ــ فصل الحديث عن الصعوبات التي تعترض حفر الآبار والقنوات، وقدم حلولًا شاملة، منها حلول هندسية وتنفيذية، ومنها نصائح وقائية، ومنها أدوات وتقنيات تساعد في تذليل تلك الصعوبات.
ــ شرح طرق تنفيذ بعض منشآت المياه الجوفية، مثل تفاصيل حفر وإنشاء القناة وحفر الآبار والمصاعب التي تعترض العمل، والتعامل مع التربة في أثناء ذلك، كدعم التربة الرملية أو اللجوء إلى الأنابيب في التربة الطينية التي تحوي بقايا عضوية.
ــ ناقش الناحية الاقتصادية، وأكد أن قيمة الفائدة المرجوة يجب أن تكون أكبر من كلفة الاحتياطات المتخذة.
ــ أكد ضرورة حماية العمال الذين يقومون بالحفر من الغازات السامة التي يمكن أن تنطلق، وذلك باتباع طرائق هندسية معينة، أو باستخدام بعض الأجهزة، وكذلك ضرورة ارتداء الملابس الواقية من الماء أثناء حفر القناة.
ــ شرح كيفية استخدام الأنابيب الرصاصية في رفع ماء البئر إلى سطح الأرض.
ــ شرح بالتفصيل استخدام البرابخ"الأنابيب"، كوسيلة هندسية لجر المياه وأسباب اللجوء إليها، ووصف شكل البربخ و كيفية صناعته وطريقة تنفيذه.
ــ وأوضح أيضًا حلًا آخر للأنابيب، وهو رص ورصف جوانب الساقية.
ــ أشار إلى العديد من مواد البناء التي تستخدم في المنشآت المائية، كالآجر والحجارة والطين، وخلائط النورة بجميع أنواعها كرابط، واعتنى بتفصيل طريقة تصنيعها واستخدامها.
ــ ذكر ثلاثة أجهزة مساحية لقياس فروق الارتفاع في موقع القناة لتحديد ميلها الطولي، وهي: (جهاز الأنبوبة، وجهاز الصفيحة، وجهاز العمود، وهي أجهزة كانت معروفة في عصره) .
ــ اخترع ميزانين آخرين: ميزان الصفيحة المربعة المدرجة، و ميزان الصفيحة ذات الأنبوبة. ومن معرفته الرياضية في استخراج هذه الموازين وتطويرها وتعديلها، حولها إلى أجهزة متكاملة مدرجة تعطي فرق الارتفاع للراصد مباشرة.
ــ إن الكرجي باختراعاته هذه يكون قد أدخل الأعمال المساحية بوصفها جزءًا من عمل هندسي مائي في حقل العلوم التطبيقية، فحولها من مجرد عمل حرفي يقوم به المساح، إلى عمل هندسي دقيق.
ــ ذكر مراحل تنفيذ منشأة القناة، كاختبار موقع القناة و توقيت البدء بتنفيذها، واختيار مقطع القناة على حسب نوعية التربة و الصخور، ثم تحديد ميول الأرض لتحديد الميل الطولي لأرضية القناة، ثم حفر وإنشاء القناة والحالات المختلفة التي تعترض ذلك، والأجهزة والأدوات المستخدمة أثناء العمل.
ــ أكد ضرورة صيانة منشأة القناة وترميمها باستمرار.
ــ ذكر تقاليد تسليم الأعمال المنفذة من المتعهدين منفذي القنوات"القنائين"، والشروط الواجب توافرها في القناة عند استلامها (انظر الأشكال 1، 2، 3، 4) .
ــ من المحتمل أن الكرجي قد اطلع على الباب الخامس حول هندسة إنباط المياه في كتاب الفلاحة النبطية لابن وحشية. ومن المحتمل أيضًا أن يكون قد اطلع على كتب غير عربية في مجال الاستفادة من المياه الجوفية، ومما يشير إلى ذلك أنه أورد أقوالًا وآراء ينسبها للأولين:"قال الأولون"ــ"قال الحكماء"دون أن يتبناها، وفى أحيان كثيرة ينقدها.
كتاب البئر (14)
ألف هذا الكتاب أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي. ويعدّ هذا الكتاب من الرسائل التي كانت نواة للمعاجم العربية الكبيرة فيما بعد. ويجمع كتاب البئر لابن الأعرابي مجموعة لا باس بها من الألفاظ التي توصف بها الآبار في حفرها واستخراج المياه منها، وقلة تلك المياه وكثرتها، وأجزاء البئر وأنواعها، وأسماء كل نوع، وأنواع المياه الخارجة منها، وآلات استخراج المياه من الآبار.
كتاب عين الحياة في علم استنباط المياه
يعدُّ هذا الكتاب من المؤلفات المتأخرة في هذا العلم، وعلى الرغم من ذلك فإن للكتاب أهمية خاصة، سنبينها من خلال تحليل مضمون هذا الكتاب.
مؤلف الكتاب:
هو أبو العباس أحمد بن عبد المنعم الدمنهورى، نسبة إلى دمنهور بمصر (15) ، ولد فيها سنة 1101هـ، ونشأ يتيمًا ولا وزر له وكان ذكيًا فهمًا، وفي نفسه طموح وعزم، ووجد في اكتساب العلم والتحلي بحليته ما يخرجه من واقع حاله إلى ما يطمح إليه من الرفعة والمجد والعلم. فنزح إلى الأزهر صغيرًا ولم يكفله أحد، واجتهد في تحصيل العلم، واشتد ولعه بالفقه، واجتهد في التعرف على المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، وعني بعلوم الهندسة والمساحة والهيئة (الفلك) والميقات، وصنع المزاول (16) والحساب... إلخ.
وفي أواخر حياته سنة 1181هـ ولي مشيخة الأزهر ولم تطل مدته فيها، إذ توفي في شوال 1182هـ.
سبب تأليف هذا الكتاب:
التمس تأليف هذا الكتاب من المؤلف الشيخ يوسف بن محمد الزغواني التونسي، وهو فقيه تونسي معروف. والغريب في هذا المطلب هو بعده عن تخصصه، والأمر الطبيعي من مثله أن يطلب منه تأليف كتاب في خاص علمه يزيل إشكالًا، أو يحل عويصًا، أو يفصل مجملًا، وليس كتابًا في علم إنباط المياه.
ويجلو هذا الاستغراب ما علمناه من صلة الرجل بأمير بلاده وما كان يدركه من حاجاته ومطالبه في العمران. وقد كان هذا الأمير (الباي حسين بن علي التركي) مؤسس الإمارة الحسينية بتونس، وإليه نسبتها، كان حفيًا بالعمران، جادًا في نشره، وفي طليعة متطلباته هذا الماء ولزوم توفيره وإنشاء الفوارات والسقايات، فبنى المآجل والصهاريج واستكثر من نشره، ومن هنا نشأ اهتمام الشيخ بمطلب الماء، وحرص على التعرف على طرق إنباطه ووسائله ليستعين بها هذا الأمير في نشر العمران والخصب.
محتويات الكتاب:
يتألف هذا الكتاب من مقدمة وبابين وخاتمة.
فأما (المقدمة) ، فقد خصها المؤلف بأشياء تتصل بطبيعة موضوع الماء، ففسر الاستنباط لغة واصطلاحًا، وتكلم عن العالم والعناصر الأربعة التي كان القدماء يظنون أن العالم مركب منها، وهي الماء والهواء والنار والتراب، معللًا وشارحًا خواصها ونسبة بعضها إلى بعض، وذكر الرياح الأربع وحدوثها وصفاتها، وبين علاقتها بالمياه في تجفيفها أو زيادتها.
وأما (البابان) ، فأولهما في"تعريف المواضع التي فيها ماء، والتي ماؤها قريب، والتي ماؤها بعيد وما يستدل به على ذلك من أمارات ذكرها"، وثانيهما تكلم فيه عن حفر الآبار، وطرائقه، ووسائل معالجته، وختمه بأقوال بعضها من الاعتقاد الباطل بالنجوم والقمر، مما يحكيه المنجمون، وبعض آخر من حكايات أهل الشعوذة. وقد كان الخليق بالمؤلف، إذ شاء أن يذكرها، أن يفندها، ويذكر بطلانها وسخفها كما لمثله بعلمه الواسع وعقله الحصيف أن يفعل (17) . وهذان البابان هما لب موضوع الكتاب.
أما الخاتمة فقد ضمنها ثلاثة مباحث: الأول في إيضاح ما تقدم، مستمدًا مادته من (عجائب المخلوقات) وغيره، وهو يتعلق بالأرض وطباعها وطبقاتها وما يحيط بها من الماء والهواء، وصفة الماء وأنواعه والأبخرة.
المبحث الثاني في بيان المعمور من الأرض، طوله وعرضه وطول البلد وعرضه، وقسمة الأقاليم إلى سبعة، وأثر الأقاليم في الأبدان والطبائع والأخلاق. والمبحث الثالث عقده لبيان فضل العلم وأهله، فذكر فيه بعض ما تواترت به الآيات والأحاديث والآثار على فضله والحث على تحصيله، كأنه أراد منه أن يحفز همم الأمة إلى اكتسابه لتفيد منه في شؤون دنياها وآخرتها فتعمر الأرض، وتنبط المياه، وتزرع وتغرس ما تتقوت به، وما يمد لها من أسباب الحياة الهانئة، إذ الحكمة تقول: >اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا