فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 1942

ودور التعليم في إحياء وبعث الحضارة الإسلامية دور خطير ومهم، ولذلك ينبغي أن يتعاون الجميع لإصلاح مناهج التعليم؛ لأنه يجب أن يتعلم الطلاب في كافة مراحل التعليم مبادئ دينهم وحضارتهم، فيجب أن ينتهي الطالب مع انتهائه من مراحل التعليم من حفظ كتاب الله، وأن يدرس في كل مرحلة شيئًا مبسطًا عن قواعد الفقه الإسلامي وعلوم القرآن، والحديث النبوي الشريف، وأن تدرس مادة الحضارة الإسلامية في مرحلة التعليم العالي في الجامعات وفي كل الكليات، لتظهر كيف تفوق المسلمون في كل مجالات الحياة، وكيف أن المسلمين لما التزموا بإسلامهم سبقوا الأوربيين في كثير من الاكتشافات العلمية.

ولابد من العناية بتدريس اللغة العربية لغة الحضارة الإسلامية، تدريسًا ييسر فهمها، ويحببها إلى نفوس الطلاب، كما يجب الاهتمام بتدريس اللغات الأجنبية، وتعريب العلوم التي تدرس باللغات الأجنبية، ويجب متابعة التطورات العلمية في كل المجالات، وترجمتها لنكون على صلة بها، وهذا هو الأسلوب الذي اتبعه الأوربيون في بداية أمرهم، حيث قاموا بترجمة العلوم الإسلامية إلى لغاتهم ودرسوها بلغتهم، وبذلك استطاعوا أن يبدعوا ويبتكروا في كل المجالات.

وقد شهد الأوربيون أنفسهم بفضل علماء الحضارة الإسلامية على أوربا، ومن هؤلاء: الألمانية (سيجريد هونكه) في كتابها الرائع (شمس العرب تَسْطع على الغرب) ، حيث قالت في مقدمته: إن هذا الكتاب يرغب في أن يرد للعرب ديْنًا لهم على البشرية استُحِقَّ منذ زمن بعيد، بالإضافة إلى دراسة التاريخ دراسة إسلامية تتفق مع مبادئ الإسلام، وتنقيته من الأخطاء التي علقت به، والاستفادة من عصور القوة التي عاشها المسلمون، ومعرفة أسباب هذه القوة والأخذ بها.

ولا يتحقق كل هذا إلا بالاهتمام بالمعلم الذي يدرِّس العلم لطلابه، فينبغي إعداده إعدادًا علميًّا جيدًا، وتكريمه ماديًّا ومعنويًّا واجتماعيًّا، وتوفير سبل الراحة له، حتى يقوم بالتعليم والتربية لأبناء المسلمين على مبادئ الإسلام وقيمه على أكمل وجه.

ثالثًا: الاقتصاد:

ينبغي إصلاح المؤسسات الاقتصادية في الدول الإسلامية بما يتلاءم مع مبادئ الإسلام وتعليمه، فينبغي أن يلغي نظام الربا، ويكون التعامل بنظام المضاربة الشرعية، وأن تستقي قوانين الاقتصاد من مبادئ الحضارة الإسلامية السامية، ومن مؤلفات علمائها في الاقتصاد، وينبغي أن يكوِّن المسلمون فيما بينهم ما يسمى بالسوق الإسلامية المشتركة لمواجهة تحديات السوق العالمية.

رابعًا: السياسة:

الأخذ بالنظم السياسية الإسلامية المختلفة، والاستفادة بما وضعه علماء الإسلام في هذا المجال من قوانين ومبادئ مستقاة من شريعة الإسلام.

خامسًا: الجانب العسكري:

على المسلمين أن يأخذوا بأسباب القوة العسكرية، وأن يسلحوا جيوشهم بأحدث الأسلحة التي توصَّل إليها العلم، وأن يكون تدريب قواتهم المسلحة على أرقى مستوى، ويدرسوا كيفية التخطيط للحروب الإسلامية، وعوامل انتصار الجيوش الإسلامية على غيرها من جيوش الدول الكبرى في ذلك الوقت، وكيف كان يعامل المسلمون أسراهم، وكيف كانوا يخوضون المعارك، والأحكام الخاصة بالحرب، وأن يربَّي في جنود المسلمين روح الجهاد للدفاع عن الإسلام ضد أي عدوان على الأرض أو العِرض، ومعرفة فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله.

كما يجب أن تتحد الجيوش الإسلامية فيما بينها، وتكوِّن قوة عسكرية مشتركة، ويتم تبادل الخبرات في مجال التدريب والتسليح، والتخطيط للحروب، ولابد أن نصنع سلاحنا بأنفسنا ولا نعتمد على غيرنا في استيراد السلاح، ولو تم هذا واتحد المسلمون في مجال الإعداد العسكري بكل جوانبه؛ لأصبح المسلمون مهابين من أعدائهم.

الحضارة والثقافة الإسلاميّة (1) .

الدكتور عبد العزيز الخياط *

في زحمة الصراع الحضاري العالمي تبرز كلّ أمة حضارتها، وتتمسك بها، وتعمل على نشرها وتثبيتها، وتتقدم بثقافتها المنبثقة عن حضارتها وإن كان لكل خصيصة متميزة لثقافته، تصطرع من أجلها، وتتزاحم بالمناكب في سبيل نشرها والمسلمون اليوم ـ وفي زحمة هذا الصراع الحضاري العالمي ـ لا ينشرون حضارتهم وثقافتهم إلاّ على استحياء، ولا يعملون على تثبيتها وبيانها إلاّ في المناسبات، وفي مؤتمرات قليلة تعقد هنا وهناك، وهو عمل تقوم به هيئات إسلامية أو أفراد، وقلما تشترك الحكومات، إلاّ في حدود ضيقة، أو حين تدعى من جهات غربية، ولا تتبنى في مؤتمراتها وسفاراتها بيان حضارة الإسلام ونشرها، ولعل مرجع ذلك إلى الخمول الذي أصابها، والتفرق على أساس العنصرية الضيقة أو الإقليمية المفرقة، والتعصب لهما على أساس التجزئة التي أصيب بها العالم الإسلامي، فاصبح ولاء كلّ دولة لقطرها، وانتماؤها لبلدها دون الانتماء للحضارة الإسلاميّة الواسعة وثقافتها.

فالحضارة لغة: الإقامة في الحضر، قال القطامي:

ومن تكن الحضارة أعجبته * * * * فأي رجال بادية ترانا

وهي البداوة، وهي لغة كذلك: مرحلة من مراحل التطور الفعلي والانساني والاجتماعي ورقيها.

وقد تعدد معناها في الاصطلاح: فهي بمعناها العام: ثمرة التفاعل بين الإنسان والكون والحياة، أي: ثمرة الجهود المبذولة من قبل الفكر الإنساني للاستفادة من الأجهزة الكونية المتناثرة حولنا (2) . أو هي الجانب الآخر غير المادي في حياة الأمة، وهي العلم والتصورات والأفكار والسلوك والآداب، وكل المعاني التي تدخل في الجانب المادي.

وقد عرفها بعضهم بأنها: نمط من الحياة المستقرة ينشئ القرى والأمصار، ويضفي على حياة أصحابه فنونًا منتظمة من العيش، والعمل، والاجتماع، والعلم، والصناعة، وإدارة شؤون الحكم، وترتيب وسائل الراحة وأسباب الرفاهية (3) . وهذا تعريف للحضارة وآثارها العامة، وليس تعريفًا دقيقًا يحدد معناها.

ومن العلماء من عرفها بأنها: كلّ ما ينشئه الإنسان في كلّ ما يتصل بمختلف جوانب نشاطه ومعانيه، عقلًا وخلقًا، الفكري والمادي. أو باصطلاح آخر: الروحي والمادي.

وبعض الباحثين يرى: أن الحضارة الحقة هي التي تطلب من الإنسان في مظاهر الحياة كافة أن يتذكر الله، ويتذكر فطرته هو بحيث يستطيع أداء دور خليفة الله، وهو الدور الذي وجد فيه على هذه الأرض (4) .

والمودودي يرى: أن الحضارة: مجموعة المبادئ والأفكار والأصول والتربية التي تثمر لونًا من ألوان الحياة الاجتماعية بمقوماتها المختلفة.

وربما كان معناها العام أيضًا: طريقة الإنسان في الحياة، أو مجموعة أفكاره عنها، وأعني بالحياة: الأعمال اليومية التي يمارسها الإنسان في معيشته، ففكرته عنها ونظرته إليها يكيف سلوكه فيها ويحدد طريقة تصرفه في أعماله.

يظهر من هذه التعريفات: أن معنى الحضارة قائم عند المفكرين، لكنهم يختلفون في

سعة معناه أو في ضيقه. وبعبارة أخرى: هو غامض عند البعض غير محدد، فمنهم من جعله يشمل الأفكار والعقائد وما ينتج عنها من نتائج مادية.

فالدكتور يوسف القرضاوي ـ مثلًا ـ يرى: أن الحضارة لها جسم وروح، وجسمها يتمثل في منجزاتها المادية: كالمخترعات والمصانع والطائرات والأسلحة والأبنية وغيرها، وروحها يتمثل في مجموعة العقائد والمفاهيم والقيم والآداب والتقاليد التي تتجسد في سلوك الأفراد والجماعات (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت