فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 1942

فلنتصور حجم المأساة التي يواجهها ما يقارب خمس المجتمع في وقت يواجهون فيه أفظع صور اللامبالاة والممارسات اللاأخلاقية من اعتداءات وسطو وقتل وتمييز وتخلٍّ من قبل الأولاد، فأي عدالة يحققها هذا النظام الذي يظلم الطفل والشيخ والمرأة. ويحافظ على حقوق القادرين على العمل والإنتاج فقط. وكنتيجة متوقعة للمعاملة الجائرة والتمييز العنصري فإن الأمريكيين من أصول أفريقية"السود"، يواجهون مشاكل مضطردة في مجتمع انعدام المساواة. وعلى الرغم من أن الأمريكان البيض في بعض طبقاتهم الدنيا يواجهون نفس المشاكل ولكن بنسب متفاوتة. فإن 69% من المواليد السود هم أبناء زنا . وثلثي الأطفال السود يعيشون في بيوت ذات عائل واحد ( Single Parent homes) أي برعاية الأم غالبًا فقط دون وجود أب، أو الأب فقط، وهذه الحالة تشكل نسبة ضئيلة جدًا. كما أن من المتوقع أن يُودع 33% من الأولاد السود تحت سن السادسة عشر السجن لجرائم مختلفة. ويوجد أربع من كل عشرة رجال سود إما في السجن أو في مرحلة الاستئناف أو تحت مراقبة الشرطة الدائمة، وبأسباب تلك الممارسات العنصرية بالإضافة لعوامل أخرى فإن أعلى معدلات تعاطي المخدرات وترك الدراسة والاغتصاب تنتشر بين الأمريكان السود (5) .

وبدلًا من بحث الأسباب لهذه الإحصاءات المخيفة، وإيجاد الحلول العادلة فإن مرشح الرئاسة السابق والمستشار لثلاثة رؤساء في الولايات المتحدة الأمريكية السابقين باتريك بوكانن (Patrick Buchanan) يتحدث عن تلك الإحصاءات بأسلوب اتهامي لطبقة السود المسحوقة ويلومها على ما هي فيه من ظلم وفساد (6) .

فلقد واجهت تلك الأقليات العبوديّة والرق وأسوأ أصناف العنف والتمييز العنصري، وهي الآن تواجه التميز العنصري والتجاهل المؤسساتي غير المعلن. إن ما يحتاجون إليه هو جهود صادقة ولكن عادلة تزرع المساواة والعدل وتعوّضهم عن قرون من الظلم والقهر والعنصرية، وليس كيل التهم ولوم الضحية على ما جنته يد الظالم، وبهذا فإن نظامًا جائرًا على أهله وفي موطنه لايمكن أن يقيم العدل والمساواة بين شعوب الأرض، فالدعاوى الإعلامية للحرية والإصلاح والعدالة الاجتماعية إنما هي أساليب ملتوية لفرض الهيمنة الأمريكية الرأسمالية الإمبريالية على شعوب الأرض لسلبها مقدراتها وخيراتها بل إنه استعمار جديد والعراق وأفغانستان أكبر شاهد على ذلك.

6.الإسلام والمساواة:

إن من البدهي على كل نظام يدعي العالمية أن يحترم قدرات أتباعه، وأن يقدّر إنجازاتهم بغض النظر عن أعراقهم وخلفياتهم الجغرافية، أو الاجتماعية أو اللغوية أو غيرها. فهو يقيّم الناس حسب ما يستطيعون فعله، لا وفق ما جبلوا عليه من صفات خلقية لونًا كانت أم عرقًا. فالناس في نظر الإسلام سواسية أما الاختلافات الطبيعية بين الناس فإنها لمقاصد وحكم تتطلب منا التدبر والتقدير لا الازدراء والاحتقار وسلب الحقوق.

قال الله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ) [الروم:22] وقال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم:"الناس سواسية كأسنان المشط""لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أحمر ولا أسود إلا بالتقوى".

وقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم".

فالإسلام يرفض كل أشكال الاستعلاء على الخلق والتكبر والتمييز العنصري البغيض الذي ينقص من آدمية الإنسان وتكريمه الرباني.

قال الله تعالى: ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الاسراء:70] وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ...) [الحجرات: من الآية13] .

ولقد أذهلت المساواة كما يدعو إليها وآلياتها العملية والتطبيقية واحدة من أكبر شعراء الهند ساروحيني نايدو (Sarojni Naidu) حتى عبرت عن هذه المساواة بقولها:

إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أرسى وطبق الديموقراطية الحقيقية؛ فالمساواة الإسلامية تتجلى كل يوم خمس مرات، عندما ينادى المؤذن للصلاة فيجتمع المسلمون زرافات ووحدانًا، حينها يقف الحاكم والمحكوم جنبًا إلى جنب ساجدين لله ومردّدين"الله أكبر"لقد أذهلني هذا التضامن الحقيقي الذي يجعل الإنسان أخًا فطريًا لأخيه الإنسان، فعندما نقابل مصريًا أو جزائريًا أو تركيًا في لندن مثلًا، فمصر مجرد بلد ذاك الشخص وكذلك الهند أو تركيا"."

لقد كان المجتمع المسلم منذ ذلك العهد الأول يجمع في كنفه كافة أصناف الناس يعيشون في وئام ومساواة حقيقية، يعبد بها المسلم نفسه لخالقه، فسلمان منا أهل البيت، و بلال سيدنا، مجتمع تسامت فيه النفوس المؤمنة على كل تصنيفات الجاهلية قديمها وحديثها. بل إن بعض الأرقاء المسلمين يفضل الرق على الحرية لما يحصل له من الأجر، ولما كفل له هذا الدين من حقوق غاية في الرقي والإنسانية، إنها قوانين ربانية ثابتة لا تسير وفق هوى الإنسان ومصالحه المتغيرة، بل تشريعات ربانية مطلقة لا تحدها أي حواجز نسبية مقيدة.

ولقد أذهلت تلك الأسس العالمية للمساواة بين الخلق في شريعة الإسلام مفكرين وعلماء كثر، فهذا ر.ل.ميليما رئيس القسم الإسلامي في المتحف الهولندي بامستردام، يقول:

إن مبدأ الإخوة الإسلامية الذي يضم تحت جناحه كافة البشر بصرف النظر عن اللون والجنس ..هذا المبدأ الذي جعل الإسلام الدين الوحيد القادر على تطبيق الأخوة في حيز الواقع لا في المجال النظري فحسب؛ فالمسلمون في جميع أنحاء العالم يعرفون أنهم جميعًا إخوة في الله .

كما يقول لايتز:

في المساجد ترى المساواة التامة بين المصلين فلا يوجد فيها مقاعد خاصة بأحد، وأي إمام يمكنه أن يؤم المصلين ولا يوجد أبهج من منظر جماعة المسلمين يصلون وهم خاشعون صامتون""

وهذه دييرا بوتر (Deborah Potter) تقول:

الإسلام نظام عالمي وديني كوني جاء لجميع الناس في كل العصور، ولم يحدث أن أقرّ الإسلام آية تفرقة بسبب الوقت أو الوطن أو الثقافة أو الطبقة، فكل مؤمن بالحقيقة مسلم يتمتع بالأخوة الإسلامية مع كافة الناس في كل عصر ومصر, هذا هو سر قوة الإسلام"."

وما تخاذُل المسلمين وظهور بعض الممارسات التي لا يقرها الإسلام إلا بسبب انحطاطهم. فالإسلام لا يحوي في تشريعاته ما يقر أي سوء معاملة أو تمييز ضد أحد للونه أو عرقه أو لغته أو لأي صفة جِبليّة جبله الله عليها.على عكس ما كان الأمر عليه في أديان ونظم تقر بصفة أو أخرى في قوانينها تفرقة عنصرية، أو تفضّل طبقة على طبقة لأسباب عنصرية تتنافى مع مبدأ المساواة بين البشر على منهج من العدل.

فالإسلام يبقى شامخًا دين العدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس، وهذا أحد أهم الخصائص المميزة لهذا الدين العظيم، وقد انجذب إليه بسبب هذا المبدأ الأساس آلاف المهتدين من شتى أصقاع الأرض، ومن خلفيات دينية وعرقية واجتماعية مختلفة، ليجدوا مكانهم ضمن المنظومة الإسلامية العالمية السمحة من بلال وعمار إلى مالكوم إكس وسراج وهاج .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت