ووضع فيلسوف العرب"أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي"المتوفى نحو سنة 260هـ شرحًا على كتاب"في قود المياه"، أي جرها لفنيلون البيزنطي.. ذكره أبو عمر أحمد بن محمد بن حجاج الإشبيلي في كتاب"المقنع في الفلاحة"، ونقل إلى كتابه فصلًا منه (فيما يعرف به قرب الماء من بعده وحلوه من مره) ، وقال في صفته: >هو أحسن كتاب ألف في هذا الشأن، ولا بد لمن أراد قود ماء من موضع بعيد إلى مدينة أو قرية أو نحوهما، من تصفح هذا الكتاب، لما فيه من المنافع وقرب المآخذوهى الخروق المتفجرة من بطون الأرض انفجارًافأما كون الماء في بطون الأرض فيكون بحالين: أما أحدهما فالجاري من أعلى، وأما الآخر فالمستحيل في بطون الأوديةلأن الهواء والماء مشتركان في الكيفية المنفعلةومن حكمة الله أن خلق في الأرض مواضع كثيرة ذات جبال متصلة. فإذا كان الزمان في هذه المواضع شتاء، فإن الهواء يتكثف ويشتد البرد، ويستحيل الهواء إلى ماء استحالة قوية، ووقعت عليها الثلوج لا تنقطع شتاء ولا صيفًا. فإذا اشتد الحر بها بمسامته الشمس إياها، ذابت وصار ذوبها مادة الأرض والخروق التي في بطنها، فصارت مادة لمنابع في أماكن بعيدةلما خلق الله الأرض والماء خلق لكل واحدة منهما مادة، فمادة الماء الساكن في بطنها والعيون والأودية والينابيع عليها من الأمطار والثلوج، فلو انقطعت، قلت المياه وأدى ذلك إلى خراب الأرضوعلى هذا يجب أن تكون المياه من الثلوج والأمطار من استحالة الماء إلى الهواء، والهواء إلى ماءالماء في بطن الأرض ثلاثة أنواع، ماء ساكن في جوفها لا يزيد بزيادة الأمطار ولا ينقص بنقصانها ولا يتغير حاله إلا شيء قليل، فقد غمر جرم الأرض بحسب وجود الخلل والمنافذ فيه، لا يتغير بشدة القيظ وأزمان الدهر، ويكون هذا الماء قليل الحركة والجريان في بطن الأرض، والثاني ما تكون استحالة الهواء إلى ماء في بطن الأرض دائمًا، وهذا يدوم جريه ما بقي السبب الذي به يستحيل الهواء إلى ماء، والثالث الماء الذي مادته من الثلوج والأمطار وأكثر عمارة أهل الأرض به، لأنه مادة الأودية العظام والعيون والقنىومن تصور ما ذكرته وحققته، فقد عرف قطعة كبيرة من صناعة إنباط المياه، لأن تصور طبع الأرض والماء، وكيفية وضعهما وخلقتهما وصفة حال الماء وخللها يدل على معرفة قوية في هذه الصناعةفلست أعرف صناعة أعظم فائدة وأكثر منفعة من إنباط المياه الخفية التي بها عمارة الأرض وحياة أهلها