فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 1942

لذلك لم يكن طرد الفرنسيين من مصر أو انسحابهم حدثا حقيقيا في عالم الواقع ، بعد هذه الهزيمة الداخلية التي خلفتها الحملة في نفوس المسلمين !

وهنا يجدر بنا أن نقف وقفتين قصيرتين قبل أن نمضي في استعراض التاريخ:

فقد حرص الاستعمار الصليبي أولا - وجاراه في ذلم المؤرخون المسلمون - على إخفاء العنصر الصليبي إخفاء كاملا من الحملة الفرنسية على مصر ، وما تلاها من الاستعمار الغربي على نطاق واسع في بلاد المسلمين . بل لقد وصل الأمر - في سبيل إخفاء القصد الصليبي من الاستعمار الحديث كله - إلى حد الزعم بأن الحروب الصليبية ذاتها لم تكن صليبية ( !! ) وإنما كان الدين فيها ستارًا يخفي المطامع الاقتصادية ! وتلوك هذا الزعم من ورائهم أفواه"مسلمة !"يدور أصحابها في طاحونة الاستعمار مغمضي العينين في بلاهة ، أو .. لقاء أجر معلوم !!

وحرص الاستعمار الصليبي ثانيًا - وجاراه في ذلك المؤرخون المسلمون - على القول بأن الحملة الفرنسية على مصر كانت هي الخير والبركة ، لأنها أيقظت المسلمين من سباتهم ، فأفاقوا يتطلعون إلى"النهضة". إلى"القوة". إلى"التقدم".. إلى"الأخذ بوسائل الحضارة الحديثة".. وباختصار: أيقظتهم إلى الخير في كل اتجاه .

فأما الزعم الأول فلسنا نحن الذين نرد عليه ! فنحن متهمون كيفما كان الرد !

وإنما يرد عليه الكتّاب المسيحيون أنفسهم ، في كتبهم التي يؤلفونها لتقرأ هناك .. ويطّلع عليها من يريد الاطلاع .

"روم لاندو Rom Landow"مؤلف مسيحي معاصر ؛ يعيش في أحداث القرن العشرين ، بعقلية القرن العشرين - تلك العقلية التي يقال لنا هنا في الشرق إنها قد تحررت من سخافات الدين والتعصب الديني ، وليست مثلنا متأخرة جامدة رجعية - وهو يكتب عن هذه الأحداث في الشمال الأفريقي خاصة . وله كتاب سماه"مأساة مراكش The Moroccan Drama"جاء فيه في ص 310:

"ويقول كلوسترمان وريتزر من رجال البرلمان الفرنسي إن مسيو بيدو وزير خارجية فرنسا كان ينظر إلى الحوادث الجارية في مراكش على أنها معركة بين قوى المسيحية والإسلام ولما حاولا إقناعه بوضع حد للحركة الهدامة في مراكش ، أجاب قائلا:"هذه معركة بين الهلال والصليب !""

فهل صدق الذين يدورون في طاحونة الاستعمار الصليبي مغمضي العينين في بلاهة ، كيف تنظر فرنسا إلى علاقتها بالمغرب .. الآن .. في القرن العشرين .. المتحرر من خرافة الدين والتعصب الديني ؟! وهل يستكثرون بعد ذلك أن تكون الروح الصليبية قائمة في نفوس الفرنسيين في القرن الثامن عشر ، القرن الذي لم يكن بعد قد"تحرر !"من عصبية الدين ؟!

هذا عن فرنسا ..

أما بقية أوربا الصليبية ، فهذا ولفرد كانتول سميث يقول عنها في كتاب"الإِسلام في التاريخ المعاصر"الذي سبقت الإِشارة إليه ، في ص 109 - 110:

"إلى أن قام كارل ماركس وقامت الشيوعية ، كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( يقصد الإِسلام بطبيعة الحال ) هو التحدي الحقيقي الوحيد للحضارة الغربية الذي واجهته في تاريخها كله . وإنه لمما يستحق التذكر: أن نتذكر كم كان هذا التحدي حقيقيًا ، وكم كان يبدو في وقت من الأوقات تهديدًا خطيرًا حقا ."

"لقد كان الهجوم مباشرًا ، في كلا الميدانين الحربي والعقيدي . وكان قويًا جدًا . ولا شك أنه بالنسبة للمسلمين يبدو أنه الحق والصواب ، وأنه الأمر الطبيعي والمحتوم ، أن يمتد الإِسلام كما امتد . ولكن الأمر يختلف بالنسبة لمن يقع خارج نطاق الإِسلام ، الذي لم يكن يرى فيه شيئًا من ذلك كله ، والذي كان التوسع الإِسلامي يقع على حسابه . وقد كان هذا التوسع إلى حد كبير على حساب الغرب . فقد فقدت المسيحية دفعة واحدة"أجمل مقاطعات الإِمبراطورية الرومانية"لنتسلمها منها القوة الجديدة ، وكانت في خطر من ضياع الإِمبراطورية بكاملها . وعلى الرغم من أن القسطنطينية لم تقع - تماما - في يد الجيوش العربية كما وقعت مصر وسوريا ، فقد استمر الضغط عليها فترة طويلة . وفي موجة التوسع الإسلامي الثانية وقعت القسطنطينية بالفعل سنة 1453 ، وفي قلب أوربا المفزعة ذاتها أحاط الحصار بفينا سنة 1529 بينما ظل الزحف الذي بدا عنيدا لا يلين ، مستمرًا في طريقه . وحدث ذلك مرة أخرى في وقت قريب لم يتطاول عليه العهد في سنة 1683 ، وإن وقوع تشيكوسلوفاكيا في قبضة الشيوعية عام 1948 لم يكن له قط في العصر الحديث ذلك الفزع في نفوس الغرب المتهيب ، كما كان لذلك الزحف المستمر قرنا بعد قرن ، من تلك القوة الضخمة المهدِّدة التي لا تكف ولا تهدأ ، ويتكرر انتصارها مرة بعد مرة ."

"وكما هو الأمر مع الشيوعية ، كذلك كان التهديد والانتصارات ( الإسلامية ) قائمين في عالم القيم والأفكار أيضًا . فقد كان الهجوم الإسلامي موجها إلى عالم النظريات كما هو موجه إلى عالم الواقع . وقد عملت العقيدة الجديدة بإصرار على إنكار المبدأ الرئيسي للعقيدة المسيحية ، التي كانت بالنسبة لأوربا الاعتقاد السامي الذي أخذت تبني حوله - في بطء - حضارتها . وكان التهديد الإِسلامي موجها بقوة وعنف ، وكان ناجحًا نجاحًا مكتسحًا في نصف العالم المسيحي تقريبًا . والإِسلام هو القوة الإِيجابية الوحيدة التي انتزعت من بين المسيحيين أناسًا دخلوا في الدين الجديد وآمنوا به .. بعشرات الملايين ."

"وإنه لمن المشكوك فيه أن يكون الغربيون - حتى أولئك الذين لا يدركون إطلاقا أنهم اشتبكوا في مثل هذه الأمور - قد تغلبوا قط على آثار ذلك الصراع الرئيسي المتطاول الأمد ... أو على آثار الحروب الصليبية التي استغرقت قرنين من الحرب"العقيدية"العدوانية المريرة".

فهل صدق الذين يدورون في طاحونة الاستعمار الصليبي مغمضي العينين في بلاهة ، كيف تنظر أوربا إلى العالم الإِسلامي حتى هذه اللحظة ، وما هي الدوافع الحقيقية الأصيلة وراء هذا الاستعمار ؟!

حقيقة إن الاستعمار الأوربي - المدفوع قطعا بدوافع اقتصادية - لم يقتصر على العالم الإِسلامي ، وإنما استعمر كل أرض استطاع أن يغتصبها من أصحابها في الشرق أو الغرب . ولكن هذه الحقيقة لا يجوز أن تلهينا عن الحقيقة الأخرى وهي أن الدافع الصليبي كان راسخا وأصيلا في اتجاه الاستعمار الأوربي إلى العالم الإِسلامي ، وأن الدافع الاقتصادي لم يكن وحده هو المسيطر على مشاعر المستعمرين تجاه المسلمين ، بدليل كافٍ واضح - سنبينه في هذا الفصل - هو أنهم لم يكتفوا في العالم الإِسلامي بالاستغلال الاقتصادي ، وإنما عملوا عملا جادًا متواصلا مصرًا على تحطيم قواعد الإِسلام ، وتوهين عراه في النفوس ، بينما لم يتعرضوا أي تعرض للهندوكية في الهند - مثلا - ولا للبوذية في الصين ، وهما من الوجهة العددية أضعاف المسلمين !

هذا بالنسبة للنقطة الأولى ، الخاصة بالهدف الصليبي في الحملة الفرنسية على مصر ، الذي ينبغي أن يكون قد اتضح - فيما أحسب - في نفوس القراء ، والذي يفسر لهم - فيما أحسب كذلك - سر وضع القوانين"المدنية"ليحكم بها المسلمون في مصر .. بمعزل عن شريعة الله .. وحصر هذه الشريعة في"الأحوال الشخصية"للمسلمين !

أما النقطة الثانية ، الخاصة بالخير والبركة العميقة التي حلت بمصر والعالم الإِسلامي نتيجة هذه الحملة .. فتدور حولها كذلك في نفوس المسلمين أوهام وأساطير ! بما في ذلك"المؤرخون"المسلمون المحدثون !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت