فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 1942

-هم يعلمون أننا نكفرهم؛ لأنهم إما أنهم يعتقدون أن عيسى بن مريم هو الله؛ قال الله تعالى في الآية (72) من سورة المائدة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) ، أو أنهم يعتقدون أنه ابن الله؛ قال تعالى: (وقالت النصارى المسيح ابن الله) ، أو أنهم يعتقدون أن المسيح عيسى عليه السلام ثالث ثلاثة يشكلون الإله؛ قال الله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) .. وهم يكفروننا للسبب نفسه؛ وهو أننا لا نعتقد بألوهية عيسى؛ بل نعتقد ببشريته؛ قال الله تعالى في الآية (75) من سورة المائدة: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ) ..

لقد هزمت الأحداث الأخيرة، والرسوم المسيئة لشخص النبي صلى الله عليه وسلم، وإعادة نشرها، بل لبس وزير إيطالي قميصا عليه تلك الرسوم إمعانا في التحدي، والازدراء، والامتهان.. وكذلك تدنيس مقابر المسلمين في الدنمارك، وتدنيس المصحف الشريف في سجون أفغانستان، وأبي غريب في العراق، وجوانتانامو في كوبا، وإلقائه في المراحيض، والتبول عليه، واستعماله بدلا من مناديل الورق لمسح الخرء عن أدبارهم..

هزمت كل هذه الأحداث فكرة حوار الحضارات..

ومن قبل قتل الصرب عشرات الآلاف من المسلمين، ودفنوهم في مقابر جماعية، واغتصبوا عشرين ألف امرأة مسلمة، ولا زال المجرمان - رادوفان كاراديتش، وميلاد يتش - طليقين..

ولا يظن إلا مُغفّل أن الاتحاد الأوروبي، أو الناتو، أو موسكو، أو واشنطن لا يعرفون مكانهما؛ فإنما هي صفقات؛ يباع فيها المسلمون لقاء منافع متبادلة..

نحن لا نتحدث عن الحروب الصليبية، والفظائع في القرون الغابرة!!..

ومن قبل كسب الإسلاميون انتخابات الجزائر فانقض عليهم الجيش بأمر فرنسا وألغى نتائجها..

ولماذا يعترضون على نتائج انتخابات فلسطين - التي أوصلت حركة حماس إلى السلطة -، ويطلبون منها طلبا لا أخلاقيا بالاعتراف بإسرائيل؛ فهذا قرار الأغلبية التي انتخبتهم على برنامجهم بعدم الاعتراف بإسرائيل؟!..

ولِمَ يعترضون على ممارسات السلطات المصرية التي أفقدت الأخوان المسلمين قدرا كبيرا من أصوات الناخبين؟!..

ولماذا يصرّون على أن يدخل السُنَّة في الحكومة العراقية؟!.. طبعا ليس حبا فيهم، وفي الديموقراطية؛ ولكن لتحجيم دور إيران الشيعية في العراق؛ فهم يتمسكون بالديموقراطية فقط إذا كان فيها قهر للحركات التي تؤمن بأن الإسلام هو الحل!!..

ومن هنا أُدين قتل الشرطة للمتظاهرين ضد الرسوم، وهي تتحمل وزر القتل العمد أمام الله، وفي الوقت نفسه لن يرضى عنهم ناشرو الرسوم..

أما قول تلك الحكومات: (إن المتظاهرين يستغلون الأحداث لأغراض سياسية) ؛ فهل يجب على الأحزاب السياسية أن تبارك تلك الرسوم؛ حتى لا تتهم باستغلال الدين؟!.. ثم هذا اتهام للنيات، ويدل على الجهل الفاضح بالدين؛ فالنيات لا يعلمها إلا الله.

أما تفجيرات 11 سبتمبر فقد اتخذتها أمريكا ذريعة لغزو أفغانستان، والعراق، وللاستيلاء على النفط، وقهر المسلمين؛ بادعاء نشر الديموقراطية.. ولقد افتضح أمرهم في أول انتخابات في مصر، وفلسطين، ومن قبل في الجزائر كما أوضحنا..

مثل هذا يحدث تماما مع فكرة مؤتمرات محاربة الفقر؛ فهم يتجنبون الحديث عن السبب الحقيقي، أو المهم للفقر - ألا وهو الفساد بأنواعه - فالفقراء هم الذين يغذون خزينة الدولة بالضرائب، والزكاة، والرسوم، والغرامات المتعسفة والعشوائية، والدعوم المفروضة التي تؤخذ عنوة أو بسيف الحياء؛ كدعم الشريعة، والجهاد، والجريح، والشهيد..

بينما لا يعرف دافعوها أين تصرف هذه الأموال؟!.. والحكومة تضن عليهم حتى بهذه المعلومة؛ لأنها تعلم أنها تصرف في غير ما جمعت له - كالرواتب المُركّبة، والحوافز المصطنعة، والبدلات، والموبايلات، والسفريات، خلا العربات، والمؤتمرات القممية، والإقليمية، والقارية، واليخوت، والفلل، والسمنارات - خصوصا تلك المخصصة لمحاربة الفقر؛ حيث توزع رقاع الدعوة المكتوبة بماء الذهب، وتعقد في أفخم الفنادق والقاعات، حيث يقدم أطيب الطعام والشراب الذي يتبقى منه على الموائد ما يكفي لمدد طويلة لطالبات الداخليات، وملاجئ المشردين، والمساجين المظاليم؛ الذين سرقوا بسبب إفقار الدولة لهم..

هذا غير السرقات، والاختلاسات، والرشاوى، والعمولات، وإعفاءات الجمارك والضرائب، وحتى دين الله تلاعبوا به؛ فديوان الزكاة يفرض عند بدء كل سنة ربطا للزكاة عن تلك السنة؛ بمعنى أنه لا بد من جمع كذا من النقد، وكذا من المحاصيل، وكذا من الحيوان - فما يدريك يا صاحب المربوط أن التجارة ستربح، وأن النبات سيثمر، وأن الحيوان سيتوالد ويتكاثر؟! - لذلك يقوم زبانية الزكاة بجمع المربوط بالتعسف.. وإنما شرع الله الزكاة نسبة من الناتج بعد ثبوته؛ وليس لك افتراضه قبل بدء الحول.. ومثل ذلك في الضريبة، مع أنه ليس في دين الله شيء اسمه الضريبة؛ فقد حكم الله أن الزكاة تكفي لإغناء الفقراء إذا جمعت من المكلفين وصرفت على المستحقين؛ ولكن الحكومة تقول: (إنها لا تكفي) !!.. وليس ذلك إلا لأن الحكومة تعفي منها كثيرا من المكلّفين، وتصرفها لكثير من غير المستحقين!!..

فقط عند الأزمات شرع الله ما يسمى (في المال حق سوى الزكاة) يحدده الإمام على قدر الحاجة، ولمدة محدودة؛ ريثما تزول الحاجة التي أوجبته.

بالله عليكم.. كفوا عن عقد مؤتمرات وسمنارات مكافحة الفقر، وأنفقوا أموالها على الفقراء والمساكين؛ حتى لا تضطروهم للسرقة، والغشّ، والتزوير، وبيع الأعراض..

هذا لحين تحقق إرادة محاربة الفساد؛ فإنها لن تكون إلا بصدق العزم، ووضوح السبيل.

صراع الحضارات ومستقبل الدعوة الإسلامية

أ. د. جعفر شيخ إدريس

قُدم هذا البحث لمؤتمر عقدته مجلة البيان بقاعة الصداقة بالخرطوم يوم 17 رجب 1423 هـ الموافق 24سبتمبر سنة 2002

هيمنة الحضارة الغربية

إذا أردنا للحديث عن صراع الحضارات أن يكون حديثا تبنى عليه مواقف فكرية وعملية فيحسن أن لا يكون حديثا عاما، بل يحسن أن نشير فيه إلى وقائع وحالات محددة. لذلك نقول:

ما الحضارات التي يقال إنها تتصارع الآن؟

لكي نجيب عن هذا السؤال يحسن أن نتفق على ما نعنيه بكلمة الحضارة، في بحثنا هذا على الأقل. الحضارة كما نستعملها هنا هي الكلمة العربية المقابلة للكلمة الانجليزية civilization . فالحضارة بحسب ما نراه هنا مكونة من جوهر ومظهر. أما الجوهر فهو معتقداتها وقيمها وأنماط السلوك الشائعة فيها، وأما مظهرها فهو انجازاتها المادية من قوة عسكرية واقتصادية، ونظم سياسية وعمران.

الحضارة بهذا المعنى مفهوم محايد، أعني أنه لا يدل بنفسه على مدح أو ذم، شأنه في ذلك شأن عبارات الأمة، والأئمة، والخُلق والدين وغير ذلك. فالأمة قد توصف بالاستقامة أو الزيغ، والأئمة قد يكونون هداة إلى الحق أو موردين لمتبوعهم إلى النار، والخُلق قد يكون حسناَ وقد يكون سيئًا، والدين قد يكون حقًا وقد يكون باطلًا. وكذلك الحضارة قد توصف بالمادية أو الإيمانية، وبالقوة أو الضعف.

فما الحضارات ـ بهذا المعنى ـ التي تتصارع في عصرنا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت