ويقودنا الكرجي في كتابه إلى كيفية الاستدلال على وجود الماء الجوفي، فقد صنف الجبال والأحجار الدالة على الماء حسب كمية الماء الموجود فيها إلى:
ــ الجبال السوداء، إذا كانت من حجر يخالطه طين، والحجر رخو ذو أطباق، وعواليها ــ أي قممها ــ عريضة، وأجسامها ضخمة.
يتضح أن الجبال السوداء التي يتحدث عنها هي من الصخور الرسوبية التي تتألف من طبقات مرصوفة متوازية تفصلها سطوح الارتصاف التي تكون عادة من مواد متبلورة، ومن الصخور التي تمتاز بلون أسود"الهيماتيت". وتعدّ الصخور الرسوبية كالرمل والحصى، مناسبة لترسب الماء وامتصاصه. وهناك صخور استحالية تمتاز بلون أسود، كالغنايس الهوربنلندى والميكاشيست، ولونه فضي أسود. ومن الصخور سوداء اللون أيضًا، الصخور الاندفاعية:البيروكسيت، والبازلت والغابرو، وكلها صخور دالة على وجود ماء جوفي.
أما الصخور الأخرى التي يذكر الكرجي أنها تحتوي على الماء، فهي الصخور الخضراء، ومنها الدونيت، وهو أخضر مصفر، والفيليت، وكذلك الكلوريت شيست ولونه أخضر به قطع سوداء، وكذلك يذكر الصخور الصفراء، ومنها الأنديسيت (10) .
ويصف الكرجى أيضًا في كتابه أشكال الجبال التي تحتفظ بالثلوج وتختزن الماء في أجوافها. ومن صفاتها أن تكون مغطاة بالشجر، بشكل يظللها فيؤدي إلى احتفاظ الأرض بالرطوبة وتقليل البخار. وفي الصحارى ينظر إلى الأرض وشكل حجارتها. فالحجارة الرخوة السوداء تدل على الماء، والحجر المختلف الألوان المتبدد يدل عليه، و الحجر الأبيض المتفرق، وكذلك الصخور الثابتة، ويلاحظ أنه يشير إلى الحجر المتفرق والمتبدد، وهذا يعطي دليلًا على الفراغات، وبالتالي ازدياد تسرب الماء إليها (11) .
كما يذكر الكرجي في كتابه مجموعة من النباتات يدل وجودها على الماء الجوفي، ويذكر أن وجود هذه النباتات يدل على وجود الماء الجوفي مع الشروط الآتية:
ــ أن يكون نابتًا من غير زرع.
ــ أن يكون غضًا.
ويعلق على نبات الحاج بأن جذوره تمتد حتى تصل إلى الماء، وتمتد جذوره إلى 15 ذراعًا، أي ما يقرب من 8 أمتار تقريبًا، وذكر مثالًا آخر لنفس النبات، حيث وصلت جذوره إلى 50 ذراعًا، أي نحو 27 مترًا.
ويصنف الكرجي المياه الجوفية وخواصها الكيميائية والفيزيائية إلى ثلاثة أنواع:
ــ الماء الساكن: هو ماء يجري في جوف الأرض، وهو لديه اضطراب في تعريف هذا الماء، خاصة عندما يذكر أن نشأته من استحالة الهواء إلى ماء في الأرض.
ــ الماء المتكاثف: ما تكون مادته استحالة الهواء إلى ماء، هذه العملية تحدث في أجواف الأرض الباردة، وهى بالطبع لا تعطي إلا كميات قليلة جدًا من الماء، ولا علاقة لها بالماء الجوفي.
ــ الماء الذي مادته من الثلوج والأمطار، لأنه مادة الأودية العظام والقنى والعيون. وهو تعريف أيضًا يدل على طبقة الماء الجوفي، والتي تعرف بمنطقة الإشباع.
ويذكر الكرجي أيضًا صفات الماء الصالح للشرب والمتمثلة فيما يلي:
ــ أن لا يثقل على المعدة.
ــ ينفذ نفاذًا سريعًا.
ــ يقبل البرد والحر بسرعة.
تحتوي الشروط الثلاثة للماء الصالح للشرب ضمنًا انخفاض نسبة المواد المنحلة (عدم الإثقال ــ النفاذ ــ قبول البرودة والحرارة) ، والشروط الثلاثة لا تختلف من حيث الجوهر، وإنما من حيث الدقة والتحديد الكمي لهذه الشروط. وتم تحديد درجة حرارة الماء الملائم للشرب بين (15-10) درجة مئوية. وتعد نسبة 1000 ملغ من المواد الذائبة حدًا فاصلًا بين المياه العذبة وسواها. ويشير الكرجي إلى أن الماء الذي لا تتحقق فيه الشروط السابقة هو ماء (رديء وبيء) ، والكلمتان لهما مدلولان محددان تمامًا. فرديء، تعني عدم إمكانية شربه، أما وبيء فتعني أنه ناشر للوباء. والوباء هو المرض القابل للانتشار، ولا يخفى ما للمياه الملوثة من قدرة على نشر الأوبئة (12) . ويتحدث الكرجي عن الماء العذب الذي يسميه الرقيق أو الخفيف، باعتباره الماء الصالح للشرب، والماء الثقيل أو الثخين أو الكريه، باعتباره الماء الملوث الذي لا يصلح للشرب.ويوصي بفحص الماء بالنظر والشم والتذوق. فالماء الصالح للشرب ليس له طعم ولا لون ولا رائحة ويقبل الحرارة والبرودة (13) .
وبعد هذه الرحلة مع كتاب"إنباط المياه الخفية"ومؤلفه، فإن الدراسة المتعمقة له قد أفضت إلى مجموعة من النتائج، التي تجدر الإشارة إليها في النقاط التالية:
ــ تضمن الكتاب براهين رياضية وتحليلات هندسية، ووصفًا لتنفيذ أعمال إنشائية ولأجهزة قياس.
ــ ربط بين الاختلاف التضاريسي على سطح الأرض وحركة المياه.
ــ عرف الدورة المائية"الهيدرولوجية"وتوصل إلى أن الأمطار والثلوج تتسرب عبر شقوق القشرة الأرضية لتشكل مصدرًا مغذيًا للمياه الجوفية التي تظهر من جديد على سطح الأرض.
ــ شرح آلية انبثاق العيون، حين يصادف أن تتقاطع الطبقة المائية مع سطح الأرض من موقع الخزان الجوفي، فيؤدي هذا إلى تدفق العيون.
ــ شرح عدد من الحركات التي تحدث في الأرض، كالسقوط والانهدام بتأثير المركز، وانتقال المياه، وحركة الأجزاء الترابية الدقيقة لتترابط، وحركة القارات.
ــ ربط الكرجي بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية.
ــ شرح وفصل أنواع الماء الجوفي تبعًا لأشكال وجودها ومنسوبها عن سطح الأرض، منها الماء الساكن"البساط المائي"وماء التوآب"الماء المعلق".
ــ وضح أهمية الجبال كمخازن للماء الجوفي.
ــ أشار إلى أثر التبخر في تحويل الماء العذب إلى ماء ثخين وارتفاع نسبة المواد الصلبة فيه.
ــ ربط بين الأحواض المائية الجوفية والتكوينات الجيولوجية، وذكر من هذه التكوينات، حواجز قائمة ومسطحة ومائلة، وهذا الاختلاف أدى إلى ظهور المياه الجوفية بأشكال مختلفة.
ــ شرح وفصل طرق الاستدلال على الماء الجوفي، منها ما يتعلق بنوعية الصخور والتربة وصفاتها الفيزيائية، ومنها ما يتعلق بأنواع النبات، ومنها بعض الاختبارات، كطريقة القدح المقلوب.
ــ فصل الحديث في أنواع الماء الجوفي من الناحية الكيميائية، أي على حسب المواد المنحلة فيها، كالماء الصالح والمر والحلو والكبريتي والزرنيخي.
ــ تحدث عن الشروط الواجب توافرها في مياه الشرب، ومنها ضرورة انخفاض نسبة المواد المنحلة فيها، والاختبارات المتبعة لتحديد هذه الصلاحية، وتحديد أفضلية ماء على ماء، وبعض طرق تنقية المياه.
-تحدث عن دور الفصول والظواهر الطبيعية العائدة إلى كل فصل، وأعاد أصل الظواهر إلى التكاثف والتبخر والحالة المناخية الحرارية.
-صنف التربة تبعًا لمدى صلاحيتها لحفر القناة، والصفات الفيزيائية الواجب توافرها فيها، مثل كمية الرطوبة والقساوة، وخلوها من المواد العضوية والمركبات الضارة.
-شرح تأثير الزلازل على المياه الجوفية بالتغيرات الجيولوجية التي تحدث في باطن الأرض، وما تؤدي إليه من تغير مواقع التكوينات المائية، مما يؤدي إلى أخذها وضعية جديدة.
-أفاض في الحديث عن الأحكام والقوانين الشرعية الإسلامية التي تحكم مصادر المياه الجوفية، فأشار إلى اجتهادات عدد من الفقهاء.
ويلاحظ أن الكرجي كان مجتهدًا في حل مشكلات حُرُم المصادر المائية الجوفية، وقد استفاد من ثقافته وخبرته العلمية الهندسية، مستشهدًا بالأحاديث الشريفة، ومعتمدًا على اجتهادات الفقهاء، فأدرك ضرورة فحص التربة والصخور، وضرورة اتباع اختبارات هندسية، كالآبار الاختبارية، وذلك من لأجل وضع تصور لأشكال التكوينات المائية الجوفية، وتحديد الحريم بناء عليه.