فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 1942

وهو بهذا يتقارب في المفهوم مع"غوستاف لوبون"الذي يرى: أن الحضارة تشمل العقائد كما تشمل المنجزات العلمية والمادية، ولهذا نجده يعقد بابًا ذا فصولٍ ثلاثةٍ يتحدث فيها عن مصادر قوة العرب من رسالة محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ، وفلسفة القرآن وأحكامه، وفتوح العرب وطبيعة هذه الفتوح ثم بعد ذلك يتحدث عن الدين والأخلاق، ويتناول حضارة العرب في شمولها للمعارف واللغة والفلسفة والآداب والتاريخ وعلوم الرياضيات والفلك والجغرافيا والطبيعيات والطب والفنون وغيرها (6) .

ويكاد يتفق معنا المستشرق الإنجليزي"أرنولد"الذي يرى: أن مفهوم الحضارة بمعناها المتخصص مقتصر على وجهة نظر الإنسان عن الحياة. وهذا هو الذي ينسجم مع تعريف الحضارة الإسلاميّة التي يمكن ملاحظتها بأنها: (مجموع الأفكار والمفاهيم الإسلاميّة عن الإنسان والحياة والكون) ، وهي بهذا تحدد سلوك الإنسان وطريقته في الحياة، ونمط معيشته وتعامله مع الكائنات المحيطة به. ولا تشمل بهذا التحديد ما نتج عنها من أشكال مادية، فهي ثمرة الحضارة إذا كانت غير متعارضة معها فتصوير الأشياء الجامدة وتجسيدها منسجم مع نظرة الإسلام في إباحة رسمها وتصويرها، أما تجسيد الأشياء الحية كالإنسان في تماثيل وأصنام فلا يجيزه الإسلام؛ لأن حضارته قائمة على تحريم التصوير بهذا المعنى.

وهذا يجرنا إلى أن نبين أن الأشكال المادية هي المدنية، وهي تنتج عن الحضارة أو

العلم، فبناء البيوت والقصور شكل من أشكال المدنية الناتجة عن الحضارة، من حيث إنها مع مفهوم أي حضارة، وهو في الحضارة الإسلاميّة لا يتخذ فيه زخرفة الصليب، أو يوضع فيه مكان لشرب الخمر (بار) مثلًا، وقد راعى المسلمون في حضارتهم الإسلاميّة أن توجه البيوت نحو الكعبة التي هي قبلة المسلمين، بينما نجد أن صنع المنتجات الطبية والأثات والسيارات والطائرات والآلآت وبناء المصانع للنسيج واستخراج المعادن وغيرها أشكال مدنية ناتجة عن العلم.

والتبرج ـ مثلًا ـ محرم في الإسلام، فكل شكل مدني من الملابس يظهر فيه التبرج لا يجوز شرعًا، والسينما والتلفاز شكل مدني ناشئ عن العلم، لكن مضمون الفلم الذي يعرض شكل مدني ناشئ عن حضارة فإذا تناقض مع حضارة الإسلام كالأفلام العارية فلا يجوز شرعًا.

والحضارة خاصة، والعلم عام، وقد كان العلم يطلق على كلّ معرفة أيًا كان نوعها ولونها، ثم أصبح يفيد المعرفة التي تستفاد من الملاحظة والتجربة والاستنباط: كعلم الهندسة والطب والكيمياء، وهو التحديد الدقيق لكلمة العلم، لكنها قد تطلق على المعارف الشرعية والتاريخ والآداب والفسلفة، وغيرها من باب التجوز والتوسع في معناها.

معنى الثقافة:

وإذا عرفنا معنى الحضارة فلا بد من تحديد معنى الثقافة والثقافة الإسلاميّة.

فالثقافة من لفظة (ثقف) بمعنى: حذق وقوم، وهي بمعناها العام: مجرد المعرفة، أي: معرفة الآداب والفلسفة والتاريخ والفنون والمعارف النظرية، وهي بمعناها الخاص: النتائج التي تستخلص من مجموعة الآداب والفلسفة والتاريخ والمعارف النظرية من وجهة نظر خاصة عن الحياة.

ويقول تايلو: (إنّ الثقافة: هي الكل المركب الذي يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات) .

والثقافة الإسلاميّة: هي الثقافة التي بنيت على العقيدة الإسلاميّة، أو كانت أثرًا من آثارها أو اكتسبت صبغتها بموجبها.

والفرق يبين العلم والثقافة: أن العلم عام لكل أمة، فهو ليس حكرًا على أمة من الأمم، أو مختصًا بأناس دون أناس، فهو للناس كافة، تأخذه أمة عن أمة فالاختراعات العلمية والاكتشافات في الصناعة والأسلحة، والأبحاث العلمية تنقل من بلد إلى آخر، ومن أمة إلى أخرى، فإذا أخضع هذا العلم لوجهة نظر معينة أو لمصلحة أمة أو دولة أصبح ثقافة خاصة لتلك الدولة أو الأمة، لكن الثقافة تبقى خاصة، فلكل أمة أو شعب ثقافته التي يعتزّ بها؛ لأنها متصلة بوجهة نظره في الحياة، ولهذا نرى: أن الجامعات تفتح أبوابها لدراسة العلوم لكل الناس، لكنها تحاول أن تعطيهم ثقافتها الخاصة، فللمسلم ثقافته الإسلاميّة، وللإنجليزي ثقافته، ومثلهما الفرنسي والألماني والروسي وغيرهم، ومن هنا نجد حرص الدول المختلفة على نشر ثقافتها وفتح المعاهد والمراكز الخاصة بها.

وعلى هذا، فالثقافة الإسلاميّة ثقافة خاصة، متميزة المعالم والاتجاهات،فهي المعرفة التي تتضمن العقيدة الإسلاميّة مثل: علم التوحيد، والمبنية على العقيدة مثل: الفقه والتفسير وعلم الحديث والسيرة وأصول الفقه، والمعرفة التي يوجبها الاجتهاد في الإسلام مثل: علوم اللغة العربية.

وقد أحدث عدم التفريق بين العلم والثقافة والحضارة بلبلة في عقول المسلمين، إذ تعددت ثقافاتهم كلّ بحسب ما تلقى في البلدان غير الإسلاميّة.

وكما أدى التباس فهم العلم والثقافة لدى المسلمين اليوم ـ فلم يعرفوا ما يأخذون وما يدعون ـ أدى عدم فهمهم للحضارة والمدنية الناشئة عنها. أو المدنية الناشئة عن العلم والصناعة إلى اضطراب حياتهم، وفوضى مسالكهم إذا انطلقوا في تقليد الغرب وحضارته والاقتباس عنه دون تفريق بين غث ما عنده وسمينه، وبين ما يؤثمهم أو يؤجرهم؛ لأن الحضارة هي مجموع مفاهيم الإنسان عن الحياة، وهي التي تعين طريقته في الحياة؛ ولأن المدنية هي الأشكال المادية المحسوسة التي تستعمل في شؤون الحياة.

والحضارة والثقافة لا تكونان إلاّ خاصتين، والمدنية تكون خاصة وعامة، خاصة إذا كانت ناتجة عن حضارة، وعامة إذا كانت ناتجة عن علم وصناعة؛ لأن العلم والصناعة عالميان. وبحسب رقي الحضارة تكون المدنية الناتجة عنها راقية، وبحسب رقي العلم والصناعة تكون المدنية الناتجة عنهما راقية. أما إذا انحطت الحضارة وضعف العلم كانت المدنية الناتجة عنهما متأخرة.

والمدنية الناجمة عن العلم والصناعة تؤخذ من الغرب اليوم كما أخذها الغرب عن المسلمين فيما مضى، وكما أخذها المسلمون عمن سبقهم من الشعوب حين اتصلوا بهم، ونقلوا عنهم أشكال أبنيتهم وملابسهم وأوانيهم وغيرها، مما ليس فيه شارة الكفر وعلامات دياناتهم، ومما لا يتناقض مع عقيدة الإسلام ومفاهيمه عن الحياة، وأخضعوها لوجهة نظرهم في الحياة.

ذكر: أن خالد بن إبراهيم أحد قواد المسلمين غزا أهل"كثر"من بلاد الصين وأخذ منهم الأواني الصينية المنقوشة ما لم ير مثلها، ومن السروج ومتاع الصين شيئًا كثيرًا، فحمل المغنم إلى أبي مسلم الخراساني وهو بسمرقند. كما أخذ المسلمون صناعة الورق من الصين، وزادوا عليها وعمموها حتّى انتشرت مصانع الورق في رقعة العالم الإسلامي: في"بورة"قرب دمياط، وسمرقند وبغداد والأندلس ودمشق وطرابلس وحماه وغيرها، وكان منه أنواع: الفرعوني، والسليماني والجعفري والطلحي والطاهري، وعن المسلمين انتقلت صناعة الورق إلى أوروبا عن طريق إسبانيا والرومانيين والصليبيين، واستقرت في ألمانيا.

وذكر البلاذري في كتابه"فتوح البلدان": (أن القراطيس كانت تدخل بلاد الروم من أرض مصر، وتدخل الدنانير إلى بلاد العرب، وكانت الأقباط تذكر المسيح في رؤوس الطوامير وتضع الصليب، فأمر عبد الملك بن مروان ـ(الخليفة الأموي) ـ أن يكتب في رؤوس الطوامير"قل هو الله أحد"بدل المسيح، فكتب إليه ملك الروم في ذلك وهدده، وطلب إليه أن لا يوضع في الدنانير تعريف للنبي محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ، فكان من أثر ذلك ضرب عبد الملك للنقود.

والحضارة الإسلاميّة تختلف عن الحضارة الغربية اختلافًا بينًا، فالحضارة الغربية تقوم على ما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت