا هو استعلاء متحقق في عالم الواقع كتحققه في عالم النفوس .

وقد أدرك المسلمون الأوائل هذه الحقيقة على أوسع مجالاتها وأعمقها .

فقد كان كل فرد منهم يدخل الإيمان في قلبه يحس من فوره أنه إنسان جديد أعلى من كل ما حوله من جاهليات الأرض .

ولم يكن ذلك - كما يبدو لأول وهلة - لأن الاهتداء إلى فكرة التوحيد ، يكشف للنفس عن تفاهة الأوثان وتفاهة التعبد إليها فيبعث في النفس الاستعلاء عليها . لقد كان هذا حقيقة ، ولكنه لم يكن كل الحقيقة في أمر الاستعلاء .

فلم تكن الوثنية مجرد"عقيدة"يواجهها المسلم بفكره وضميره فيستعلي عليها .

وإنما كانت"قوة"مادية ومعنوية .. قوة تتمثل في الرجال والمال والسلاح .. كما تتمثل في النفوذ والسيطرة والقدرة على الأذى والقدرة على الحيلولة بين الهدى وبين الوصول إلى الناس .

وهذا كله هو الذي استعلى عليه المسلمون الأوائل وهم أفراد ضئيلو العدد ضئيلو القوة ، لا حول لهم ولا طول . وصمدوا للكيد كله حتى انتصروا عليه .

فلم يكن استعلاء الفكر والمشاعر وحده . ولكنه استعلاء له رصيد في عالم الواقع يواجه القوة المادية والمعنوية ، المتمثلة في باطل الجاهلية التي تقف في طريق المؤمنين وتحاول تحطيمهم بكل سبيل .

ومرة أخرى استعلى المسلمون على جاهلية تفوقهم في القوة المادية والمعنوية حين جابهوا الفرس والروم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت