"ويستطيع الميتافيزيقي أن يقول إن هذا اللون من الحكم ( على الأعمال ) أقرب إلى الحقيقة الموضوعية لهذا العالم الذي نعيش فيه ، ولهذا الكائن ( البشري ) الذي يتكون منه البشر ، وللحياة التي يتكون منها تاريخ معيشتنا ، من أية نظرة ذات جانب واحد تنكر وجود قيم خلقية أسمى من الواقع الأرضي المستمر في الجريان . فالتاريخ ذو دلالة ، ذو معنى مطلق ، ولكن معناه لا ينتهي في ذاته . بل الأحرى أن هناك معايير ومقاييس ، أعلى من موكب الحوادث التي يتكون منها التاريخ ، وبهذه المعايير والمقاييس يمكن ، وينبغي ، الحكم على هذه الأحداث التاريخية ، وهي تُحكم بمقتضاها بالفعل ( في الفكرة الإسسلامية ) ".
كذلك كان مفهوم الإِسلام في نفوس المسلمين .
وكانت حصيلة هذا المفهوم بأصوله وتفريعاته سمات معينة اتسم بها المجتمع الإِسلامي ، وسلوكا معينا اتخذه المسلمون ، تميزوا به عن المجتمعات الأخرى كلها من قبلهم ومن بعدهم ، كما سجل ذلك المؤرخون جميعًا ، يستوي في ذلك المسلمون منهم ، والمستشرقون .
تميز هذا المجتمع بالطاعة لله وللرسول . طاعة جادة لا تتلكأ ولا ترتاب ..
وتظل الفروق الفردية بين الناس في مدى طاعتهم قائمة . ويظل الضعف البشري الذي يقعد بالنفس عن بلوغ المستوى السامق والاستواء عليه قائمًا كذلك . ولكن هذا وذلك لا يغيران شيئًا من الحقيقة الواقعة التي تبلغ أن تكون سمة للمجتمع كله ، يسجلها من يعيشون فيها ومن يطلعون عليها من الخارج ، كما يسجلها الباحثون في غضون التاريخ .. سمة الطاعة الجادة لله ولرسوله ، بلا تلكؤ ولا ارتياب .
لم يحدث - في غير المجتمع الإسلامي - أن قام مجتمع بأسره يحاول تنفيذ أوامر الله ، ويحاول إقامة المجتمع كله على أساس تعليماته ، نتيجة الإِيمان الجاد بها ، الإِيمان الذي يرسخ في أعماق النفس ، ويستقر في أعماق الضمير .
كل فرد في هذا المجتمع يحس - بطبيعة إسلامه - أنه مكلف . مكلف بتبعات معينة لا فكاك منها ، ولا محاولة للجدال فيها ، حتى حين تضعف عنها النفس ، وتنزوي عن القيام بالأمانة ، فهو ضعف يقرّ به صاحبه ولا يتبجح ، ولا يقول إن حكمه هو في الأمر خير أو أصح من حكم الله ورسوله .
كل فرد يحس أنه مكلف بطاعة الله وتنفيذ أوامر الله .
مكلف أن يكون هو في ذات نفسه مسلمًا ، منفذًا لتعاليم الإِسلام .
مكلف أن يكون سلوكه الشخصي مطابقا للصورة التي يريدها الله ورسوله للفرد المسلم ، لا في الكليات فحسب ، بل في أدق التفصيلات ؛ حتى طريقة السلام ، حتى طريقة الجلوس والمشي ، حتى طريق تنظيف الفم والأسنان .
ويحس - في أعماق ضميره - أنه لا يوجد صغير وكبير في هذه التكاليف . لا يوجد مهم وتافه . لا يوجد ضروري وغير ضروري .. إلا ما أباح الله ورسوله الخيار فيه بين الرخصة والعزيمة ، فهو عندئذ وما يستطيع . أما التكاليف المنصوص عليها فهي للطاعة والتنفيذ . التنفيذ الجاد المقترن بالإِيمان بالله . والإِيمان بأن الإنسان لا يكون مسلما إذا لم ينفذها بحذافيرها ، وبالصورة التي عينها الله ورسوله . يستوي في ذلك سواك الأسنان والجهاد في المعركة . حتى ليربط المسلمون بين هذه وتلك ، ويفسرون إبطاء النصر عليهم في إحدى المعارك بأنهم قد أهملوا السواك ! فينبه بعضهم بعضًا إلى الواجب المتروك ليستحقوا نصر الله !
ذلك أن مصدر السواك واحد في الأمرين: الطاعة لله وللرسول .
ويحس كل فرد مسلم أن عليه واجبا في ذات نفسه وواجبا في المجتمع الذي يعيش فيه .
واجبه في ذات نفسه - كما أسلفنا - أن يصنع من نفسه: من شعوره وتفكيره وسلوكه العملي جميعًا صورة مسلمة ، مطابقة - بقدر ما تطيق طبيعته - للصورة الإسلامية الصحيحة التي بينها القرآن وسنة الرسول . فيحب الناس ، ولا يحقد عليهم ، ولا يغتابهم ولا يلمزهم ، ولا يؤذيهم في كرامتهم ، كما لا تمتد يده بالأذى إلى أموالهم وأعراضهم ودمائهم ، ويخلص لهم النصيحة والمودة والإِخاء . ويرعى الله في عمله فلا يغش ولا يخدع ولا يسلب ولا يغتصب . ولا يتقاعد عن العمل وهو قادر عليه . ويؤدي أماناته لله ، وهي أمانات شتى تبدأ بأمانة الإِيمان بالله والاعتقاد بربوبيته والطاعة له ، وتتفرع عنها كل الأمانات الأخرى من عبادات ومعاملات .
وواجبه في المجتمع الذي يعيش فيه أن يعينه ويشترك معه ويحمل نصيبه من التبعة في إقامة هذا المجتمع على الأسس الإسلامية النظيفة القويمة . فلا يكفي أن يكون هو ذاته في سلوكه صورة من الفرد المسلم . وإنما ينبغي - لكي يتم إسلامه ويصح - أن يسعى لأن يكون المجتمع كله هو الصورة الإِسلامية . وأن يحتمل في سبيل ذلك ما يكلفه إياه من الجهد والمشقة والجهاد .
أحس كل فرد مسلم وكل مسلمة أن هذا واجبهما في ذات نفسهما وفي مجتمعهما . لا فكاك ولا نكوص ولا تلكؤ ولا ارتياب .
ومن هنا كان المجتمع الأول - في مجموعه - هو تلك الصورة الوضيئة النظيفة .. النظيفة في الخلق وفي السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والنشاط الفكري والروحي والعملي والحربي .. وكل منحى من مناحي الحياة .
لم يحس المسلم أنه سيعبد ربه - فيما بينه وبين نفسه - ثم يكون سلوكه العملي كيف شاء أو كيف شاء أي مجتمع آخر غير مسلم . كما لم يحس أنه يستطيع أن يترك مجتمعه ينحرف عن سلوك الإِسلام .
ولم تحس المسلمة أنه ستعبد ربها - فيما بينها وبين نفسها - ثم يكون سلوكها في ملبسها وزينتها وطريقة تعاملها مع الرجل وطريقة تفكيرها وشعورها كيف شاءت ، أو كيف شاء أي مجتمع آخر غير مسلم . كما لم تحس أنها تستطيع أن تترك مجتمعها ينحرف عن سلوك الإِسلام .
إنما أحس كلاهما أن واجب إسلامه يلقي عليه تبعة ضخمة في ذات نفسه وفي ذات مجتمعه . تلزمه أن يكون في يقظة دائمة لكل صغيرة وكبيرة يأتيها هو أو مجتمعه . يقظة يحس فيها أنه في كل أمر من هذه الأمور محاسب أمام الله ، وأن عليه أن يحاسب فيها نفسه قبل أن يحاسبه الله .. وبذلك كانوا مسلمين !
ثم كانت حصيلة هذا الإِدراك لمفهوم الإِسلام ، أن أحست تلك الجماعة المسلمة أنها - بطاعتها لله واتباعها لشريعته وأوامره - هي القوة العليا في هذه الأرض . هي القوة المسيطرة المهيمنة ، التي ينبغي أن تأخذ بزمام البشرية كلها وتقودها إلى الطريق القويم .
لم يدخل في هذا الإحساس أي تقدير أو مقارنة للقوى المادية أو المعنوية بين هذه الجماعة وجماعات الأرض الأخرى التي لا تهتدي بهدي الله .
ولو دخل في حسابهم أي تقدير أو مقارنة بين عدد الرجال وقوة السلاح وقوة العلم وقوة الحضارة وقوة التنظيم . إلى آخر تلك القوى المادية والمعنوية ، لنكص المسلمون على أعقابهم ، بل لما فكروا قط في التحرك ، بل لا نزووا في داخل أنفسهم مدحورين مهزومين .. يحسون بالضآلة ويحسون بالهوان !
وإنما دخل في حسابهم شيء واحد . هو الحقيقة التي تنبع منها جميع الحقائق . أنهم هم المؤمنون . هم الطائعون لله ورسوله . وإذن فهم الأعلون . وكل قوى الأرض إزاءهم ضئيلة ضئيلة لا يقام لها حساب .
ثم كان هذا حقًا ...
فبطاعتهم لله ورسوله أصبحوا حقًا هم القوة العليا في هذه الأرض . القوة المسيطرة المهيمنة ، التي أخذت بزمام البشرية كلها وقادتها إلى الطريق القويم .
ولم يكن الفتح الحربي وحده هو حصيلة هذا الإحساس . وإن كان في ذاته ظاهرة مذهلة في التاريخ البشري .
وإنما كان الإسلام"حركة"قوية مندفعة بكامل حيويتها في كل اتجاه .