وأما النصرانيّة التي لم يُكتب لها أن تُطبّق كنظام حياة متكامل كما في الإسلام إلا أنها تحوي في تعاليمها كثيرًا من المبادئ العنصريّة، والتي اتخذها كثير من أتباعها ذريعة لاستعباد الشعوب الأخرى واستعمارها. وفي الجانب الآخر، فإن التعاليم التلموديّة التي تقوم عليها اليهوديّة الحديثة تعلي من شأن اليهودـ وتصفهم بأنهم شعب الله المختار، وأما الأمم الأخرى بما فيهم أعوانهم من النصارى، فتصفهم بأنهم أمميّون، ويمكن أن تمتد القائمة لتشمل الشيوعيّة، ونداءاتها الجوفاء"بأن الناس سواسية"، والتي واقعها أن هناك"أناسًا أكثر سواسية من غيرهم". وأما الرأسماليّة الطاغية بظلمها على العالم اليوم فإنها لا تهدف ولا حتى على المستوى التنظيري إلى تطبيق المساواة؛ لأنها تشجّع الابتزازيّة المطلقة، وتقوم على الاحتكار الذي يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وينعكس ذلك في كافة مناحي الحياة. بينما الاشتراكيّة والتي -نظريًا- تدعو إلى رأْب الصدع بين الشيوعيّة والرأسماليّة وبلورة نظمهما في بوتقة جديدة، ما فتئت إلا أن تخبطت في حمأة أخطاء ذينك النظامين. وبهذا لم تنجح في أن تقدم خيارًا مقبولًا لنظام عالمي جديد، وبهذا فإن الإسلام يبقى الخيار الأوحد لنظام يسير حياة البشريّة. فهو يحترم حقوق البشر بغض النظر عن اختلافهم، ويعتبرهم أعضاء في أمة عالميّة واحدة تحيا في كنف الله في سلام ووئام، وبعد هذه المقدمة العامة فإنني سوف أتطرق لتعاليم بعض تلك الأنظمة بشيء من التفصيل، ومقارنتها بتعاليم الإسلام، فيما يتعلق بالمساواة بين البشر، بغض النظر عن الفوارق الاجتماعيّة والعرقيّة وغيرها.
1-النصرانيّة ومبدأ المساواة:
فمن خلال استعراضنا لبعض تعاليم النصرانية في كتبها الأصلية نقرر في كونها نظامًا يمكن أن تتطلع إليه الإنسانية ليحقق العدل والمساواة، وخاصة أن دستور أكبر دولة نصرانية في العالم قد تأثر كثيرًا بتعاليم الكتاب المقدس عند النصارى، ولتعاليمها تأثير كبير على قادة الولايات المتحدة، ومثال ذلك مقولة الرئيس ريجان في خطاب ألقاه خلال فترة الحرب الباردة، قال فيه:
"لقد بدأت الأمور تتضح، ولن تكون بعيدة الآن، فإن إزاكل (1) يقول بأن النار والحمم ستمطر على أعداء شعب الله، وهذا يجب أن يعني أنهم سوف يُدمرون بالأسلحة النووية .. جوج الأمة التي تقود كل قوى الظلام الأخرى ضد إسرائيل، والتي سوف تأتي من الشمال فإن روسيا هي جوج ... وبما أن روسيا قد حاربت الإله .. فإنها تنطبق عليها أوصاف جوج وماجوج بدقة متناهية" (2) .
وفي الحقيقة فإن رسالة عيسى الحقيقية كانت موجهة لشعب بني إسرائيل في عهده عليه السلام، ومازالت بقايا ذلك في كتب العهد الجديد عند النصارى.
( متى 10: 5ـ6)
فهي إذن ليست رسالة عالمية لكل البشر ولكل الأزمنة ، بل محدودة بزمن معين ولشعب بعينه . وفي مقطع آخر من العهد الجديد يشير متى إلى حادثة مرت بعيسى (عليه السلام ) حسب زعمهم وفيها إجحاف كبير على نبي الله أعزه الله وشرفه عما يقولون ، واتهام له بأنه عنصري متحيز ، فهو لا يرى أن أحدًا أهل لدين الله من بني إسرائيل ، ولاشك في أن ذلك تجن على نبي من أولي العزم كرمه الله بالرسالة ، وجعل ميلاده معجزة وآية ، ولكنه دليل على أن تعاليم النصرانية الحالية تعاليم متحيزة ولا تسمو لتطبيع المساواة بين البشريّة.
(متى15: 21 ـ 26) .
ولاشك أن هذه المقاطع من كتاب النصارى المقدس قد وُضعت لتأكيد اصطفاء بني إسرائيل على كافة الأمم، وبأن ما ينطبق عليهم لا يمكن أن ينطبق على غيرهم مع إيماني بأن نبي الله ـ شرّفه الله عما يقولون ـ لايمكن أن يتلفظ بمثل هذه الكلمات التي تدل على احتقار الشعوب الأخرى والانتقاص منهم، وكأنهم ليسوا عبادًا لله مثلهم. ولكنه أيضًا دليل على أصول العنصريّة الحديثة المعتمدة على التعاليم النصرانيّة المحرفة. والتي مهّدت للاستعمار والحروب الصليبيّة واستعباد الأحرار من عباد الله.
فهذا السيناتور جون كالهون ( John Calhoun ) من كارولينا الجنوبيّة يقول حول أحقيّة السود بالعبوديّة دون غيرهم:
"إن الحريّة عندما تُعطى لأناس لا يستحقونها فبدل أن تكون بركة فإنها تكون لعنة ... فإن الله خلقهم عبيدًا .. وهذا هو وضعهم الطبيعي (3) ."
ونحن لا يساورنا أدنى شك بأن التعاليم الأصلية للنصرانيّة كما أتى بها نبي الله عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ كانت تعاليم خير وعدل وبركة، ولقد بقيت آثار لتلك الشريعة السمحة في بعض كتب النصارى الموجودة، ولكنه مع الأسف إندرس كثير منها في ظل التغييرات المتكررة في المجامع الكنسية المختلفة، حتى أصبح هناك نسخ متعدّدة من"الكتاب المقدس"بينها مساحات واسعة من الاختلاف، حتى غدا الكثير من فرق النصارى وكأنها أديان مختلفة تمامًا.
2-اليهود ومبدأ المساواة بين الأمم الأخرى:
لقد أعطى (4) التلمود اليهود مرتبة لا يرقى إليها أحد من شعوب الأرض ولا حتى الملائكة، فاعتبر أن اليهود شعب الله المختار، فاليهود حسب التلمود أقرب إلى أن يكونوا آلهة، أما غيرهم من الأمم فهم"قيوم"غير مؤهلين لمرتبة اليهود، بل أقرب من أن يكونوا أقل من البشر، وخطورة هذه الرؤية العنصريّة هو أن التلمود يعتبر المرجعيّة الأولى عند اليهود.
وهذا إسرائيل شاحاك (المفكر اليهودي البارز) يقول:
"بأن المفهوم التلمودي الأرثوذكسي والذي يُرجع إليه بكثرة في كل الأوقات، هو أن الكون مقسم إلى خمسة أقسام: الجمادات ، النباتات والخضروات ، الحيوانات ، سائر البشر ، واليهود . وأن الفرق الشاسع بين اليهود وسائر البشر مثل البون الشاسع بين البشر والحيوانات" (5) .
ولقد بين الكاتب اليهودي المعاصر هرمن ووك ( Herman Wouk) في كتابه هذا هو إلهي (This is my God) بأن:
"التلمود يبقى حتى يومنا هذا القلب النابض للدين اليهودي ، فبغض النظر عن كوننا أورثوذكس، محافظين، إصلاحيين، أو مجرد متعاطفين فنحن نتبع تعاليم التلمود، إنه قانوننا".
ومن وجهة نظر اليهود فإن سبب اختيارهم واصطفائهم على سائر الأمم؛ هو أن غير اليهود لم يكونوا حضورًا عند جبل الطور كما يقول التلمود حيث تم تطهير اليهود من الخطيئة الأصلية التي يلصقونها بحواء؛
عندما اقتربت الحية من حواء نفثت فيها الفحش الخبيث .. وعندما وقف بنو إسرائيل على سيناء تم تطهير ذلك الفحش، ولكن فحش أولئك الوثنيين الذين لم يقفوا على سيناء لم يتوقف.
وعلى أية حال فاليهود وفقًا للتعاليم التلموديّة لا يمكن أن يكون لهم ندًا أي من البشر، بل التلمود يتعامل مع غير اليهود وكأنهم ليسوا بشرًا، وهذا قد يساهم في تفهم الحقد المقيت الذي يكنّه اليهود للأمم الأخرى؛ فهذا مقطع من التلمود يبين كيف يجب أن تكون العلاقة بين اليهود وغيرهم من الأمم ـ
الأممي (القيوم) لا يمكن أن يكون جارًا بمعنى تبادل الحقوق والواجبات .. بل إن قوانين الأمميّين لا ترقى إلى ذلك أبدًا فلا يمكن أن تكون هناك علاقة مبنية على حقوق مشتركة . (Belc 13 b)