فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 1942

فالنظم والحضارات التي وجدها الإِسلام في طريقه ، سرعان ما استوعبها ، وأعطاها روحه ، فصارت نظمًا وحضارة إسلامية ، ثم بسطها الإِسلام - بصورتها الإِسلامية - في كل مكان وطئته أقدام المسلمين .

و"العلم"الذي وجده الإِسلام في البلاد المفتوحة ، سرعان ما تبناه ، وتوفر عليه ، دراسة وبحثًا وتعميقًا وتوسعة ؛ ثم أعطاه طابعه الخاص فصار علمًا إسلاميًا ، ثم بسطه الإِسلام - بصورته الإِسلامية - في كل مكان وطئته أقدام المسلمين ، واستنار به لا المسلمون فحسب ، بل كل متعلم على ظهر الأرض .

يقول"جب"في كتابه"الاتجاهات المعاصرة في الإسلام":

"أعتقد أنه من المتفق عليه أن الملاحظة التفصيلية الدقيقة التي قام بها الباحثون المسلمون قد ساعدت على تقدم المعرفة العلمية مساعدة مادية ملموسة ، وأنه عن طريق هذه الملاحظات وصل المنهج التجريبي إلى أوربا في العصور الوسطى:"

ويقول"بريفولت في كتابه"بناء الإنسانية Making of Humanity":"

"لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية على العالم الحديث ... ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوربا الحياة ، بل مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية . ولكن على الرغم من أنه ليس ثمت ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوربي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإِسلامية بصورة قاطعة ، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون ، وأهم ما تكون ، في نشأة تلك الطاقة التي تكوّن ما للعالم الحديث من قوة متميزة ثابتة ، وفي المصدر القوي لازدهاره: أي في العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي".

وغير هذا وذلك من تقاليد الحياة وأساليبها ، وقيمها ومبادئها ، نشرته هذه الجماعة المسلمة المؤمنة بالله ، الطائعة لأوامره ، وظل راسخًا في بنية البشرية حتى بعد أن انحسر العالم الإِسلامي وتخلى عن مهمته الأصيلة في الهيمنة على البشرية وقيادتها في الطريق القويم ، مما قرره مؤرخو الغرب المنصفون أنفسهم حتى وهم يكرهون الإِسلام ، ويكيدون للإِسلام !

ولكن الصورة الكاملة للمفهوم الإِسلامي عن المسلمين الأوائل ، لن تتم في أذهاننا ، ولن نتصورها على حقيقتها ، حتى نرى إلى جانب هذه الصورة العامة ، صورة واقعية من الحياة الإِسلامية كما تتبين في نماذج من المجتمع المسلم .

نماذج من المجتمع المسلم

قلنا في الفصل السابق إن المفاهيم العامة للإِسلام لا يتم تصورها حتى نراها في صورة واقعية من حياة المجتمع المسلم الذي عاش هذه المفاهيم بالفعل ، وأخذها أخذًا جادًا ، فانفعلت بها نفسه ، وحققها في واقع سلوكه .

والمعتاد - وهو أمر طبيعي - حين تؤخذ نماذج للمجتمع المسلم ، أن تؤخذ هذه النماذج من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والصحابة البارزين الذين حققوا في ذوات أنفسهم بطولات فذة ، خالدة في تاريخ الإِنسان وفي ضمير الكون .

وهو أمر طبيعي كما قلت . فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسوة والقدوة . وقد كانت كل دقيقة من دقائق حياته مبسوطة أمام المسلمين لتكون لهم النموذج الكامل الدائم الذي يرجعون إليه في كل تصرفاتهم ، ويحاولون - بقدر ما يطيقون - أن يقبسوا منها ويقتدوا بها ، ويتأسوا بها في الشدائد والصعاب .

والصحابة رضوان الله عليهم هم نماذج"بشرية".. صحيح أنها نماذج ممتازة ، نادرة في التاريخ البشري ، ولكنهم ولا شك بشر تشربت أرواحهم النور العلوي فارتفعت به ، وصارت إلى تلك النماذج العالية التي تشرف بها البشرية في جميع أعصارها وجميع أحوالها . والتأسي بهم والاقتداء بأعمالهم وأفكارهم ومشاعرهم محاولة مفتوحة أمام المسلمين في كل جيل ، يصلون منها إلى ما تقدر نفوسهم عليه .

فأخذ النماذج من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم ، أمر طبيعي حين يراد إعطاء صورة بارزة مكتملة للمجتمع المسلم ، خالدة على مدار التاريخ .

ولكنا هنا في هذا الكتاب خاصة ، الذي نتحدث فيه عن الإِسلام"الشعبي"إن صح التعبير ، الإسلام المطلوب من كل فرد ، والمفروض فيه أن يقدر عليه كل فرد ، مع عمل حساب للفروق الفردية بين الناس في الطاقات والاستعدادات ، وعمل حساب للضعف البشري"الطبيعي"الذي يقعد بالإِنسان عن بلوغِ القمة التي تقدر عليها طاقاته واستعداداته ، أو يقعد به عن الاستواء على هذه القمة حتى إذا وصل إليها أحيانًا ...

هنا في هذا الكتاب خاصة لا نريد أن نقصر نماذجنا على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان قدوة المسلمين في كل وقت وكل جيل ، ولا على الصحابة رضوان الله عليهم وإن كانوا دون شك من عمل الإِسلام ، ونتيجة من نتائجه . بل لا نريد أن نقصر هذه النماذج على فترات البطولة الصاعدة في حياة الأفراد العاديين ، التي ترتفع بهم على ذواتهم ، وتجعل منهم أبطالا خالدين في ضمير الكون ، ولو لم يسجل التاريخ العادي منهم إلا مجرد أسماء .. أو أشخاصًا بلا أسماء !

إنما نريد أن نعرض - إلى جانب هذا كله - نماذج من حالات"الضعف البشري"في المجتمع المسلم ، حالات الهبوط عن القمة السامقة المطلوبة أو المرغوبة ، لنعطي صورة واقعية لهذا المجتمع في جميع صوره وحالاته من جهة ، وليعرف الناس من جهة أخرى أن الإِسلام نظام واقعي في مواجهتته للنفس البشرية والواقع البشري ، وأنه لا يحملهم فوق طاقاتهم ، ولا يفترض فيهم الرفعة الدائمة التي لا تسقط أبدًا ولا تهبط أبدًا ، ولا يطلب منهم أن يلغوا بشريتهم ليكونوا مسلمين ، وإنما يعاملهم على أنهم بشر ، ويتطلب منهم ما يقدر عليه البشر . ثم ليرى الناس من جهة ثالثة كيف كان الإِسلام في المجتمع المسلم يواجه لحظات الضعف العارضة ، التي تعرض للناس في حياتهم بسبب ثقلة الأرض وجواذبها ، وكيف كان يسعى إلى علاجها لترتفع النفوس من جديد ، وتصل إلى المستوى المطلوب ثم إلى المستوى المرغوب .

والآن نعرض هذه النماذج كما تعرض لنا بغير ترتيب معين مقصود:

"جاء أعرابي يومًا يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا فأعطاه . ثم قال له: أحسنت إليك ؟ قال الأعرابي: لا . ولا أجملت ! فغضب المسلمون ، وقاموا إليه ؛ فأشار إليهم أن كُفُّوا . ثم دخل منزله ، وأرسل إلى الأعرابي وزاده شيئًا ، ثم قال: أحسنت إليك ؟ قال: نعم . فجزاك الله من أهل ومن عشيرة خيرًا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك ، فإذا أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي ، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك . قال: نعم . فلما كان الغداة جاء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا الأعرابي قال ما قال ، فزدناه ، فزعم أنه رضي . أكذلك ؟ فقال الأعرابي: نعم . فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا . فقال صلى الله عليه وسلم: إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه ، فتبعها الناس ، فلم يزيدوها إِلا نفورا ؛ فناداهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها وأعلم . فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها ، فأخذ لها من قمام الأرض ، فردها هونًا هونا ، حتى جاءت واستناخت ، وشد عليها رحلها ، واستوى عليها . وإني لو تركتكم حيق قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت