حقيقة إن الحركة"العلمية"استيقظت على"الصدمة"التي أصابت المصريين نتيجة الهزيمة .. ولكن هذا لا يُرجع"الفضل"إلى الحملة الفرنسية المستعمرة الغاصبة ! ومفهوم جدًا أن يقول الأوربيون ذلك . أما واجبنا نحن حين نؤرح فهو أن نضع"النوايا"في الحساب . فهل كان غرض فرنسا أن"تحضر"مصر وتعلمها ؟ أم كان غرضها أن تقتل شخصيتها"و"تفرنسها"كما حاولت أن تصنع في تونس والجزائر ومراكش ، وكل بلد دنسته أقدامها بالاستعمار ؟"
ومن جهة أخرى .. ماذا كانت النتيجة العملية للحملة الفرنسية بالنسبة لمصر الإِسلامية ؟ هل كانت هذه"القيظة"التي حلت بمصر ، قائمة على مقوماتها الطبيعية ، وجذورها الحقيقية ، وموروثاتها ومقدساتها ، أم قامت على أنقاض هذا كله ، لتخلق من مصر بلدًا أخر بعيدًا عن الإِسلام ، أو .. منسلخا من الإِسلام ؟
ومن جهة ثالثة .. يغفل أولئك"المؤرخون"حقائق التاريخ التي وقعت بالفعل ، لا التي كانت محتملة الوقوع !
فمن قال إن الحملة الفرنسية على مصر هي المفتاح"الوحيد"للبركة والخير ، الذي كان يمكن أن يقع في يد المسلمين فيوقظهم إلى ما هم فيه من جهالة وجمود وتأخر ، ويدفعهم إلى الحركة الحية من جديد ، حتى توضع حولها كل هذه الهالات التي تدرس للتلاميذ في المدارس والطلاب في الجامعات ؟!
ومتى حدث في تاريخ الإِسلام أن تركه الله يذوي ويموت ، دون أن يبعث فيه من يوقظه من سباته ويعيده للحركة الحية من جديد ؟
وما نظرة أولئك المؤرخين إلى الحركة الوهابية التي قامت تهدف إلى تنقية الإِسلام من الخرافة المتعفنة التي شاعت في أفكار المسلمين باسم الإِسلام ، والحركة المهدية التي قامت تهدف إلى تخليص المسلمين من النير الإِنجليزي الذي أحاط بعنق مصر في شمال الوادي مع خضوعها اسميا للخليفة العثماني ، ثم تخليص العالم الإِسلامي من النير التركي . وغيرهما من الحركات الإِسلامية التي تهدف كلها إلى تصفية الإسلام ورفع الظلم الاجتماعي والسياسي والفكري والروحي الواقع على المسلمين ، وبعث الإسلام من غفوته ليؤدي دوره في الواقع الحي للبشرية ؟
أم البعث لا يكون بعثا حتى يجيء على أيدي المستعمرين من فرنسيين وغير فرنسيين ؟
تلك - على أي حال - من آثار السموم التي وضعها الاستعمار الصليبي في نفوس المسلمين !!
وما نريد أن ننكر دلالة التاريخ ..
فقد كانت الهزيمة قائمة بالفعل في نفوس المسلمين يوم جاءت الهزيمة الحربية في الميدان .
ولكن ذلك - كما قلنا - لم يكن معناه أن الإِسلام كان قد انتهى وآذن بالزوال .
فقد احتاج الاستعمار إلى جهود مضنية للاستيلاء على العالم الإِسلامي استغرقت قرنا من الزمان ، واحتاج إلى قرن آخر لمحاولة تقويض الإِسلام من الداخل .. من مكمن العقيدة في داخل النفوس .
وهذا وذاك بجانب الانتفاضات الحية للإِسلام في شتى بقاع المسلمين قبل الاستعمار وفي أثناء الاستعمار .
وذلك كله دليل على مدى قوة هذه العقيدة ، ومدى مقاومتها للأحداث رغم كل ما أصابها من هزات مدمرة على مدار التاريخ .
ونريد في الصفحات التالية أن نتتبع ذلك الجهد الذي قام به الاستعمار الصليبي في أناة وتدبر ، وكيد منظم مدروس ، ليحاول تقويض الإِسلام من الداخل ، مستشهدين في هذا العرض بأقوال المبشرين والمستعمرين أنفسهم ، الذين هم فوق مستوى الشبهات في هذا المجال !
جاء محمد علي إلى مصر واليا من قبل الأتراك .. يُسرّ في نفسه الاستقلال عن"الخلافة"التركية في الآستانة ، ولكنه لا يصحو - أو لا يهتم - بالنفوذ الفرنسي الذي يتغلغل معه في البلاد !
لا يصحو - أو لا يهتم - بأن فرنسا تحتضنه ، وتشير عليه ، وتضع له مشروعات عمرانية ، وتساعده في تنفيذها ، لأهداف بعيدة .. أبعد من أهدافه هو البعيدة .. التي ظن نفسه بارعا أشد البراعة وهو يعمل لها من وراء"الخلافة"!
كانت فرنسا تحتضن محمد علي ، وتشجعه على الاستقلال عن الخلافة ، لأن ذلك مثل"طيب !"يحتذى في بقية العالم الإِسلامي ، فيتفكك هذا العالم إلى دويلات صغيرة ، يشرف عليها النفوذ الغربي ، ويتبنى"حركة الإصلاح"فيها .. الإصلاح المقترن بهدم المقومات الإِسلامية ، وسَلْخِ المسلمين من عقيدتهم ، وإخضاعهم للنفوذ الصليبي الواقف بالمرصاد ، يتحين الفرصة لإرواء أحقاده الصليبية المسمومة .
وهنا نقطة تلتبس على أفكار المسلمين وهم يستعرضون التاريخ ..
تكن تلك"الخلافة"في أواخر أيامها - فاسدة ظالمة متجبرة ؟ ألم تكن مظهرًا خاويا لا يخفى وراءه سوى الخرافة والجهالة والظلم ؟ ألم تكن قد بعدت عن روح الإِسلام ؟
فكيف لا يكون الخروج عليها إذن عملا طيبا يستحق التشجيع ويستحق الإِشادة والتسجيل !
هل كان يطلب من المسلمين في أقطار الأرض أن يُبْقُوا على الخلافة بعد ما صارت إليه لمجرد كونها رمزًا للإِسلام ، وهم يذوقون منها الذل والهوان ، والرجعية والتحجر ، والوقوف في وجه كل إصلاح ؟
ولنفرض أن للاستعمار هدفًا خبيثًا من هدم الخلافة وتقطيع أوصال العالم الإِسلامي ، فهل نسكت نحن على مظالم الخلافة ونقتل أنفسنا بالتحجر والرجعية من أجل أن خروجنا على الخلافة سيحقق للاستعمار هذا الهدف الخبيث ؟!
هنا تلتبس المسألة على أفكار المسلمين .. وهي لا تلتبس عليهم إلا بسبب ما دسه الاستعمار الصليبي في أفكارهم ، وألح في تثبيته ، من أنه لم يكن هناك إلا أحد أمرين: إما الاستمرار في الخضوع المذل لمظالم الخلافة .. وإما الانفصال عنها في حركات استقلالية .. وليكن بعد ذلك ما يكون .. بل ليكن دخول النفوذ الغربي في البلاد"المستقلة"هو الثمن الذي تدفعه تلك البلاد للتخلص من ظلم الخلافة وتجبر الأتراك الحاكمين .. ثم تزيد الدعاية الاستعمارية الأمر لبسا في أذهان المسلمين ، حين تقول لهم إن النفوذ الغربي كان معناه الإصلاح والعمران ونشر الحضارة والتعليم .. وكلها خير وبركة كان يقف في طريقها استمرار الخلافة في حكم المسلمين .
وهنا مغالطة مركبة ..
فليس صحيحا أولا أن الأمر كان على هذا النحو: إما الرضى بالمظالم وإما تقطيع أوصال العالم الإِسلامي على هذا النحو المدمر للإِسلام والمسلمين .
وليس صحيحا ثانيا أن الطريق الوحيد للإِصلاح كان دخول النفوذ الصليبي في بلاد المسلمين .
ونعود إلى الحركة الوهابية والحركة المهدية اللتين حرص الاستعمار الصليبي حرصا شديدًا على كبتهما وقتلهما قبل أن يمتد نفوذهما إلى العالم الإِسلامي ، وشغّل في ذلك محمد علي وأبناءه ، بطريق مباشر أو غير مباشر .
لقد كانت كلتاهما حركة إصلاح شاملة ؛ كانت أولاهما تبتغي إصلاح العالم الإِسلامي كله من الظلم والخرافة ، وتحرير المسلمين من النير التركي بكل ما يحمل في طياته من جمود وتحجر ، وكانت الثانية تهدف إلى تخليص شمال الوادي من الاحتلال الإنجليزي ، ثم تخليص العالم الإِسلامي من النير التركي . كانت كلتاهما تحاول أن يعيش المسلمون في جو إسلامي نظيف ويستعيدوا كيانهم التاريخي المجيد ، مع المحافظة على أوصال العالم الإِسلامي من التقطيع ، والمحافظة على كيانه من النفوذ الغربي الصليبي أن يعيث فسادًا فيه .
ولذلك أسرعت أوربا الصليبية توغر عليهما صدر الحكام الأتراك الذين كان الكثير منهم عملاء للصليبية ، وتستغل محمد علي وأبناءه في إخماد الحركتين الواحدة في أثر الأخرى .. بينما راحت في الوقت ذاته تشجع كل حركة"استقلالية"تقوم على أساس العصبية الإِقليمية ، ولا تقوم على أساس الإِسلام !